” ريان… أيقونة صبر” للفنان سعيد غزالة

جسر التواصل8 أبريل 2022آخر تحديث :
” ريان… أيقونة صبر” للفنان سعيد غزالة

سعيد غزالة

                                                                 31
في مكان قصي وأنا محلق فوق سهول قريتي، شاهدت مجموعة من الأطفال يلعبون قرب حفرة صغيرة والبعض منهم يقفز من فوقها، لما حذر طفل صديقه من السقوط كان جواب الآخر صادما:
_ أريد أن اسقط حتى أصبح كريان. تمتلئ قريتنا بالزوار وأصبح مهما…
لم يعد للموت معنى ولا للخسارة مدلول. في عالم صارت فيه قطعة الخبز منية الكثيرين، في حين أن البعض كنا نسمع عنهم يأكلون اللحم يوميا. كيف أصبح لحادث مؤلم كهذا كل هذا الشأن حتى يتمنى الأطفال أن يكونوا بدلا عن ريان في حفر أخرى. أهو الحرمان أو عدم الاهتمام أم حاجة فقدناها بيننا؟ واصلت طيراني… كانت الطرقات المؤدية إلى مكان الحادث مليئة بالوافدين للانضمام إلى الناس المرابطين هناك عند جُب ريان، يحدوهم الأمل لمعجزة فقط. الوقت ينفذ ولم يتبق الكثير للإعلان عن الحقيقة، الحقيقة الصادمة. لم يتبق على شق الجبل إلا أمتار قليلة استعصت على الحفارين. متى يصلون إلى جسد أنهكته البرودة وتلاشي في ذرات التراب كأي حشرة داسها نعل أحدهم لم ينتبه لها ولا لوجودها؟ متى سيتمون الاستعدادات الجنائزية لاستقبال نهاية طفل وبداية آلام أخرى. وأنا أطير نزلت فوق تلتي المفضلة أحاول أن أسترجع بعض ذكريات طفولة قصيرة لا تتعدى شهورا معدودات…
أنا ريان الصغير ابن الخمس سنوات وأيام، أحاول أن أشارككم بعضا مما علق بذاكرتي الصغيرة رغم كل هذا الحزن الذي يعم العالم.
لماذا؟
كان أبي يصحبني معه إلى المقابر لدفن الموتى. في البدء كنت أبدي تمنعي من هذه الرفقة، لكنه كان يصر على اصطحابي. لكن بعد حديث طويل معي اقتنعت بالأمر ولم يبقى عندي خوف من السير خلف الجنازات، قال لي:
ريان بني، الموت حق ولا مفر لنا منه… ومهما طال العمر بالإنسان فمصيره واحد: الموت. فلا الحياة باقية ولا الموت واعدة بشيء. فقط يا ولدي الخير الذي نقدمه للناس من سيشفع لنا عند لقائنا بالله. فالله ينتظرنا حتى نأتيه محملين بفعل الخير، أما الشر فجزاؤه عذاب وعقاب. ورحمته سبحانه تسبق عذابه. عرفت كل هذا من حديثه الذي يوثرني به دون إخوتي. كان هدوء أبي وبساطته تجعلان كلامه يخترق القلوب ويستقر في النفوس. ولذلك كنت أنتظره كل أمسية عند أول الطريق المؤدي إلى بيتنا وهو قد ألف هذا الاستقبال، فكان يقلق إذا لم يجدني أنتظره. عندما كنا نجلس جميعا على مائدتنا البسيطة مساء، كان أبي، دائما، يضعني بجانبه وكان رغم أنني كنت أعتمد على نفسي في الأكل كان يقدم لي لقيمات إلى فمي وهو فرح ويحثني على الأكل فقط لكي أكبر. ربما كان يخشى علي المرض أو نقصا في صحتي. كنت أحس أنه بحاجة لمن يساعده في عمله بالحقول والعمل اليومي الشاق، رغم إصراره على ذهابي إلى الكُتّاب. لم أكبر أبي. فلتسامحني أيها الغالي.
واصلت طيراني في عودة إلى موقع الحادث، فألفت أبي بمنأى عن الجموع يجلس تحت التينة وبجانبه حماره الودود. تقدمت منه فوجدته يمسك بكيس بلاستيكي أسود. جلست أتامل سهومه، فراعني أنه يبكي في صمت لا ينطق فيه إلا الدمع الذي يخضب لحيته القصيره… بعد لحظات أدخل يده في الكيس ليستخرج منه زوج حذاء جلدي في مقاسي. يااااه يا أبي. يااااه يا غالي. متى كنت ستفرح ريان به؟ وهو يقلب الحذاء بين يديه أجهش في البكاء بشكل مؤلم لم أتحمله فكان حماره الودود يتمسح به في مواساة. رفعاني جناحي إلى فوق، إلى بعيد ليبقى هذا المشهد الأشد على قلبي. لا تحزن أبي سترزق أطفال أخر فلربما ستسمي أحدهم على اسمي. أحبك يا غالي.
 

