
جريدة جسر التواصل: هل شكل شغفك بالعيطة المحفز الأكبر للوصول إلى حلمك؟
الحسين السطاتي: طبعا إن ولعي وشغفي بفن العيطة، كان هو الحافز القوي كي أستمر في هذا الفن، كما أن موسيقى العيطة كانت تعطيني دافعية أقوى لأستمر في مهنتي الدركية السابقة بأريحية دون خوف من فقداني لوظيفتي، لأني كنت أعرف أنني فنان “شيخ للعيطة” في بذلة الدركي، ولا يهمني إن بقيت في الدرك الملكي أو غادرت هذه الوظيفة، كنت ومازلت أجد متعة وأنا أمارس هوايتي الفنية، حيث لا أشعر وأنني أبدل مجهودا في العمل بل أشعر أني ألعب وأستمتع وأجني المال. واعلم أن فن العيطة هو فن عزيز يتداوله ويغنيه النساء والرجال وتشد إليه الركبان والرحال.
جريدة جسر التواصل: كيف هي مشاركاتك في التظاهرات الفنية والمهرجانات الوطنية؟
الحسين السطاتي: الحمد لله، أنا سعيد وفخور بمشاركتي في الفعاليات والتظاهرات والمهرجانات الفنية سواء منها المحلية بمدينة الرباط وسطات والنواحي أو عبر ربوع الوطن، ويسعدني ويشرفني أن أشارك في هذه الاحتفاليات، سواء منها الفنية الموسيقية كفنان شعبي “شيخ للعيطة” أو الأدبية بصفتي كاتب، قاص وروائي وشاعر زجال ومسرحي..كما إنني جد مسرور وفرح لعدد التكريمات التي حضيت بها في قرى ومدن مختلفة.
جريدة جسر التواصل: بعد وصولك لهذه السن التي تجاوزت نصف قرن، كيف ترسم للقراء والجمهور مسار حياة الطفل والتلميذ والشاب الحسين السطاتي؟
الحسين السطاتي: الحمد لله أنني في الخمسينيات من العمر، ومازلت في صحة جسدية وعقلية جيدة، أنا الآن دركي متقاعد، وعدت من جديد لمزاولة هواياتي منها الفنية كفنان شعبي “شيخ للعيطة”، وككاتب قاص وروائي وشاعر زجال..في الأصل أنا بدوي ولدت وكبرت بريف بادية “أولاد عبو” المسماة “جمعة فوكو” قديما، منطقة “أولاد سعيد”، جهة سطات الدار البيضاء الكبرى، نشأت وترعرعت بالدوار، بسهل الشاوية وسط المغرب، من أسرة بسيطة تعتمد في عيشها على صناعة الفخار والفلاحة والرعي، نحن أربعة عشر أخ ثمان إناث وستة ذكور من أم واحدة، كان أبي رحمه الله فلاحا بسيطا وصانع فخار “طيان”، وهو عسكري “جندي بسيط” متقاعد من الجنود المحاربين المغاربة الذين حاربوا إلى جانب الجيوش الفرنسية في حرب الهند الصينية، وكان رحمه الله فنان عازف إيقاع “بندير” ضمن مجموعة شعبية للفن الشعبي والعيطة “الشرفاء لبهالة”، وهو رئيس المجموعة “لمقدم”، وكانت التداريب الفنية أحيانا تقام بمنزلنا بالدوار، لهذا تشربت الموسيقى والفن الشعبي منذ الصغر، حيت وأنا طفل كنت أحضر لتداريبهم الفنية، كانت طفولتي رائعة رغم بؤسها وفقرها وبساطتها، كنا نصنع ألعابنا بأيدينا من مواد أولية بدائية كالطين والخشب والقصب والأسلاك الحديدية..نصنع الدمى ومجسمات الحيوانات من الطين، ونصنع لعبنا من دراجات وعربات وخيل، وآلات موسيقية من مواد طبيعية، وحتى آلتي الموسيقية “كمنجة الطارو” كنت أصنعها بيدي من إناء قصديري مبيد الحشرات وقطعة خشبية أنجرها وأشدها بأسلاك الفرامل كأوتار، أما القوس فكنت أصنعه من شعر ذيل الفرس أو من شعر عرفه، فأشده إلى قضيب خشبي من الطلح أو الزيتون أو الخيزران..