“المرأة التي رممت شظايا رجل الأيام والليالي بدونها “الجزء الأول “الفصل الخامس “- المجلس الأعلى والأنا الأعلى فالأدنى- للكاتب والصحفي الكبير عزوز شخمان

جسر التواصل24 يناير 2022آخر تحديث :
“المرأة التي رممت شظايا رجل الأيام والليالي بدونها “الجزء الأول “الفصل الخامس “- المجلس الأعلى والأنا الأعلى فالأدنى- للكاتب والصحفي الكبير عزوز شخمان

جسر التواصل : خص الكاتب والصحفي الكبير عزوز شخمان جسر التواصل بروايته العميقة ” المرأة التي رممت شظايا رجل الأيام والليالي بدونها” وجسر التواصل اذ تقدمها للقارئ فانها تقدم عملا روائيا متميزا للاستاذ عزوز شخمان الذي قضى سنوات طويلة في العمل الصحفي ما بين صحافة مكتوبة ومسموعة وكان له حضور بارز في الاعلام الرياضي المغربي والعربي …

عزوز شخمان

         (16)
علي الاعتراف بأن دخولي الرسمي لبلاد الشاطئين واستقراري المتأخر بها مع أسرتي في السنوات السبع الأخيرة لم يتم بالطريقة المثالية ولا بالأسلوب السلس الذي يرغب فيه كل مهاجر أو قادم جديد. الأمر الذي ضاعف أعباءها هي أكثر من غيرها. وجعل اندماجنا الفعلي أكثر تعقيدا مما توقعنا رغم تعودي على الاسفار وانتقالي عبر الكثير من دول العالم في الافريقية والأوروبية بحكم المهنة التي زاولتها. ولعل الطريقة التي قدمت بها نفسي للآخرين أو أجبرت على تقديمها زادت من توسيع الشرخ وسوء التفاهم. حتى الأمور التي خلتها بسيطة انطلقت بطريقة خاطئة وكانت النتيجة تعقيدات بلا فائدة. ومما زاد الأمور سوءا أن المفاتيح -التي استبشرت بها تحولت الى مغاليق- فأصبح السهل صعبا والممكن أشبه بالمستحيل. وبدلا من الانطلاق من عند الخط البديهي على حدود الصفر، اضطررت الى التأخر خطوتين الى الوراء والنزول الى الأسفل تحت خط الصفر في حركة لا يقوم بها سوى تماسيح السكافاندري أو السكافندريون(وهو مصطلح يفهمه جيدا نخبة من الإعلاميين المغاربة المحنكين والمخضرمين). وجدت نفسي مضطرا للمرة الأولى في حياتي الى المجاهرة بالسؤال البديهي التالي: هل يمكن أن تكون دقة بعض الضربات التي تصوبها الأعين الزواحفية بتلك الدقة التي تصيب بها الصواريخ الباليستية أهدافها؟ في الواقع لم أكن واثقا من الأمر ولو أن خبرتي ببعض مؤهلات ذوي عيون الدمار الشامل جعلتني لا أستبعد أي احتمال، وكيف لا وأنا أجد نفسي قد تحولت في ظرف شهور قليلة الى كائن جوف-مائي أكثر منه برمائي أقاوم الغرق تحت السطح مدة أطول من اللازم قبل أن أطفو من جديد بقوى منهارة و طاقة مهدورة. اكتفيت في الأخير بقبول الامر الواقع والانزواء في قوقعتي الوجودية متأثرا بما أصابني من متلازمة الهيكيكيموري اليابانية. كان انكماشي في حلزونية الوجود حتميا او هكذا بدا لي آنذاك. فانزويت في الهامش المتبقي من رصيف الحياة وهو قارعة الطريق المتاخمة لذلك القعر المنحدر الذي ليس لتحته تحت. وبدلا من الصعود التدريجي السيزيفي في ديمومة النزول والصعود اخترت دربا آخر أو تحديا آخر أكثر خطورة ومجازفة. قلت فيما بيني وبين نفسي الأمارة بالسوء دعنا نستغل سقوطنا المدوي هذا لنستكشف صدق الادعاء والتأكد ما إن كان لهذا التحت تحت؟ دعنا نغوص غوصا الى أعماق الحضيض، حتى لو كلفنا الهلاك في الجوف. فليس بعد الحضيض حضيض. هكذا انزلقت. فانحدرت. وانجرفت حتى بلغت القعر الذي تبدأ معه بوابة جوف أرض السافلين. هنالك عشت مدة، وعاشرت خلالها أقواما بلا رؤوس مشرئبة ومتطفلة، ولا عيون جاحظة ومستطلعة أو السنة حادة وناهشة. هنالك أيضا اكتشفت كوة من الضوء قادتني في رحلة فريدة ومغامرة غير محسوبة من أجل اكتشاف أسرار الذات والتوغل في أعماقها السحيقة. جولة الأغوار تلك دفعتني الى إعادة تقييم الذات ومقارعة النفس، فشرعت في مسح تاريخي الشخصي والاجتماعي المزيف. وحين طفوت الى السطح من جديد، وجدتها هي هي نفسها لم تتغير مع المتغيرين ولم تتزحزح أو تتموقع مع المتموقعين. كانت من القلة. في تلك اللحظة فقط أدركت الحقيقة. لقد عرفت أخيرا قيمة ما أملك وعبثية ما كنت أصبو إليه.

 

 

 

 

 

 

Views: 19

الاخبار العاجلة