جسر التواصل : خص الكاتب والصحفي الكبير عزوز شخمان جسر التواصل بروايته العميقة ” المرأة التي رممت شظايا رجل الأيام والليالي بدونها” وجسر التواصل اذ تقدمها للقارئ فانها تقدم عملا روائيا متميزا للاستاذ عزوز شخمان الذي قضى سنوات طويلة في العمل الصحفي ما بين صحافة مكتوبة ومسموعة وكان له حضور بارز في الاعلام الرياضي المغربي والعربي …
عزوز شخمان

(8)
الثانية صباحا. اتجهت الى كراتين وعلبات الكتب وبدأت في إفراغ محتوياتها والتنقيب في مضامين الوثائق والأوراق والدفاتر. يا له من ركام عجيب؟ أفرغت الأوراق وسط غرفة الجلوس على شكل كومة كبيرة كأنها كتلة من النفايات الهائلة. يا له من كوكتيل من كل شيء؟ مئات الكتب والدفاتر الصغيرة والمذكرات المتناثرة في فوضى عجائبية أمامي. تراجعت الى الوراء مذهولا من هذا الركام الذي تسببت في انشائه، بدا لي كبركان خامد على وشك الانفجار وقريبا سيجرفني ويبتلعني بمحتوياته الورقية. بعد دقائق من التفكير بدأت محاولاتي الأولى للتخلص من كل ما هو منتهي الصلاحية. كانت تلك نصائحها من قبل، ولم استوعبها سوى هاته اللحظة. شرعت في فحص محتويات مذكراتي التي كانت مشتتة مثل ذهن صاحبها. ويا ما أكثر ما وجدت من كتابات، وخواطر، وأفكار، وأشعار. كتبت فيها عن كل شيء. ويا ما أقل ما وجدت من أوراق أو كلمات مخصصة لها هي لوحدها. لم أجد سوى وريقة يتيمة ضائعة بين الأوراق. والمدهش انني كنت قد كتبتها قبل ثلاث سنوات في ظروف مشابهة لما يحدث اليوم في أعقاب سفرها في زيارة عائلية. حتى في تلك الكلمات البسيطة بيني وبين نفسي لم تحض مني بتلك الكلمة الوحيدة التي ظلت تتلهف لسماعها مني. فإن لم تكن هي من يستحقها فمن سواها تستحق؟
الساعة الثالثة صباحا من هذه الليلة الطويلة التي لا طائل منها. مرت خمس ساعات على اقلاع الطائرة التي حملتها بعيدا عني صوب الضفة الأخرى من الأطلسي. هناك حيث تجثم بلادي، ومسقط رأسي، وآبائي، وأجدادي. تلك التي كلما تذكرتها الا وقال لسان حالي على لسان الشاعر:
بلادي وان جارت علي عزيزة
أهلي وان ظنوا علي كرام
بلادي منبع طفولتي ومسرح عنفوان شبابي. التي لازالت أرضها معطاء وخيار أهلها يحتلون جزء هاما من قلبي فيما شرار أهلها على قلتهم هم حرامييها ولصوصها وناهبيها الذين أفرغوا جزء هاما من هذا الحب والتقدير في نفسي. وجاءت هجرتي المتأخرة لتشطر قلبي شطرين. كأنني فلتة من فلتات الطبيعة. كائن بقلبين اثنين. يحتضن أرضين، ومشاعري وأفكاري ممزقة بينهما وتكابد للجمع بينهما في توليفة مستعصية. بلاد المولد، والمنشأ، وحياة الطفولة، والذكريات. ثم بلاد المأوى والملاذ بعد ذلك. أمران أحلاهما مر. البقاء والهجرة؟ أم العودة والبقاء؟ أحمل في قلبي حب أرضين. فهل نستطيع أن نحب وطنين أو امرأتين في نفس الوقت؟ أحمل عبء شعورين حلوين ومريرين. قلبي ممزق بين وطنين. في كلا الوطنيين حضرت تظاهرات ومظاهرات شاركت فيهما على طرفي نقيض. في المرة الأولى وفي أولاهما تظاهرت ضد سياسة ثانيهما. وفي الثانية تظاهرت ضد سياسة أولاهما. لقد تظاهرت معهما وضدهما في زمنين مختلفين ومتناقضين. وفي كلتا الحالتين كنت مخلصا مع نفسي وفيا لمبادئي الإنسانية الصرفة. بلادي الأولى ستظل عزيزة علي حتى ولو جار علي شرارها أما بلادي الثانية فإن هجرتي اليها حديثة ونابعة من قناعتي واختياري لأنها أجارتني من ظلم الجائرين. فماذا عني اليوم؟ هل ما أزال مقتنعا بالشعار القديم الذي يقول: قطران بلادي ولا عسل البلدان؟ لقد اتخذت قراري وحددت مكانا بحجم كرامتي لا بحدود ما يملأ بطني ويطفئ رغباتي. كرامتي كانت هي التي حسمت الاختيار. ومع ذلك ما يزال قلبي يحمل في سويدائه بصمة وطنين. بقدر ما أحب أناسهما الطيبين البسطاء المكافحين المثابرين والصابرين بقدر ما أمقت شرار سياسييه وخاصة الافاقين منهم والنصابين وهم أولئك المتسلقين المتزاحمين في قمة الهرم. أدرك أنه في كلا الوطنيين من لا يعجبه هذا الكلام وسيأتي من يلومني لمجرد حبي لكليهما. فلن أتوقف عن ذلك ولن أتغير. ولكي أكون أكثر دقة فأنا مع تقدم العمر والفكر والتمرس بمكر السنين أصبحت أعتبر أن الأرض بأسرها وطني.
Views: 22
