كنا ونحن أطفال نلعب حتى بالحشرات ؛ بالنحل والنمل والفئران والثعابين والعقارب..وذلك حسب المتاح لنا في البيئة الريفية التي نشأت فيها، ولما بلغت سن الخامسة من العمر دخلت إلى الكُتاب “الجامع” كما جرت به العادة، وحفظت بعض الآيات والسور القرآنية، وقواعد وسنن الوضوء والصلاة، و لم تكن معنا أية فتاة، إذ لم يكن يسمح للفتيات أن يختلطن بالذكور في “الجامع” خلال سنوات سبعينات القرن الماضي، وفي سن السابعة دخلت إلى المدرسة العمومية العصرية، وبالموازاة مع الدراسة كنت أساهم مع عائلتي في أعمال صناعة الفخار والفلاحة والرعي، حيت تعلمت أولى أبجديات العزف على الكمان بطريقة تقليدية عن طريق التكرار والاجترار، وراء قطيع الغنم في الخلاء بالمروج وعلى ضفة الوادي وبجانب البئر وفي الليل بجانب الحانوت وبالبيدر….من رعاة أقدم مني في الرعي وفي الموسيقى، نجحت في المرحلة الدراسية الابتدائية بتفوق ممتاز مما جعلني أستفيد من منحة دراسية حيت التحقت في المرحلة الإعدادية بالقسم الداخلي، وكنت خلال أيام العطل الدراسية أتفرغ للرعي والموسيقى، ونجحت في المرحلة الدراسية الإعدادية بميزة ممتاز وحصلت كذلك على المنحة الدراسية بالسلك الثانوي، والتحقت بالقسم الداخلي الثانوي بمدينة برشيد شعبة العلوم التجريبية، وخلال هذه المرحلة التحقت بأخي “عبد القادر” الذي يكبرني بسبع سنوات وأسست رفقته مجموعة غنائية بمدينة الدار البيضاء بمنطقة سيدي معروف، وتعلمت منه حرفة الخياطة التقليدية للنساء، وأسست رفقته مجموعة غنائية أعطاها أخي اسم “أوركسترا الأفراح الشعبية”، وصرنا نحيي الحفلات والأعراس بمدينة الدار البيضاء والنواحي، وبعد الباكالوريا التحقت بمعهد التكنولوجيا التطبيقية بمدينة “سطات” شعبة التبريد والتكييف، وفي ربيع سنة 1994 التحقت بصفوف الدرك الملكي سلك ضباط الصف. وبعد التدريب العسكري والمهني الدركي، أتبنت خلاله عن اجتهاد وحسن سيرة، وحضور عسكري جيد ضمن الأوائل، فتم اختياري من طرف الرؤساء كمدرب ومكون عسكري للتلاميذ ضباط الصف الدركيين بالقاعدة العسكرية ببنجرير، فتلقيت تكوينا خاصا بالأطر المدربين العسكريين بمعهد الدرك الملكي بمراكش، بعد ذلك بدأت في عملي كمدربا عسكريا للدرك بالقاعدة العسكرية ببنجرير، وبعد ذلك تم تعييني كأستاذ مدرس للشرطة القضائية والشرطة التقنية العلمية، وبعد هذا عملت في حقل الضابطة القضائية عبر قرى ومدن بالمملكة، كضابط شرطة قضائية وعسكرية وضابط مكلف بالأحداث وتقني التشخيص الجنائي الإجرامي، كما حصلت على الشهادة العليا للدرك الملكي، إلى غاية ربيع سنة 2016، حيث حصلت على التقاعد النسبي برتبة “أجودان” وعدت إلى مربطي الأول “فن العيطة”. بنفس الاسم وبنفس جديد، و رغم مساري المهني الدركي كنت دائما فنانا، بقيت على تواصل دائم مع الفنانين “الأشياخ والشيخات” بالمدن التي عملت بها، كنت شيخا في بذلة الدركي.

