سعيد غزالة

25
أمي الغالية،
هذه كلماتي الأخيرة في رسالة كل ما أتمناه منها أن تصلك وأنت في صحة جيدة. إن رغبتي في الرجوع إليكم ستبقى تراودني ما دمتم تحاولون الوصول إلي. هل ستصلون؟ سيبقى هذا السؤال عالقا في هذا الجُب في انتظار الخلاص… وسأبقى أود حضنك الدافئ ما تبقى لي في هذه الحياة الرائعة.
أمي الغالية،
إن الحياة عندي لا تساوي لحظة جلوس بجانبك عند الفرن وأنت تنتظرين نضوج الخبز، ولا لحظة حلبك لمعزتنا في الصباح. إن الحياة لا تكون حياة إلا بابتسامتك ورضاك… سأقاوم ما استطعت، سأحاول أن أبقى مستيقظا لأني لست مستعدا للرحيل الآن أمي، ما أزال أحلم بالذهاب إلى السوق ولو لآخر مرة واللعب في أزقة المدينة الزرقاء وزيارة منزل “لالة منانة” الذي تحكون عنه بكل افتخار…
أمي الغالية،
لدي حديث طويل أود أن أحدثك به قبل رحيلي الذي، رغم تهربي من الإقرار به، يقترب بلا توقف مني ومنكم وتتضايقون من حقيقته.
أمي الغالية،
ما يزال بعض النفس يتردد لحسم قراره في البقاء أو الرحيل… وما أزال أقاوم حتى أستطيع أن أفرغ ما بجعبتي من كلام… إني أعصر دماغي حتى أرتب الكلمات التي أريدها أن تكون بليغة لتكون لي شفيعة عندكم في رحيلي القريب. سأحتفظ جاهدا بما تبقى لي من جهد للتنفس وعب الأكسجين المتبقي هنا والذي لا أظنه سينفذ وصدري من ضغط التربة لا يستطيع أن يتحمل أو يستقبله كما كنت قبلا وأنا هناك الفوق… لكني سأقاوم ما أمكنني وأقاوم. دمعة من عيني تغسل وجهي ووجعي… تنزل مخترقة التراب الذي التصق بوجهي فتكتب عليه سلامي لكل الناس الذين أحبوني رغم بعد الصلة بيني وبينهم… وحدنا الألم أمي. أحس بألمهم كما يحسون بألمي، رغبتهم في الفرح، لكني لا أستطيع أن أمنحهم إياه، وانتظارهم الفرج القريب! لكن لا تحزني علي هكذا، لا أستطيع تحمل دمعة واحدة من دموعك الغالية على قلبي. افرحي ما دام قلبي ما يزال ينبض وعقلي يرتب الكلمات.
أمي الغالية،
سأخرج لا محالة من هذا المكان كيف ما كان. سأخرج وأكون طفلكم الذي كان أو يكون… سوف يعم الفرح كل العالم وسأكون رمزا تفخرين به. ستصبح قريتي الصغيرة كبيرة تشبه عالمي الأخضر الذي حدثتك عنه، ومزارا لكل الناس من كل مكان، تذكري هذا الكلام إنه الحقيقة. إني مسافر لا محالة ولكن لن يطول سفري لأني سأولد من جديد، كل مرة ومن بطن كل امرأة تشبهك يا غالية… ريان لن يموت سيبقى بينكم طائرا، روحا تجوب البيوت والينابيع وأعشاش طيور اللقلاق، وشُعب القرية قريتنا النائمة في حضن التلال ووسط السكون.
أمي الغالية،
سأخرج من ألمي وأعود إلى بنت الأقحوان هذه المرة طفلا لا فقاعة صابون، طفلا مطيعا وسأنتظر السؤال متى يطرح علي حتى أطلب منها أن تكمل لي حكايتها التي لن تكون، والله أعلم، إلا حكاية تشبه حكايتي… قلبي يحدثني بهذا الأمر. ناريمان لن تكون إلا ريانا في زمن آخر تحكون عنها كل ما هو جميل وأنها بنت حظ وفأل خير وتخفون عني مأساتها الحقيقية في هذه الأرض. سأنتظر السؤال وسأسأل وأطلب وقتها باقي الحكاية أو بداية الحكاية. وأكون أول طفل يعرف ما أخفيتموه عن الناس في حكاية ناريمان.
أمي الغالية،
لا تقلقي مني ولا تحزني. إلى هذا الحد انتهت هذه الرسالة وأتمنى أن تصلك يوما وأن تُقرأ بكل تمعن وأن يكون المطر قد زار قريتنا ودخلت الفرحة قلوب الفلاحين ورسم الابتسامة على وجوه كل الأمهات.

