( العيطة في زمن الكورونا) مع شيخ العيطة الحسين السطاتي

جسر التواصل22 مارس 2020آخر تحديث :
( العيطة في زمن الكورونا) مع شيخ العيطة الحسين السطاتي

شيخ العيطة الحسين السطاتي

أكتب هذا المقال بصفتي فنان شعبي مغربي ممارس ومهتم بفن العيطة “شيخ”، عازف كمنجة “كومنجي”، ومغني لمجموعة الشيخات، ارتأيت أن أدلي بدلوي في هذا البئر الموبوء، بئر غارق عميق أسقى البشرية سما زعافا، مازال العلماء في حيرة من أمره، يبحثون لسبر أغواره وردمه، إنه بئر وباء”ڤيروس كورونا المستجد “كوفيد”19” ، هذا الجب الذي ورد من مائه العالم بأسره وسقى القارات بأكملها..نظف الحدائق، وطهر الشوارع والدروب والأزقة والمرافق العمومية، وسن الطهارة من جديد، وأقفل المطارات والملاعب والمدارس والمعاهد، والجامعات ومراكز التكوين..وفرض منظومة التعلم عن بعد، وأوصد دور العبادة بما فيها المساجد والكنائس…ومنع صلاة الجمعة والجماعة، وأوقف الشعائر بالحرمين الشريفين والقدس..وأغلق المطاعم والمقاهي والملاهي والحانات، ومرافق الثقافة من مسارح ودور سينما ومهرجانات..قلب موازين وألغى مهرجان موازين وغيره.. وأجل الأعراس والحفلات والملتقيات، ومنع التجمعات..وسد المنافذ برا وبحرا، وسوى بين الغني والفقير، والقوي والضعيف..وأغرق الألاف من البشر وقتلهم خنقا، وسجن الملايين، وأطلق سراح المساجين، وزرع الرعب والعذاب والألم والأنين..تبا لهذا العدو اللعين، لم يسلم منه إلا المحتاطين، حصد ومازال يواصل حصد الأرواح، ولا زالت الجائحة تجتاح..
وفي المقابل فقد أنبت هذا البئر اللعين طفيليات خبيثة، وأظهر شردمة من البشر تقتات وتغتني من مآسي الآخرين، مضاربات واحتكار للبضائع والسلع والزيادة في الأسعار دون خجل ولا مواربة..ونوع آخر يشتري ويخزن الكميات الكبيرة من السلع غير مبال بغيره شعاره في ذلك ” أنا ومن بعدي الطوفان”. ونوع يتلذذ بنشر الرعب والهلع بنشره لفيديوهات مزيفة وتصريحات مستهترة ومستخفة بهذا المرض. شبه أزمة أظهرت التخبط وعدم الانظباط..وفي خضم هذه الأزمة ظهر أسود مغاربة شرفاء تبرعوا بدمائهم وأموالهم حيث وصلت قيمة التبرعات بالملايير…
هذا من جهة، ومن جهة أخرى بصفتي متقاعدا “أجودان للدرك الملكي سابقا”، أرفع التحية لجميع العاملين بالقطاع الصحي؛ أطباء وممرضين وعاملين ..وكل أفراد الأجهزة الأمنية بما في ذلك الدرك الملكي والأمن الوطني والقوات المساعدة والوقاية المدنية والجيش والموظفين العموميين…وأفراد السلطات المحلية من شيوخ ومقدمين على مجهوداتهم الجبارة التي يقومون بها، للتصدي لهذه الجائحة. لكني أعاتب عتاب حب، لكونهم مقصرين في حقهم، إذ يحز في نفسي أن أرى من يسهر على أمني وسلامتي لا يرد بالا لسلامته ويلقي بنفسه إلى التهلكة، يؤلمني أن أرى دوريات مختلطة مكونة من رجال الدرك الملكي أو أفراد الأمن الوطني، ورجال السلطة المحلية من الباشا والقائد والشيوخ والمقدمين ..يقومون بمهامهم وبواجبهم الوطني الانساني المتجلي في حملات تحسيسية توعوية، دون أخذ الحيطة والحذر. أراهم وقد نسوا أو تناسوا أنفسهم غير ملتزمين بالاحتياطات اللازمة الموصى بها والتي يوصون وينصحون بها الناس، والمتمثلة في أخذ مسافة التباعد الجسماني فيما بينهم ووضع القفازات والكمامات حتى لا تنتقل أو تتنقل إليهم العدوى..لأن تجنب الاصابة في هذا الوقت بالذات صار واجبا، وأتمنى أن يأخذوا بالاحتياطات اللازمة حتى في تجمعاتهم للنداء، وفي أماكن عملهم؛ في المطعم والمرقد وخلال تجمعهم للتدخل وهم بمراكز الحراسة وبالثكنات…أكتب هذا لأنني كنت ضابطا للشرطة القضائية، ومدرسا للشرطة القضائية والتقنية العلمية ومدربا عسكريا لضباط الصف..أعرف أنهم يجتمعون بالعشرات.. فكما هم يخافون علينا فنحن أيضا نخاف عليهم، ويجب حمايتهم والاهتمام بهم.. ولا مجال للتهاون أو الاستسهال أو الاستهتار..و” اللي فرط يكرط”.. ولهم جزيل الشكر والتحيات على تضحياتهم وقيامهم بالواجب المهني…