جريدة جسر التواصل: ما الذي كنت لا تحبه في أمك وأبيك؟
الحسين السطاتي: رحم الله والداي وأسكنهما فسيح جناته، أعرف أن علاقة الأم والأب بالابن هي علاقة وجدانية تبنى على الحب والمودة والطاعة والبر بالوالدين، لكن الظروف هي التي تجعل الآباء يقسون على أبنائهم ربما لثقافتهم ونظرتهم للحياة، وكرهي لوالداي كان كره طيش مراهقة وشباب، كانا رحمهما الله يفكران بالعقل وأنا كنت أفكر بالعاطفة، كره يختلف من مرحلة عمرية لمرحلة عمرية أخرى، مثلا كنت أكره أمي وأبي لأنهم يمنعونني من اللعب حافيا في جداول الماء والمطر يهطل علي، أو أدور أجني فواكه التين الشوكي وأنا حافي القدمين، حتى كان يضربان وأهرب إلى الخارج حافي القدمين لا أشعر بمطر ولا ببرد ولا بشوك، قد كنت أكرههما وهما يمنعاني من تعلم ألة الكمنجة والغناء، كانا يمنعاني من لعب كرة القدم أو الذهاب ليلا إلى حفلة غنائية تنشطها فرقة موسيقية “رباعة الشيخات” بدوار آخر، حيث كنا نقطع الكيلومترات تارة راجلين وتارة نسرق البهائم من البيادر رغبة في الوصل إلى مكان الفرجة العيطية، كنت آنذاك في فورة الشباب في سن الطيش، كنت أريد ما يمتعني ويشعرني باللذة والمرح، لكنهما كانا يعرفان مصلحتي وينظران بعين التجربة والعقل، الله يسمح ليا من الوالدين”.
جريدة جسر التواصل: كيف كانت ردة فعل المحيط العائلي والأصدقاء عندما عرفوا أنك انتقلت من عالم الضابطة القضائية إلى عالم العيطة المرساوية؟
الحسين السطاتي: رحم الله والداي وأسكنهما فسيح جناته، هما الاثنان اللذان كانا يقفان صخرة كبيرة في طريقي كي لا أغادر مهنة الدرك الملكي قبل حصولي على التقاعد النسبي، فكبحت هوايتي إرضاء لهما، حتى لا أسقط في فخ العقوق “ها السخط ها الرضى ايلا خرجتي من الجدارمية”، للإشارة لقد سبق لي أن قررت كي أغادر مهنة الدرك الملكي وأعود إلى الفن بعد قضائي مدة عشرة سنوات بالوظيفة العمومية، حيث انتهى حينها عقدي الأول مع الإدارة، وأردت أن أعود إلى الساحة الفنية، وقد جمعت العدة الفنية من آلات موسيقية ومكبرات الصوت وجهزت نفسي لدخول الساحة الفنية ربيع سنة ألفين و أربعة، لكن أبي رحمه الله رفض رفضا باتا، وقال لي بصريح العبارة ” الناس تلتقي بي في السوق ويسألونني كيف حال الشاف الحسين، وتريدهم أن يصيروا يسألونني كيف حال الشيخ الحسين”، إذا خرجت من الدرك فكأنك قتلتني وأنا حي”، وهددني بل أقسم لي أنه سيقدم على الانتحار شنقا بشجرة زيتون توجد بحديقة البيت بالبادية، كان والداي رحمهما الله يريدان مصلحتي ويخافان علي من الذل والاهانة والضياع وخاصة أنني كنت متزوجا ولي أبناء، كانا يريدان أن يراني بالبذلة العسكرية الدركية والنياشين، وبالفعل صبرت وضحيت، حتى توفيا وأنا دركي، الله يرحمهما ويسكنهما فسيح جناته، أما الناس الآخرين فكان هناك مؤيد ومعارض، لكن القرار يعود لي، ولا يمكن لأحد أن يعرف ما يقاسيه وما يعانيه ضابط الشرطة القضائية من عذاب في مستنقع الجريمة، أغلب الناس تصفق وتشجع وتكرم وتعانق الفنان “شيخ العيطة المرساوية” في المقابل يكرهون ويجلدون ويحاربون ضابط الشرطة القضائية، إنها الحقيقة المرة في وطني.
