جسر التواصل : خص الكاتب والصحفي الكبير عزوز شخمان جسر التواصل بروايته العميقة ” المرأة التي رممت شظايا رجل الأيام والليالي بدونها” وجسر التواصل اذ تقدمها للقارئ فانها تقدم عملا روائيا متميزا للاستاذ عزوز شخمان الذي قضى سنوات طويلة في العمل الصحفي ما بين صحافة مكتوبة ومسموعة وكان له حضور بارز في الاعلام الرياضي المغربي والعربي …
عزوز شخمان

حقوق الملكية الفكرية
جميع الحقوق محفوظة للمؤلف، ولا يجوز استخدام أو تبادل هذا الكتاب جزئياً أو كلياً بطريقة غير شرعية سواء من خلال إتاحته للتحميل على مواقع الويب أو تبادله عبر رسائل البريد الإلكتروني، كما لا يجوز نسخ جزء من النص بدون إذن خطي مسبق من الكاتب أو الناشر.
الفصل الثاني
السفر
(3)
الليلة الأولى
لم أنم طوال الليل. الأمر ليس بجديد بالنسبة لشخص مثلي. وحالة كحالتي. كنت ولا زلت من قدماء رواد السهر المتأخر. أتعايش مع حالة لا نوم مستعصية. هذا في الأحوال العادية. فما بالك وهي الآن مسافرة. في رحلة مجهولة الإياب. كان الإياب معلقا وأنا كذلك. هل تدركون ما معنى هذا؟ لقد أصبحت وحيدا لأول مرة منذ سنوات الهجرة. إنها ليلتي الأولى بدونها إذن. وسوف لن تمر دون اشباح مرافقة أو كوابيس محدقة.
ها قد بدأ ركب الذكريات يطوف بذهني وينقلني في مركبة سفر عبر الزمن من (فجر مدينة أرلينغتون 2019 الى فجر مدينة سلا 2012) انها عودة متقهقرة للوراء لسبع سنوات كاملة. من السنوات الخداعات دون ريب. كانت لحظة الوداع تقترب ونحن نتجادل (أنا وهي) حول مسألة متفاقمة ومزمنة. لم يكن ثمة سبيل للتوافق حولها في تلك الفسحة الضيقة والخاصة التي تسبق مغادرتي للبلاد في اتجاه المجهول. كنت مهاجرا آنذاك هجرة أخيرة لا رجعة فيها. أو لعلي كنت هاربا. وهي الكلمة الأقرب الى الصواب. فلقد حاصرتني روائح ذلك الربيع الغريب الذي حل بالديار. لم تكن لها أدنى علاقة بروائح الرياحين والأزهار المتوخاة، بل فقط روائح كراهية وفتن، ومشاحنات وتغول ومكر واستغلال، وكر وفر، ومشاهد اضطهاد وامتهان لآدمية الناس واندحار ما تبقى من قيم. كانت روائح تزكم النفوس وتخنق الأنفاس. كنت أنا الآخر على حافة الاختناق لدواعي أخرى شخصية ومهنية ووجودية متفاقمة جعلت نقاشاتي معها لا تخفت حدتها طوال السنوات الأخيرة. وهي الفترة التي كنت قد خرجت فيها عن طوعي وأطواري، استحوذ فيها ظلي على زمام المبادرة. كان واحدا من عدة كينونات ومكونات متشاكسة داخلي. وثمة صراع ضار. وفي جذوة ذاك الصراع تمكن ظلي بشكل ما من الاستحواذ بينما كنت أنا -صاحب الشأن- غارق في وهم غيبوبتي بشتى أمراضها النرجسية. لم تكن الأرض لتسعني بسطحها وفضائها ولا لتقنعني بما في حوزتي كنت مازلت غرا. مبهورا ومخمورا. منتشينا بالأنا المتطاول. وكنت طماعا لا أرضى الا بالمزيد. لقد دأبت على حمل بطاقتي السحرية باعتزاز داخل محفظة نقودي المثقوبة. ذلك ما كان يتخيل لي آنذاك: بطاقة صحفي مهني محترف. كل كلمة كان لها وقعها الخاص. مفعولها يتسلل بين عروقي ومن خلال مشاعري ثم ينزل بغرور وكبرياء الى أخمص قدمي ويبدأ في الصعود بنفس الهالة الى قمة