26
وهي تحمل باقة الأقحوان، على وجهها ابتسامة غير مألوفة فيها بعض فرح وأسى تقدمت مني ناريمان، وضعت الباقة عند قدمي التي ما إن وضعتها حتى عادت جذور زهراتها إلى التراب ووقفت تتمايل بريح خفيفة هبت… أحسست بأن روحي، هي الأخرى، تتمايل ودموع تنهمر بدون انقطاع. هي حالة الأسى تلك التي كانت على وجه بنت الأقحوان. لقد عبرت الممر دون رجعة أمي. لقد تم انتقالي المنتظر، ولن أكن فقاعة صابون إذا نطق أحدهم اسمي هنا، في عالمي الأخضر، صارت طائرة خارجة من نافذة البيت الوردي، سيصبح لي بيتا ورديا كالآخرين أمي… وسأسابق الغيوم القطنية، وتختارني الكرة ذات العين الواحدة وأطلب منها أن تلبي لي رغبة من رغباتي. هي رغبة واحدة: أن أعود إلى فوق لأساعدكم على استخراجي بأقل الخسائر. أمي لقد عبرت الممر ولم أعد أنتمي لعالمكم، كنت أتمنى العودة لكن الله أراد أمرا آخر هو يعلمه وأجهله.
خرج ريان من قاع الجُب روحا طاهرة. لم يعد للألم معنى ولا داعي للأمل! لقد خرجت أرتدي قميص الصوف الأحمر وسروالا أزرق كثيرةٌ جيوبه وأنتعل حذائي الجلدي. كل مخلوقات العالم الأخضر ترحب بي وتغني:
مرحبا يا ريان
مرحبا بك في عالم الريَّان
عالم زهر الأقحوان
في أحضان الربيع وأنفاس الرياحين
سلكت الصعب وتخطيت التعب
وفاحت روحك بيننا ياسمينا
طيرا أنت يا ريان
على غيمات القطن فارس فرسان.
أمي الغالية،
لقد صرت فارسا وكل الخيول لي. كل سكان هذا العالم فاتحةً بيوتها لي. ناريمان وزهورها والبيوت الوردية وسكانها لي. الربيع والريح والسحاب والشمس الدافئة، لا المحرقة، لي. أنا ريان أبنك، طفلك، كحل عينك، صار فارسا والعالم الأخضر لي. وحبك وعطفك الذي كان لي سيبقى لي فلا تنسين أمي.
مات ريان وأنتم عنه غافلون والكل هناك ينتظر فرجا قريبا.
مات ريان والكل رافعا الأكف لله أن يخرج ريان… لكن ريان خرج هناك لا هنا.
مات ريان والكل يسابق الزمن بالحفر بالدمع بالخطاب بالكلام.
مات ريان الصغير وهو يصارع من أجل الاختيار… فلما كان يبغي العودة لجَدْيه الصغير اختارته غفوة الموت وسلك ممرا للريَّان.
مات ريان في غفلة عن الكل وتماد البعض في رسم الآمال وجر الساعات والساعات لعل معجزة ما تطفئ نار الانتظار… لكن للقدر سطوة أكبر وحكمة أوفر…
مات ريان الطفل، ذو النظرات العميقة، في لحظة انقلب على وجهه للتراب مودعا كل أمل في النجاة.
مات الطفل ريان وهو ما يزال ينتظر إلى آخر نفس لعل… لكن.
قبل أن ألفظ آخر أنفاسي سمعت أنين كلبي بجانب مدخل الجُب، كاد أن يسقط في الجُب لولا طرده بعنف، بطريقة غير لائقة. لقد أحسَّ بالرحيل وكان فقط يريد توديعي. رحلت دون وداع أمي، رحلت عنكم وأنتم ما تزالون تأملون في ممركم الذي لم يكتمل بعد. جمعت آخر أغراضي وآلامي وودعتكم غيابيا. قلت:
وداعا أمي
وداعا يا قريتي الصغيرة
وداعا حيواناتي اللطيفة
وداعا يا حُصياتي
وأعشاش اللقالق الحزينة
وداعا للحمار الصبور دابة أبي الوفية
وداعا لكل الناس الذين ينتظرون، واعذروني أنني غافلت انتظاركم ثم رحلت.
اختلطت الروح بذرات التراب. أغمضت عيني على آخر منظر مظلم في صبحية يوم مبارك ستقام فيه صلوات يلهج فيه المصلون بطلب واحد: أن أخرج سالما… لكن الموت كان السابق في انتظار لاحق ماحق لكل الأماني.
وداعا أيها الأحبة؛ يا من آنَسَتني أرواحكم طيلة نهارات وليالي معدودات وما تزال.
سأعود إليكم روحا لإكمال مسيرة ستنتهي وقت الإعلان عنها، وتبدأ يوم اختياري لها. وداعا.
Views: 11