جريدة جسر التواصل: من غير أجرتك التي تحصل عليها من أعمالك الفنية الغنائية، ماذا يستفيد الحسين السطاتي من العيطة؟
الحسين السطاتي: بعيدا عن الدخل المادي كيفما كانت قيمته المالية، الاستفادة الكبيرة هي حب الناس، وشعوري أنني أصنع الفرجة، وأخلق الابتسامات ويجتمع حولي الناس ينسون همومهم ولو للحظات، أشعر أنني أصنع الجمال بقدر ما أصنع الفرجة، أعزف الموسيقى وأغني، أستمتع وأمتع، أُفيد وأستفيد، أُطرِب وتطربني وتسحرني تلك الأجواء الرائعة التي أعيشها بين المعجبين والمعجبات سواء على أرض الواقع أو على مواقع التواصل الاجتماعي، وذلك الشعور الرائع، الناس تهتم بي وتعطيني من وقتها، وتأخذ معي الصور، هناك من يوقف عائلته ليأخذوا معي صورا هذا حب في حد ذاته لا يباع ولا يشترى.
جريدة جسر التواصل: قضيت سنين طويلة في فن العيطة “حرفة تشياخيت”، اشتغلت بالأمس في الحقل الفني بآلات بسيطة تقليدية واليوم تشتغل بآلات حديثة متطورة، كيف يتم إدماج الوسائل التكنولوجية الحديثة في فن العيطة بمجموعة الحسين السطاتي؟
الحسين السطاتي: فن العيطة فن تراثي مغربي أصيل، وهو في تجدد مستمر، ويساير تطور العصر، أُدخِلت عليه منذ سنين تحسينات، بفضل التطور التكنولوجي بما في ذلك المكننة والرقمنة، وذلك بإدخال تطبيقات وبرمجيات على الآلات العصرية مثل الأورغ والقيتارة والآلات الإيقاعية، وتجديد بإدخال أجهزة حواسيب “كومبيوتر” رقمية في مجال تعديل الصوت وبرمجة الإيقاعات والأصوات والآلات الموسيقية، وقد تقوم آلة واحدة “الأورغ” بمهام عدد من الآلات الموسيقية بما فيها الوترية والنفخية والإيقاعية، وحتى صوت المغني يمكن تعديله ليصير أحسن وأرخم، حسب النغمة المراد سماعها، يعني تهجين وتعديل الصوت، قد يعمل عازف على آلة “أورغ” وعازف كمان ويقومان بما يقوم به جوق من عشرة أفراد، كنا نعمل بآلات بسيطة في البداية “كمنجة وجوج بنادر وطعريجة”، بدوار بالبادية، بدون مكبرات صوت، وحتى آلات التصوير كانت قليلة أو شبه منعدمة، ونتوصل بأجرة بسيطة وبإكراميات قليلة، أما اليوم بفضل التطور التكنولوجي والثورة الرقمية، من أجهزة حواسب وهواتف متنقلة، وشاشات كبرى معلقة في قاعات الأفراح، حيث تنقل حفلة الزفاف مباشرة على مواقع التواصل الاجتماعي، فيصير جمهورنا يتابعنا عبر العالم، ونتوصل بإكراميات من داخل الحفل، سواء عبر مدن المغرب أو من دول بل قارات أخرى، شيء جميل ورائع أن تكون التكنولوجيا في خدمة فن العيطة.
جريدة جسر التواصل: هل تجيب على كل الرسائل التي تصلك على حساباتك على مواقع التواصل الاجتماعي؟
الحسين السطاتي: يسرني ولي الشرف أن أجيب عليها كلها، لكن أحيانا تكون كثيرة فألتجأ إلى رد جاعي اجمالي، وأحيانا أخرى أحذف بعض التعليقات المسيئة أو المحبطة.