رأسي ليتجول بخيلاء فوق دماغي ويبدأ مراسيم موكبه الشرفي الفخم عبر شعيرات وعريقات وخلايا مخيخي وفكري وخواطري جاعلا مني امبراطور عصره وفاتح أقاليم الأرضين والأكوان الموازية. كيف لا وانا الصحفي (المستبصر). بما لهذه الكلمة من فخامة. هكذا كنت الى زمن قريب قبل أن تلطمني رياح وأمواج ذلك الربيع الملعون لتهب علي رياح اليقظة المتأخرة ماسحة عن ذهني غبار الأوهام فتجعلني أرى الأمور والواقع كما هما لا كما كنت أرغب أو ما كان مسموحا برؤيته من طرف نخبة الكرة السحرية ودهاقنة المصفوفة المغنطيسية المطلسمة. لم أكن آنذاك مؤهل لأرى الوجه الحقيقي والبشع للصحافة التضليلية أو الوهميديا. ولم أكن أميز جيدا بين الوجوه القبيحة والماكرة التي كنت اصادفها خلال رحلتي في مستنقع الوهم ذاك. ثمة كانت تكمن ورطتي.
في لحظة الوداع بالمطار كان مضمون الجدال على صلة بالورطة التي وضعت نفسي فيها. لقد اكتشفت فجأة أننا لم نكن (أنا وهي) لوحدنا داخل المعادلة الوجودية لصحبة طبيعية آمنة، بل كانت هنالك أخرى قد نجحت في التسلل الى حياتنا الثنائية مطالبة بدور وصفة لا تجدر سوى بواحدة. وكانت الأخرى المتسللة تدعي لنفسها صلاحيات لا يمكن لها ان تملكها ولا سبيل لها للحصول عليها. فلقد كانت تنتمي الى العالم الآخر الموازي شأنها شأن الكاتب الآخر. والآن كلاهما أصبحا يطالبان بحقوق وصلاحيات لم أكن لأمنحها أو أتنازل عنها لغيري ولغيرها هي. شريكة حياتي الأصلية والأصيلة. رفيقتي في كل المحطات الحلوة والمرة. كان ظلي الوقح وحده من يعرف لغز ما وقع. وبات على التأهب لمواجهة مع هذا الظل واسترجاع السيطرة قبل فوات الأوان.
ها هو شريط الذكريات يمر علي سريعا وأنا اتأهب للدخول في بوابة الهجرة المتأخرة التي نجحت أخيرا في اختراقها بعدما كانت لي معها محاولات متكررة فاشلة سابقة. لابد لي من التوقف عند إحداها نظرا لأهميتها. كان ذلك في منتصف التسعينيات من قرن الشيطان. وكنا قد ارتبطنا بالفعل وبدأنا في تهيئة عشنا الأسري الهادئ رغم أنني كنت ما أزال في غمرة انغماسي في مطاردة واقتفاء خطوات حلمي العتيق بالهجرة الى الخارج. وسنحت لي فرصة خاطفة ونادرة لخوض تجربة مهنية قصيرة في ايطاليا. فذهبت هرولة بحثا عن وثيقة تمكنني من الحصول على صفة مهاجر رسمي. وهي الأمنية الثانية التي كان ظلي يدفعني للحصول عليها ويسابقني اليها. وكلما لمس مني ترددا وتقاعسا إلا وانفجر في وجهي ساخطا مؤنبا، فيجرجرني من مقهى الى مقهى ومن حانة الى أخرى هامسا لي: اسمع يا مغفل لا خيار لك الا مطاوعتي. دعني أقودك للانطلاق بأحلامك بعيدا الى حيث ترغب وتهوى نفسك. أنظر الى تلك الشواطئ الغربية ما أبهاها. ها هي تلك البلدان الساحرة الممتدة والدائمة الاخضرار والأبنية المرصوصة المنضدة بديعة التنسيق تدعوك لاستكشاف آفاق جديدة رفقة أقوام لا يمتهنون رشقك بنظراتهم أو سلقك بألسنتهم. هيا لا تتردد ولا تنخدع بصفتك التي لا تجسدها سوى بطاقة تافهة هالتها أكبر من قيمتها، ومتاعبها ومزالقها أسوء وأكبر من أن تستوعبها روحك الفطرية الباحثة عن حياة نقية تتساوى فيها الحقوق والحظوظ.