والغريب في الأمر أنني أرى وأسمع مواقع التواصل الاجتماعي والقنوات التلفزيونية والإذاعية الوطنية منها والدولية، وعلى الجرائد الورقية والإلكترونية..تعج بالدعوات والمناشدات للبقاء بالمنازل والإبتعاد عن التجمعات والإلتزام بالحجر الصحي وحضر التجوال، ليصير الخروج مقننا إلا للضرورة وبترخيص..إلا أنني أرى بعض الأشخاص وكأنهم مجانين رفع عنهم القلم، مستهترين غير مبالين وغير مهتمين، يطوفون في الشوارع، ويتجمعون في رؤوس الدروب والأزقة جماعات، وآخرون يتحلقون حول صاحب محل مواد غدائية كعادتهم في سائر الأيام العادية..فحتى المجانين والمشردين هم إخواننا ومنا يجب جمعهم من الأزقة ووضعهم في أماكن تصون كرامتهم وتقيهم شر هذا الوباء..
أما المضحك المبكي فهو دعوة بعض أشباه الفنانين المغاربة
الناس لغناء النشيد الوطني من شرفات المنازل، فهذا في نظري يعبر عن سداجة وقلة وعي وضعف ثقافة، أو ما يسمى “بالطنز العكري”، هم لا يعرفون أن الآلاف من المواطنين ليست لهم شرفات، والكثير بدون منازل، وفئة كبيرة من المجتمع تعمل في القطاع غير المهيكل، وليس لها عمل قار، هناك من يعمل بالنهار ليأتي بما يأكله أبناءه بالليل، وقد يعمل أسبوعا ويجلس شهرا عاطلا، يجب على الدولة الالتفات إلى هذه الفئة، وأن نمد العون والمساعدة لأقاربنا واخواننا..إذ كيف نطلب من شخص أن يشاركنا الغناء وهو وأولاده يتدورون جوعا..أعتقد أن الوقت ليس وقت : منبث الأحرار، ولا غناء عيطة “خربوشة”، او “حاجتي في گريني” ولا “الشاليني”…إنه وقت الشدة، وقت “الحزة”، وقت الجد، وقت كورونا، وقت التضامن والتكافل والتآزر والعطاء والدعاء والابتهال إلى لله عز وجل وقراءة الورود والاستغفار…هذا هو الوقت الذي ينبغي أن نجود على بعضنا ولو بالقليل حتى ولو كان سلف دين….هذا هو الحين الذي يجب أن يساعد فيه الغني الفقير، ويعاون القوي الضعيف، وأن نضع اليد في اليد، ونتقيد بالتعليمات والتوصيات الصادرة عن الجهات الوصية، ونتحلى بالانظباط، ونتجند وراء ملكنا الهمام، لنهزم هذا العدو القاتل السري اللامرئي..يجب علينا العمل بتعاليم ديننا الحنيف ووصايا نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، من طهارة وعبادة وعون الأخ وطاعة أولوا الأمر.. وأن نأخذ الدرس من شعب الصين في تماسكه وانظباطه الذي حارب به هذا العدو بضراوة، وحد من انتشاره بل أوشك على اكتشاف اللقاح والقضاء عليه. كما ينبغي علينا أن نستفيد من دول أخرى استهانت واستسهلت بهذا الوباء وهاهي اليوم تتخبط تخبط عشواء، تعد موتاها بالمئات ومرضاها بالآلاف…وعلينا أن لانستهتر كي نتفادى شبح السيناريو الايطالي..
لقد سبق وأن سألني أحد الصحفيين ذات حوار صحفي:”هل فن العيطة يعول عليه الفنان؟”، فكان جوابي نفيا بالقولة “يا ويح من قوتو في صوتو”، فقلة قليلة هم الدين اغتنوا أو اكتفوا من هذا الفن، مشيرا بذلك أنه ينبغي على الفنان ممارس فن العيطة أن يتعلم حرفة أو صنعة أو مهنة تقيه عوائد الدهر، ويعول عليها في الأزمات والشدة، وتصون كرامته في أرذل العمر..وها أنا اليوم أتواصل مع زملائي “أشياخ وشيخات”، في ظل هذه الأزمة، وهم محاصرين محجرين صحيا في بيوتهم بعد أن ضاقت بهم السبل من جراء تداعيات هذا الوباء، وجف صنبور الأعراس، و”اللقجات”، وسدت الملاهي والحانات…فعلى الميسورين من الفنانين أن يدعموا زملائهم الذين كانوا سلاليم امتطوها حتى وصلوا لما هم عليه اليوم، ..وعلى المغنيين رؤساء الفرق الموسيقية أن يشدوا بأيدي أفراد مجموعاتهم، وكل واحد منا يتكفل ولو بأفراد فرقته حتى وإن كان ذلك سلف دين إلى أن تمر هذه الجائحة بسلام، وينجو أهل العيطة في زمن الكورونا، وتعود المياه النظيفة إلى مجاريها..

