جسر التواصل : خص الكاتب والصحفي الكبير عزوز شخمان جسر التواصل بروايته العميقة ” المرأة التي رممت شظايا رجل الأيام والليالي بدونها” وجسر التواصل اذ تقدمها للقارئ فانها تقدم عملا روائيا متميزا للاستاذ عزوز شخمان الذي قضى سنوات طويلة في العمل الصحفي ما بين صحافة مكتوبة ومسموعة وكان له حضور بارز في الاعلام الرياضي المغربي والعربي …
عزوز شخمان

(12)
كنت اعتقد أن سفرها سيجعلني منكفئا في وحدتي متشاكسا مع ظلي أو منخرطا في إحدى تفاهاتي اليومية وترهاتي الوجودية، غير أنني أكاد لا أجد الآن أدنى فرصة للاختلاء بنفسي. وها هي تواصل حضورها الباذخ في تأثيث تفاصيل باطني وظاهري ووعيي منذ سفرها بالأمس. قررت اليوم القيام بالأشغال المنزلية التي اعتادت هي القيام بها. حاولت غسل الأواني بنفس الطريقة التي تعودت هي عليها، ثم تنقلت عبر البيت محاولا كنس المكنس وترتيب المرتب فقط من أجل اكتشاف نمط العمل اليومي الذي دأبت عليه هي طيلة سنوات. فجأة راعني أمر مريب. لقد باغتت نفسي وأنا أختلس النظر الى صورتي في ثلاث مناسبات، عبر ثلاث مرايا مختلفة. واحدة في الحمام. والثانية في غرفة النوم. والثالثة في غرفة الاستقبال والمعيشة. وخلال تلك المرات رمقت صورتي بنظرات غاضبة وساخطة، وبلغ بي الأمر حد إطلاق الشتائم ثم ختمتها بوابل من البصاق ألقيته على وجهي الذي ظل يتلصص علي عبر المرايا. والغريب أن صورتي في المرآة لم تكن أقل وقاحة فأخذت تبادلني الشتم والبصق في المناسبات الثلاث. لقد صار لي خصم جديد. وجهي. ألا يمكنني العيش بدون خصوم؟ فجأة تفتقت في ذهني فكرة (عبقرية). لم علي النظر الى وجهي دون رغبتي؟ لم أعد أطيقه. وابتداء من اليوم سأسعى لتجاهله لأطول مدة ممكنة. أريد أن أخلو بنفسي دون أن أرى ملامحه. علي أن أمحو صورته من حياتي هذه الايام، تماما كما سبق ومسحت تاريخي الشخصي والجماعي المزيف. هكذا اتخذت قراري التاريخي الأول في غيابها. قمت فورا بوضع غطاء على كل واحدة من المرايا الثلاث فاختفت عن نظري على الفور صورة (صاحب الظل الوقح). لم يعد مفروضا علي التطلع بعد الآن الى ذلك الوجه البئيس. قطعت صلتي به كما سبق وقطعت صلتي بالعالم الخارجي. ثم انتقلت الى الخطوة التالية وهي تعطيل هاتفي وبريدي الالكتروني قصد التأهب لما ينتظرني. أريد أن أتفرغ للمواجهة مع النفس لاختبار درجة صمودي في التعامل مع أسوء مخاوفي، في يوم فريد كهذا. أصبحت الآن بدون وجه مزيف ولا مرآة متلصصة. وبدونها هي بالخصوص.
Views: 5
