جريدة جسر التواصل: ما الذي تغير في الحسين السطاتي بعد أن أصبحت مشهورا كفنان وكاتب؟
الحسين السطاتي: أولا مازلت لم أحظى بتلك الشهرة الفنية المرجوة التي تجعل بعض ضعاف النفوس مغرورين، لدي شهرة محلية بمدينة “سطات” ومدينة الرباط والنواحي، وثانيا لم يتغير في أي شيء، فأنا أتصرف بطبيعتي وبتلقائية، وقد اعتدت على هذا منذ أزيد من ثلاثين سنة، لقد كنت فنانا في ميدان عملي كدركي، كنت ضابطا للشرطة القضائية والعسكرية، وضابطا للشرطة التقنية العلمية، وضابطا مركزيا للأبحاث، وتقني التشخيص الجنائي الإجرامي، وكنت مشهورا في القرى والمدن التي أعمل بها في ميدان محاربة الجريمة، لقبت بألقاب بهذه المناطق التي عملت بها مثلا “الشينوي ” و”جاكشان”..ربما استدارة وجهي تشبه لوجوه الأسيويين، لكني دائما أتصرف بتلقائية وعفوية، أكيد أن كلمات الشكر و الإطراء والمجاملة تطربني، سواء ضابط شرطة قضائية أو ضابط إيقاع و”كومنجي” للعيطة المرساوية.
جريدة جسر التواصل: كيف تقف على مسيرتك الفنية وقد بلغت من العمر أزيد من نصف قرن؟
الحسين السطاتي: الفن في جيناتي، أنغام العيطة تسري في دمي، وهي معي من المهد إلى اللحد، لن أتخلى عن العيطة والكتابة الأدبية والصيد البري “القنص”.. أحمد الله وأشكره على هذه الهوايات التي أعدها نعم، ساعدتني في تجاوز نصف قرن من عمري، فحياتي الفنية فيها الحلو والمر، كما فيها الغناء والرقص والضحك والمتعة واللذة، فيها المعاناة والعذاب، لكن الحمد لله بالصبر والمثابرة أتجاوز المحن والعراقيل، وقد حققت جزء مهم من أحلامي في الحياة وأطمح أن أحقق المزيد.
جريدة جسر التواصل: أنت تعرف أن العديد من الفنانين شعروا بالندم والغبن بعد ولوجهم عالم الفن، هذا المجال المتصدع، هل ساورك نفس الإحساس يوما ما؟
الحسين السطاتي: لا أبدا، لأنني كنت موظفا، من جهة جربت عذاب الوظيفة العمومية واستعبادها للموظف هذا من جهة، ومن جهة أخرى أمنت مستقبلي تزوجت وأنجبت أبناء ودرسوا وتكونوا وكبروا..وحظيت براتب تقاعد وبتغطية صحية عسكرية جيدة، وتأمين عن الحياة، وأستفيد من خدمات المصالح الاجتماعية للدرك الملكي ومن الخدمات الاجتماعية للقوات المسلحة الملكية، هذا شيء جميل ورائع ومطمئن ويريح البال، لهذا أرى من حقي أن أعزف الموسيقى “الكمنجة” وأغني.. لا أنكر خير إدارة الدرك الملكي، فلا ينكر الخير والإحسان إلا جاحد، لهذا لم أندم بعودتي إلى الساحة الفنية، فأنا حاليا أمارس هوايتي في فن العيطة كعلاج نفسي، وأمارس الفن من أجل الفن بالدرجة الأولى وإذا ما دخلني منه مال فذلك خير وفضل فني.
جريدة جسر التواصل: بصفتك فنان شعبي “شيخ للعيطة”،على ما يعتمد الفنان الحسين السطاتي في اختياراته الفنية الغنائية كلمة ولحنا؟
الحسين السطاتي: أعتمد على قناعتي الشخصية، وأتناول مواضيع اجتماعية منها آفات ومعضلات تنخر المجتمع منها: الإدمان على المخدرات والخمر،و ظاهرة الطلاق، وظاهرة تزويج القاصر وغيرها..كما أتطرق لمواضيع عاطفية ثم البحث في التراث العيطي وتجديد في الأغاني التراثية، وأتواصل مع بعض أصدقائي الموسيقيين الفنانين وبعض من الجمهور والمعجبين سواء مباشرة أو عبر مواقع التواصل الاجتماعي وأندمج في مجموعات عبر تطبيق الواتساب، ومنها أجس نبض الجمهور وأبني عليه اختياراتي الغنائية، فالأعمال الفنية تعكس شخصية الفنان، وحينما أقتنع بعمل ما، فإني أقوم بتسجيله رفقة أفراد مجموعتي.
