“ريان… أيقونة صبر” للفنان سعيد غزالة

جسر التواصل8 أبريل 2022آخر تحديث :
“ريان… أيقونة صبر” للفنان سعيد غزالة

سعيد غزالة

                                                              29
نساء ورجال، شيوخ وأطفال، وحياة أخرى اختلط فيها كل شيء وألغيت عندها كل الحدود، فتوحد الناس في محج رهيب هذا الذي أراه من أجل طفل صغير سقط، دون قصد، في جُب بجانب بيته كان مشرعا بلا حراس! أربعة أيام وما تزال هذه الآلات الرهيبة تُعمل مخالبها في تربة قريتنا من أجل الوصول إلى ظلمة ضيقة تحتضن جسدا منهكا وروحا سلمت أمرها لبارئها بعد عناء انتظار بلا طائل.
هم معذورون لأنهم بذلوا كل ما في الجهد وما يزالون يواصلون لعل معجزة تدخل الفرحة على قلوبهم المؤمنة. الإنسانية كلها تنتظر هذه السعادة المفتقدة وتتمناها. هل يستطيعون ذلك؟ طبعا لا. فأنا هنا معهم روحا هائمة بين أنفاس متعبة وقلوب وجلة وألسن تلهج بالدعاء. لا سبيل لذلك ولا أمل… هم يجهلون ذلك لكن كلبي الذي يقعى هناك تحت شجرة التين، أظنه قد اقتنع بنهايتي وسكت عن نباحه الذي تحول إلى أنين خافت لا يكاد يسمع. هل يشعرون لما أنينه ذاك يقطع القلب؟ هل سيشعر بوجودي بينهم الآن؟ لا أظن. كان أبي يقول أن الكلاب ترى الأطياف. أنا طيف الآن، هل سيراني؟ لست أدري.
كان المنظر رهيبا ولم أكن قادرا على استيعابه. أكل هذا الحجيج من أجلي؟ كل هذا الحشد والجهد من أجل طفل صغير في قرية نائية منسية، لا تنتظر إلا الله في مصيرها وغيث سماء يروي جذبها ويحيي موتها، اسمه ريان؟ لا أستطيع أن أتصور كل هذا الحب وهذا التعاطف والتعاون المنقطع النظير، لكنه الحقيقة التي لا تغطيها سحب صيف عابرة أو ظلام ليل، الكل يشعل مشاعل الأمل التي تعدت، في نورها، نيران النفط وكهرباء المحركات… وصيحات صادقة تلهج بذكر الله. يا الله… لا اعتراض. لكن الخاطر مفجوع.
اقتربت من مدخل الجُب أنظر مع الناظرين، الذين لم يكونوا إلا رجال الإنقاذ الذين أبعدوا الناس عن الاقتراب منه، كيف لم أنتبه لهذا المدخل (الحفرة) التي كثيرا ما كان يعجبني أن أطل منها وأصيح فيها ملأ صدري فأسمع رجع صدى صوتي، وعندما أحس باقتراب أحد أهرب لأختبئ خلف بيتنا… كان يغريني سماع رجع الصدى وخاصة عند الوادي أو على التلة. لكن رجع صدى هذه المرة بلا صدى والناس يترقبون أي بارقة أمل، أو أحد من المسؤولين يصرح بأمر أو بخبر… أضناهم هذا الانتظار وذاك الغموض وشح المعلومات. كان الكثير، وأنا أتجول بينهم، يبدي غضبه، والبعض الآخر يسبح أو يصلي؛ أما النساء، نساء قريتني فقد تجندن لخدمة هذه الوفود بقلب مفتوح. حيث حولن جانبا من مكان الحادث إلى مطبخ كبير في الهواء الطلق مفتوح في وجه كل الزوار والوافدين وسكان القرى المجاورة الذين حجوا بأفواج وزرافات فقط من أجل مساندة أسرة الطفل ريان. الطفل المعجزة التي لن تكتمل بخير. والأطفال جعلوا من هذه الأيام القلائل عيدا بعد التحرر من الذهاب إلى المدرسة التي تبعد عن القرية لمسافات. يضحكون يمرحون وقد يبكون عندنا يختلطون بالنساء اللواتي كان الدمع لغتهن الوحيدة للتعبير الصادق عن قهرهن وفقدهن. ريان الذي أصبح جثة في غيابات الجُب. ريان لا ينتظر إلا إعلانا عن نهاية حكاية بدأت فحركت العالم، حركت حاجة لروح الإنسانة التي ضاعت تحت وابل الرغبات الزائفة والجري خلف ملذات زائلة.
تصل بعض الأخبار عن مقاومة ريان للموت فتستعر الجموع بالأمل. الناس فقط تحتاج إلى الأمل ولو بالأخبار الكاذبة لكنها الحاجة لإسكات غبن دفين في النفوس.
هل سيتحقق هذا الأمل؟

ربما!

