“بهلوان الكراج” (الفصل السادس) ” المهمة الأخيرة -2-  خطاب الضجر “للكاتب والصحفي الكبير عزوز شخمان

جسر التواصل21 ديسمبر 2021آخر تحديث :
“بهلوان الكراج” (الفصل السادس) ” المهمة الأخيرة -2-  خطاب الضجر “للكاتب والصحفي الكبير عزوز شخمان

جسر التواصل : خص الكاتب والصحفي الكبير الاستاذ عزوز شخمان جسر التواصل بفصول من روايته الرائعة “بهلوان الَكراج ” وجسر التواصل اذ تقدمها للقارئ فانها تقدم عملا روائيا متميزا للاستاذ عزوز شخمان الذي قضى سنوات طويلة في العمل الصحفي ما بين صحافة مكتوبة ومسموعة وكان له حضور بارز في الاعلام الرياضي المغربي والعربي …

عزوز شخمان

                                                                خطاب الضجر
                                                                 24
بحثت طويلا عمن أحكي له ما في جعبتي. كنت أستثقل حمولتي الزائدة. وبات علي التخلص منها.. وما يدريني إن كانت ما بحوزتي شفرات من عالم آخر، سفليا كان أو رماديا قاتما؟ لا يعنيني أكانت للتبشير أم للتحذير؟ أم هي مجرد طقس من طقوس إلقاء النفايات على رؤوس أينعت وهي فارغة؟ ما راعني حقا في رحلة الجوف ألا أحد كان مهتما أو مستعدا للإنصات. كنت كلما اتجهت نحو أحدهم مخاطبا إلا وأشاح بوجهه عني وولى مدبرا، تماما كما كان يحدث لي في حياة سابقة! مررت على جمع من الخلائق وكانوا كلهم مهرولين. كانت آذانهم طويلة نصف دائرية تمتد الى الأكتاف. هذا ما خلته في البداية، ولكنني حين اقتربت منهم وأمعنت الرؤية بدا لي أنهم يشبهون الناس العاديين أو يكادون، غير أن أصابعهم كانت تأبى الانفصال عن آذانهم بينما تصدر أفواههم أزيزا متواصلا شديد الإزعاج. غادرتهم محبطا أبحث عن آذان أخرى صاغية. عند نهاية الطريق رأيت جمعا آخر من الخلائق يجلسون القرفصاء، متحلقين مترقبين، وعيونهم تتلألأ ببريق غريب. استبشرت خيرا وحدثت نفسي متفائلا..
أخيرا وجدت ضالتي!
اقتربت منهم محييا فلم يرد علي أحد. لم أكترث وقلت مع نفسي لا بأس.. لعلهم لم يفطنوا بعد لوجودي. اخترقت صفوفهم حتى بلغت المقدمة ثم اعتليت المنصة، وشرعت في إلقاء خطابي.
كان خطابا طويلا “رنانا” لا يختلف في حرارته “الزائفة” عن غيره من خطابات الضجر. ولا يقل في تعابيره وانفعالاته عن خطابات المسرحيين من سياسيين، وشيوخ، وقساوسة، وأحبار.. كان يضاهي خطابات “ساسة الزمان” من حيث شراسته. حاولت من خلاله أن أحذو حذو المتحذلقين معتمدا على قاعدة “خالف تعرف”. خاطبت تلك الجموع “المكممة” الافواه، من المقرفصين قائلا:
إن الأكوان المتعددة والمتوازية في مفترق طرق، وعلى أهبة أحداث جسام… كفاكم تحديقا في السطح والتفتوا قليلا إلى الباطن، ليس السطح مثل الجوف. حاولوا الإصغاء الى تلك الأصوات الخفية الصادرة من الجوف. لم تعد بساطة الظاهر لتعبر عن طبيعة ما يقع. وليس كل ما يقال يستوجب التصديق.