جريدة جسر التواصل: ما رأيك في ظاهرة ظهور فنانين باستمرار على شاشة التلفزيون العمومي؟
الحسين السطاتي: أحيانا تتكررنفس الوجوه معدودين ومحسوبين على رؤوس الأصابع كما يقال، فلا يعقل أن نجد فنانا دائما يشتغل ويستحوذ على الظهور بالقنوات التلفزيونية، وفنان آخر يعاني من الإهمال والعطالة، مع أنه قدم الكثير للفن الذي يزاوله، الفن الذي يعد مصدر رزقه ورزق أولاده، إنه نوع من الإقصاء والتهميش والخذلان..ولا يعقل أن لا تتحرك الضمائر إلا بعد مرض أو موت الفنان لجمع التبرعات له، والتصدق على أفراد أسرته، و المفروض هو التوزيع العادل للحفلات والسهرات بين أشهر الفنانين، لا أقول كل الفنانين بل أشهرهم بالتناوب، لماذا لا نقلد الغرب والمصريين في هذا الجانب الفني، مع العلم أننا نقلدهم في أمور أخرى ومنها السلبية، هذا الأمر ليس متعلقا بالجهات المسؤولة فحسب، وإنما حتى بعض الفنانين أنفسهم ينبغي أن يخجلوا من أنفسهم، ويقنعوا ويقتنعوا..ويحدوا من تلك الطرق الملتوية التي ينتهجونها، وتشملهم القناعة والغيرة على زملائهم.. ويتركوا فرصا للآخرين بدل أن يتكرروا مرات عديدة في الحفلات والمهرجانات، مطلوب أن تكون لديهم الشجاعة ليقولوا “هناك آخرين غيري “، متى سنصل إلى هاته العقلية؟
جريدة جسر التواصل: يقولون أن الفنان مرهف الإحساس أكثر من غيره، متى يكون الحسين السطاتي مرهف الإحساس ودمعته قريبة؟
الحسين السطاتي: الفنان إنسان يسري عليه ما يسري على باقي البشر، فعلا الفنان له إحساس مرهف ويدقق في الأشياء من حوله، وطبيعته الفنية تجعله أحيانا طيبا وحنونا أكثر من اللازم، لكن فهو مثل الباقين، قد تجعله الظروف قاسيا بل قد يصبح شرسا ومتوحشا ..وهذا ينطبق علي، قد تجدني ذلك الفنان الحساس الرومانسي ودمعتي قريبة، قد أبكي لحال جرو صغير يرتشف من شدة البرد، وفرخ طائر يرتعد من سقوط المطر، وقد تجدني أحيانا وحشا كاسرا يعذب من يريد أن يعذبه وأستلذ بتعذيبه، شخصيتي مركبة ومعقدة، تجمع بين حلم الفنان المبدع وبين وحشية وشراسة المجرم الخطير، لقد مدربا عسكريا، تدربت على التعذيب والقتل ودربت الناس كيف يعذِبون وكيف يتفننون في القتل..
جريدة جسر التواصل: هل لك أن تقارن الفن الشعبي المغربي في بدايتك في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي واليوم؟
الحسين السطاتي: دائما هناك إبداع وخلق وجديد، والوسط الفني هو نفسه، هو جزء من المجتمع بكل جزئياته وتناقضاته، فمثلما كانت هناك أشياء جميلة وممتعة ومشاكل وعراقيل بالأمس البعيد والأمس القريب توجد كذلك نفس الأشياء اليوم، وستكون كذلك في الغد، ولكن أشعر حاليا على مستوى جيلي أننا محظوظين عاصرنا جيل الستينات والسبعينات والثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي وها نحن نعيش مع جيل الألفيات، واليوم مع جيل “زيد”، عاصرنا جيل المانيطوفون، والراديو، والتلفزيون بالأبيض والأسود، والأسطوانة اللفية، وأشرطة الكاسيت والفيديو وها نحن نعاشر جيل الحواسيب والهواتف المحمولة، عصرالمكننة والرقمنة، فنحن الجيل المحظوظ، والعيطة تسير من حسن إلى الأحسن بفضل التطور العلمي والتكنولوجي لكن لكل عصر أشياخه وشيخاته وعيوطه وأصواته، استمتعنا بعيطة خربوشة، عيطة أولاد زيد، وها نحن بعيطة خربوشة عصرية مع جيل “زيد”..