وختاما أنا شخصيا لا أدعو الآن إلى غناء النشيد الوطني من شرفات المنازل، لكن واجب علي أن ألتزم بيتي وأنظبط لأن إلتزام البيوت لم يعد نصيحة بل صار واجبا من أجل الوطن والمواطنين..وأتقيد بتنفيذ التوصيات والتعليمات الصادرة للحد من انتشار هذا الوباء، وأتواصل مع أفراد مجموعتي الغنائية وأساعدهم قدر المستطاع..وأؤدي واجباتي الدينية والأسرية داخل منزلي، وأضحك مع زوجتي وأبنائي، ولابأس أن أتمرن وأعزف على الكمنجة، وأغني بعض العيوط..التي تنطبق بعض كلماتها على وضعنا الحالي، وإليكم مقطع من العيطة المرساوية “دامي”: التي لا أستبعد أن تغنيها في المستقبل شيخة قد تحمل لقب ” الشيخة كورونا”:

الله يا دامي….هواك عداني
العدو بعد مني…خايفك لا تجدمني
ما أنت كاوي….ما أنت مكوي
سيدي كل كاوي…تزادتو كية
العدو آش بلاني بيك….حتى بليتيني
سيدي آش داني ليك…حتى عاديتيني
ما تعنگ ما تبوس…لوح ع الفلوس
مول الجود يجود… ربنا موجود
الجايحة جاحت….ع تغطى وسكت
سيدي جاحت الجايحة….ناضت الحيحة
الحبيب يا الحبيب…راه الوقت صعيب
المحبوب يا الحبيب…فراج الله قريب
عن شيخ العيطة الحسين السطاتي

Views: 7

الاخبار العاجلة