                                                                            30

 

     ما هذا الاندفاع الذي يجعل الناس في هرج من أمرهم؟ ما هذا الخوف الذي هم ضائعون فيه؟ أخبار تؤكد أن الطفل ريان لم يعد يستجيب لعمليات إمدادات الأكسجين والماء… إنكم لفي حالة تدمي القلوب ولا تغسلها دموع. هو لم يعد يتحرك أو يحتاج أكسجينا أو ماء لأنه الآن في عالمه الأخضر المتواري هناك عند مخرج ممر الرجل الطيب. إنكم لتتعبون النفس في الأماني… ولكني لست عاتبا عليكم، فأنتم لا تعلمون من أمري شيئا… إنهم ما يزالون يسربون أخبارا معاكسة فيعود الأمل يرقص بين عيونكم.
مات أم لم يمت؟
مادامت عمليات الحفر مستمرة يبقى الأمل معلقا كغيمة رمادية لا هي أمطرت ولا هي انقشعت حتى تغازل أشعة الشمس النفوس… وأنا أنتقل بين الجموع راعني منظر مؤثر لامرأة تمسك برضيعها وهي تدندن بأغنية كل ما فهمت منها أنها توصي رضيعها بألا يقترب من الجٌب الذي سقط فيه ريان وأنها عند كل ليلة سترثي ريانا إذا ما توفاه الله حتى تصبح ذكراه لا تغادر النفوس، ويصبح مثل الصبر الذي قهر كل صبر.
كانت امرأة تشبه أمي… هل عشي بصري ولم أعد أميز بين الوجوه؟ إنها أمي أو ربما خالتي… كل النساء تتشابه تحت ظل هذا المصاب. وكل الأمهات سيغنين لأطفالهن ما غنت شبيهة أمي أو خالتي أو أي واحدة حجت إلى هنا من أجل بارقة الأمل المنتظرة.
تأتي وفود وترحل أخرى، وأنا أنتقل من مكان لآخر أنظر في عيون الناس، أسمع لحكاياتهم ومحكياتهم حول مآسي هذه القرى النائية وحوادث التي لا تحصى والتي تقع بسبب الإهمال أو اللامبالاة. وأضكتني قصة أحدهم حول حماره الذي سقط في البئر، فبعد محاولات كثيرة لاستخراجه، ولأن الحمار كان ضخما، فقد اقترحوا عليه أن يقلل له من الأكل حتى يضعف قليلا ليسهل عليهم انتشاله. وقصص أخرى.
تقدمت من عمال الحفر الذين أغلبهم لم يذق للنوم طعما منذ التحاقهم بمكان الحادث، لم يكن ما حصل واجب عملي بقدر ما هو واجب إنساني، أصبح فيها الكل واحد بقلب وعقل واحد.
عندما تسكت الآلات تنطق المعاول، وعندما يصمت الليل تتكلم مشاعل السحر. وعندما تنام عيون الأمهات أعياها السهر تستيقظ عيون رجال تحرس الحجيج. كانت علامات التعب تعتري الوجوه ورغبة كبيرة في اختراق الجبل من أجل ريان. وأنا معهم أتأسف لهم ولكن أعجبتني قوة التحمل والأمل التي تبقيهم مرابطين إلى جانب بعضهم يحاورون الزمن من أجل لحظة الفرح تلك.
عدت إلى بيتنا. اقتربت من أمي. كانت تبكي في صمت بعيدة عن كل هذا الضجيج. تمسك بقميصي الصوفي الأحمر وتغمره بالقبلات ثم تستكين ولا تبغي أن يشاركها أحد هذه الخلوة. خلوة أم يعلم قلبها أنها فقدت ابنها إلى الأبد. ربما أحست بوجودي فبدأت تدندن أغنيتي المفضلة. يا الله. كم اشتقت لهذا الصوت وذاك الصدر الدافئ. كم اشتقت لخبزك أمي. الحياة قاسية أعلم. لكن الله أكبر عوض. جلست بقرب أمي لمدة طويلة نسيت فيها كل شيء، فما حاجتي للتذكر؟ لحظة مع أمي تساوي الدنيا وما فيها فكيف وأنا لم أعد من هذه الدنيا؟ لم أعد أحس بي هناك إلا كقشة في مهب الريح. جو حزين وقريبا سيصبح أكثر حزنا فريان الذي وحد العالم وضم في حضن حفرة صغيرة نبيا صغيرا للمحبة والوحدة.
أمي سأبقى ملازمك أحرس حزنك وأغستل بدمعك وأدندن معك أنين كل القلوب. عندما يستخرجون جثتي عبر ذلك الممر سأفرد جناحي وأعود إلى عالمي الأخضر.

Views: 12

الاخبار العاجلة