جريدة جسر التواصل: هل أنت راض على ما قدمته لفن العيطة؟
الحسين السطاتي: أنا جد جد جد راض عما قدمته إلى حد الآن لفن العيطة، لقد عدت إلى الساحة الفنية الغنائية بعد غياب دام لمدة اثنان وعشرون سنة، وتركت بصمتي في عالم العيطة، سواء من الناحية الفنية أو الأدبية، بصفتي كفنان شعبي “شيخ للعيطة” مغني ومموسيقي عازف كمان “كومنجي” لفرقة موسيقية “رباعة الشيخات”، أو ككاتب قاص وروائي وشاعر زجال..لقد أعدت تنقيح وتسجيل مجموعة من الأغاني التراثية “عيوط” وأبدعت أغاني شعبية، وقد أدخلت العيطة إلى الصالونات الأدبية وصارت تؤثث فضاء ملتقيات أدبية، وصارت حاضرة معي بمهرجانات موسيقية وبمهرجان الكتاب بالرباط، حيث أدخلت العيطة إلى عالم القصة والرواية والمسرح، وألفت مجموعة من الكتب وكتبت مقالات حول فن العيطة، كتبت سيرتي الذاتية في أربعة أجزاء: الجزء الأول بعنوان “عيطة دموع الخيل”، والجزء الثاني بعنوان “عيطة الحب وحب العيطة”، والجزء الثالت اخترت له عنوان “عيطة عريس الخيل”، والجزء الرابع أعطيته عنوان “عيطة ركوب الخيل”، كتبت رواية طويلة من أربعة أجزاء اخترت لها عنوان “عيطة بيضاوية”، وكتبت رواية طويلة في أربعة أجزاء اخترت لها عنوان “العين الزرقاء” استلهمت أحداثها وشخصياتها من “عيطة العين” من فن العيطة البلدية الفيلالية وتدور أحداتها بمدينة “الراشيدية” بالجنوب الشرقي وبمدينة “سطات” بسهل الشاوية وسط المغرب، وكتبت مجموعتين قصصيتين : الأولى بعنوان “العيطة والغيطة” والثانية بعنوان “هيت الشيخات”، وديوان زجل بعنوان “عيطة سروت الحصبة”، ونص مسرحي فردي بعنوان “عيطة الكرسي”، ومسرحية بعنوان “الرقص مع الذئاب في عيطة الغاب”..وكتبت كتاب تحت عنوان “عيوط زمان قصائد ومقالات”، فن العيطة بين نظرة الاحتقار ورد الاعتبار”، وكتبت ما يزيد على مأتي مقال منشورة عبر جرائد ومجلات مغربية حول فن العيطة، أعتقد أنني أمثل فن العيطة أحسن تمثيل لهذا لا أعتقد منذ أن ظهر فن العيطة بالمغرب منذ قرون أن حظيت العيطة بفنان شعبي “شيخ” ممارس كالشيخ “الحسين السطاتي”، وهذا شيء أعتز وأفتخر به.
جريدة جسر التواصل: في التصنيف أين تضع نفسك بين نجوم الشعبي المغربي ؟
الحسين السطاتي: التصنيف يبقى للجمهور وللجنة فنية لها مقومات الحكم والتصنيف، لجنة لها تكوين فني موسيقي أكاديمي، تعرف المعايير التي تنصف بها الفنانين، أما بالنسبة إلي أعتبر نفسي أحسن مبدع وأروع فنان في العالم، ولا يمكن أن يشبهني أحد في العالم، لقد خلقني الله وميزني عن باقي المخلوقات بالعقل، لذلك مادام ليس هناك مقياس أو معيار للتنصيف ومنحتني الفرصة لأصنف نفسي فأنا أحسن مبدع وأحسن فنان، أنا فنان خارج التصنيف، ليس أنانية أو غرورا وإنما أحب ذاتي وأقدر نفسي مهما أنك أعطيتني أن أصنفها فأنا”شيخ لشياخ” كما نقول في لغة “حرفة تشياخيت”..