 

                                                                             32

 

…تهليلات وتكبيرات صدحت من هنا وهناك مفادها أن عمليات الإنقاذ قد اقتربت من الهدف وأنّ روح ريان ما تزال تقاوم فقط من أجلكم.
خرجت أمي تتقدم الحشود والناس يقدمونها وكأنهم يتوسلون بركتها حتى يتحقق حلم تمطط في هذه الأيام الأربعة وكأنها أربعة شهور على طولها. الكثير من نسوة القرية تحلقن حول أمي يبتسمن في وجهها ويطمننها على ريان وكأن الخبر يقين والأمر حسم فيه. كانت نظرات أمي لهن متوسلة وتقول كلاما آخر. قلب الأم عليم.
لم تقو أمي على البقاء، خفضت رأسها وعادة إلى بيتها يتبعها إخوتي وأبي جالسٌ عند عتبة البيت، اجتمعت الأسرة عند أبي مفترشين تربة العتبة.
عندما نفقد شخصا قريبا لقلوبنا تُفقد حلقة في سلسلة الحياة ونسقط في هوة من الصمت الذي يهزم كل لغة مهما علت بلاغتها. هكذا كانت أسرتي غارقة في هذا الإحساس القاسي على القلب محتسبين الله في مصابهم، وكأن الأمر محسوم فيه ولا مجال لأي مفاجئة كانت مفرحة أو محزنة… هو نوع من الإمتنان إلى هذه الجموع المتضامنة بلا شروط. حتى كلبي ترك شجرته وانضم إلى الأسرة.
جلست إلى جانبهم في عزلة عن عالم الحشود هناك وكأن على رؤوسنا الطير كما كان يقول فقيه الكُتَّاب. للصمت لغة بليغة عن كل الكلام عندما يعجز هذا الأخير عن التبليغ. للصمت قوة الماء الهادر الآتي في حملة فيضان بعد جفاف طويل حاملا معه كل مهمل في الطريق.
رفعاني جناحي للعودة بي إلى موقع الحادث تاركا أسرتي هناك. كانت الجموع المحتشدة تتكاثر وكان الأمل يكبر لديهم بين مصدق ومرتاب وفرح ومحزون. هل سيصلون إلى استخراج ما تبقى من ريان الطفل الذي رحل بعيدا؟
شمس بديعة تلك التي تشرق في اليوم الخامس. وكانت بشائر أمطار قريبة وريح باردة تفاءلت بها الجموع فلعل هذا اليوم يكون نهاية لبداية جديدة ترفع عن الناس هذا الغبن وتنهي انتظارا بلا معنى!
عدت إلى الشجرة العالية فجلست عند قدمها على صخرة ملساء، ضممت جناحي إلى بعضهما، أغمضت عيني فوجدت نفسي في عالمي الأخضر وكل مخلوقاته لاهية عني وحيد يضيق صدري كما ضاق عندما كنت في الجُب. هل يعني أن عذاب الآخرة يختلف عن عذاب الدنيا؟ أو أن تواجدي بعيدا عن عالمي وعودتي إلى الدنيا هي السبب؟ فتحت عيني على سحابة تغطي سماء قريتي وريح تثير غبارا عثر من مجهودات الحفارين وآلات الإنقاذ لتتوقف بعض الوقت. كانت النساء المسؤولات على الإطعام يقدمن وجبات الفطور للأطفال ولمن يرغب في ذلك… فردت جناحي وحلقت حول موقع الحادث كنسر مسالم يستعرض فقط مهاراته. ولما أنظر إلى السماء أرى الباب البرزخي ما يزال مشرعا ينتظر نهاية هذه الزيارة العجائبية، وعالم أخضر ينتظر، هو الآخر، استكشافه أكثر فأكثر…
لم يعد لدي شك في أن هذه النهاية الوشيكة ستكون صادمة، ولا أنوي أن يكون حضوري إلا شهادة على أني طفل غير محظوظ أن يكون من أهل الدنيا… هكذا يا ريان كتب عليك هذا المصير، فقط لأنك كنت تسابق جديا حاد عن حفرة لم تحد أنت عنها. هكذا يا ريان ستنسحب وأنت تحمل أطنانا من الشوق لأمك والأسى لهذه الحشود التي لا تطلب من الدنيا إلا لحظة فرح أصبحت نادرة في هذا العالم البئيس والمهزوم. هكذا يا ريان الملاك ستطير مبتعدا تاركا ذكرى هل سيمحوها النسيان؟
آليات أخرى أراها تلتحق بمكان الحفر لربما هذه أحدث من الأخرى قد تحقق المطلوب.

Views: 6

الاخبار العاجلة