أعجبتني العبارة الأخيرة وأشبعت غروري فقررت تزيين كلمتي ” التاريخية بنصائح جوفاء من قبيل التحذير من مكر الدجالين والحواة وسحرة الألسن وأشباههم من مشرعين ومنفذين وأعوان.. مع الاحتياط من حاملي الصفات المفبركة كرجال الأعمال والوسطاء والمستشارين. ونبهتهم من ذوي الأزياء الموحدة والشمولية-سوداء كانت أم بيضاء أم زرقاء داكنة- وخاصة محترفي المحاماة والمداواة بالتي كانت هي الداء…وفي مقدمتهم الحربائيين والناطقين الرسميين باسم الضلالة والخديعة الإنسانية من كل الطوائف والنحل.
كان الجمع يواصل التحديق في المنصة التي أصبحت الآن هي مسرحي الكوني وفرصتي التاريخية لإفراغ ما في جعبتي.. رفعت أصبعي ملوحا في وجوههم الواجمة، ومرت في ذهني أطياف سحرة العهد الجديد.. من سياسيين.. وكل من يسير في ركابهم من سماسرة المثقفين والاعلاميين الانتفاعيين، فانفجرت في الحاضرين صائحا ومحذرا:
إياكم ثم إياكم من هؤلاء الاوغاد! كفوا عن التحديق في الكرات البلورية السحرية التي تخرج من جرابهم، ابتعدوا ما استطعتم عن طريق وسطاء الاحلام ومحترفي التنويم المغناطيسي والتنجيم المكرو-اقتصادي والقهرو-اجتماعي! هبوا للإجهاز على أجهزة التضليل قبل أن تجهز عليكم وتطمس هوياتكم؟
كان الحماس قد أخذني مأخذه فصحت فيهم مضيفا بكل ثقة:
ألا ترون كيف خيمت على الكون كل تلك السحب الداكنة من “كيميتريل” الخداع والتضليل والتجهيل. وانقلبت المفاهيم إلى أضدادها. أما آن النهوض من سباتكم؟
تطلعت مرة أخرى نحو الصفوف. كانوا على نفس هيئتهم الأولى. صمت مطبق. اعتقدت أنهم بدأوا يستسيغون كلامي ويستوعبون رسائلي.. وتوقعت تفاعلهم معها، لكنني فوجئت بصمتهم الرهيب، فتقدمت نحوهم لاستجلاء الأمر. كان بريق عيونهم هو العلامة الوحيدة على أكونهم قيد الحياة. كنت كلما أمعنت في الاقتراب منهم والتفرس في وجوههم إلا وأمعنوا في التحديق في عيوني بدهشة تفوق دهشتي واستنكار يضاهي اشمئزازي. فانتفضت في وجوههم مؤنبا:
لم لا تجيبوا أو تستجيبوا أيها الملاعين! ماذا دهاكم؟ أليست حقوقكم ومصالحكم على المحك! ومصيركم يتقرر تحت أرنية أنوفكم، ولا تحركون ساكنا! تبا لكم!
عبثا كان صراخي ومثله خطابي! انتابني اليأس والغثيان وراودتني فكرة المغادرة والانسحاب من جماعة الصم-البكم هؤلاء، غير أنني ارتأيت -قبل ذلك- استخدام آخر أوراقي. قلت مع نفسي علي أن أجرب الإنخراط في الصفوف والمشاركة في الطقوس القرفصائية، علني أقف على الحكمة الكامنة من ورائها. وهكذا توغلت وسطهم متفرسا في وجوههم فردا فردا مستطلعا ومتفحصا ويا ليتني ما فعلت! لقد أمضيت وقتا طويلا… خلته سنوات من حياة سابقة.. فكأنني ما خاطبت ولا عاشرت الا دمى. كانت مجرد رؤوس جوفاء ذاهلة… جماجم بعيون متلألئة وأفواه مكممة وآذان صماء. تراجعت الى الوراء بحذر، وألقيت عليهم نظرة أخيرة، مستحضرا أشباها لهم لعلها نسخا منهم أو مسوخا من نسلهم.. كانوا فيما مضى أفواها تجيد المضغ والتشدق كلما تسنت لها فرص الكلأ. بعدها تتسابق في ميادينها المفضلة. ثرثرة بلا نهاية.

 

 

Views: 10

الاخبار العاجلة