جريدة جسر التواصل: إذا سنحت لك الفرصة مرة لتقابل الحسين السطاتي ضابط الشرطة القضائية، ماذا ستقول له؟
الحسين السطاتي: أحييه التحية العسكرية، وأقف إجلالا واحتراما لها، وأقول له ” تبارك الله عليك كمل على عملك”، أقول له عليك أن تفتخر بنفسك، أنت بطل لما قدمته من تضحيات جسام في سبيل الوطن دربت عسكريين ودركيين وحاربت الجريمة بشتى أنواعها، وحصلت على التقاعد ومازلت تعزف الموسيقى وتغني فأنت بطل.
جريدة جسر التواصل: لقد تجاوزت نصف قرن من العمر، ولك تجارب في الحياة، من أدار ظهره لك عندما أرته أن يكون إلى جانبك؟
الحسين السطاتي: سأرد على جوابك بكل صراحة دون لغة الخشب بل بلغة الذهب، أحمد الله وأشكره أنني كنت ضابطا للشرطة القضائية والعسكرية ومدربا عسكريا، قد تلقيت دروسا مفيدة من الناس، لقد استفدت من المجرمين ما لم أستفيده من المدارس التعليمية ولا من المراكز ومعاهد والثكنات العسكرية، وقد عملت بعض ما تعلمته وما تلقيته في حياتي لتلاميذي كما علمته لأبنائي، ومن هذه الدروس أن أعتمد على الله وعلى نفسي أولا، أول شيء على المحارب أن يهتم به ويحافظ عليه هو الصحة، لأنها هي السلاح الحقيقي الذي ستحارب به كل الأعداء، فحتى ملابسي التي ألبسها فوق جسدي لا أثق فيها، علي أن أفحصها جيدا قبل أن أضعها فوق جسدي، ولا أثق إلا في خالقي، أصلي وأتوسل إليه، وأطلب العون منه، والطلب والسؤال لغير الله مذلة، وفي هذه الوقت كل واحد له همه وله ما يكفيه ويزيد من المشاكل، لذلك أجيبك لم يدير لي أحد ظهره لأنه أصلا لم يكن ينظر في وجهي أحد.
جريدة جسر التواصل: بعد رحيل أغلب رواد فن العيطة “أشياخ وشيخات”، ماذا بقي في الساحة اليوم في نظرك؟ وهل تتنبأ بنهاية الأغنية العيطية خاصة بعد موجة الأغاني الشعبية الشبابية؟
الحسين السطاتي: أولا لقد أثر رحيل كبار الفنانين العيطيين “أشياخ وشيخات”، في مستوى الإنتاج الفني أقول مستوى، فلا يمكن أن نجد لفنانين أمثال: “الشيخة الغالية، والشيخة الحامونية والشيخة الحمداوية، والشيخة فاطمة الكوباس، والشيخة فاطنة بنت الحسين، والشيخة عايدة، والشيخة حفيظة الحسناوية، والشيخة خديجة البيضاوية والشيخة العايدية والشيخة الخودة…أو الفنانين “الأشياخ” أمثال: الشيخ الماريشال قيبو، والشيخ عبد الله البيضاوي والشيخ المصطفى البيضاوي، والشيخ الشريف أحمد..” وغيرهم …أن يولد لهم مثيل بين يوم وليلة، فمثل أولائك لا يظهرون إلا بعد سنين، ولكن ليس معنى هذا أن الأغنية العيطية ستنتهي وأن مولد أشياخ وشيخات قد ذهب، فمن بين فنانين صغار يمكن أن يشب ويكبر ويصبح فنان متميز مشهور “شيخ” للعيطة أو “شيخة” يمثل جيلهم، كما أمثل أنا وغيري جيلنا، فهناك أصوات كثيرة ومواهب فنية قد تذكرك بهم بعد اكتشافها، والعيطة بحكم تجربتي كفنان شعبي “شيخ للعيطة” فهي تسير من الحسن إلى الأحسن من جميع النواحي، أما موجة الصخب أو ما يقال عنها الأغنية الشبابية الشعبية فهي الأخرى لها حضور ولها جمهور، وإلا لماذا يغنيها أصحابها ؟ فطالما أن هناك طلب عليها، فلابد أن يوجد العرض ومن كل المستويات، والأذواق تختلف وللناس فيما يعشقون مذاهب..وأكرر لكم دائما أن العيطة تتحدى الفناء، فهي تمرض وتتعافى، وقد تقتل لكن لا تموت.
Views: 48
