هكذا ظل يحدثني ظلي الوقح في ذلك المساء البارد من مساءات روما الربيعية الباردة وأنا بصدد التفاوض حول وسيلة تتيح لي فرصة البقاء. كان العرض مغر، ولم أتخلص الا بصعوبة بالغة من ثرثرة ظلي التي لا تنتهي. ثم أتذكر ذلك اليوم الذي رفعت فيه سماعة الهاتف وأدرت رقما خارجيا ليجيبني صوتها من الطرف الآخر. كان صوتا منهكا مترددا بأنفاس متسارعة. قالت لي: اسمع جيدا يا عزيزي. أنا أكثر شخص يدرك حجم أحلامك وقوة رغبتك في مطاردتها مهما كلفك الأمر. لا أحد يستطيع إيقافك أو منعك حتى أنا أقرب الناس اليك. ولكن دعني أخبرك عن مفاجأة عساها تقنعك وفي نفس الوقت أخشى وقعها عليك. إنني أحمل هدية لك. هي هبة من الله الوهاب الينا وموعد قدومها يقترب فلا تتأخر عن الموعد. عد في أقرب وقت وستكون الهدية لك. أما إذا فضلت البقاء وركبت راسك فما عساني أقول؟ خوفي عليك وعلى نفسي وعلى الهدية القادمة الينا من السماء. سارعت الى توديعها مرتبكا بعدما عجزت عن تحمل دموعها ونشيجها عبر أسلاك الهاتف لكنني طمأنتها برجوعي في أقرب فرصة. وما إن وضعت السماعة من يدي حتى انقض علي ظلي وأشبعني لكما ورفسا، وشتما، وتجريحا، وتقريعا. كنت أحاول تهدئته وإخماد ثورته العاصفة مذكرا إياه أن الامر ليس بيدي فهل يعقل ان يرفض مخلوق هبة من الخالق؟ حاول ظلي باستماته ثنيي عن قراري. وبعد طول تفكير قلت له بهدوء أشبه بضربة سكين: من أنت حقا أيها الوقح؟ ألست انت أيضا هبة من الله أم تراك مخلوق شيطاني شرير؟ وإذا به ينهار خائر القوى وكأنما ذبحته كلماتي الهادئة القليلة والحادة كنصل سيف وصعقته كصعق الكهرباء. أخذ يردد متلعثما: ما كان عليك برفع السماعة والرد على المكالمة. المكالمات من تلك الضفة لا تحمل سوى الأنباء السيئة. نظرت اليه شزرا وأجبته: سيئة بالنسبة لمن أيها الوقح؟ إنها هديتي فما شانك أنت؟ ألست مجرد صدى لأفكاري، وخيالاتي، وطموحاتي، وانفعالي؟ إياك أن تتجاوز حدود صلاحياتك والا قطعت صلتي بك وألقيت بك في سلة مهملاتي.
في تلك الليلة ظل ظلي صامتا لا يتكلم معي ولا يقوى حتى على الهمس او اللمز. بل لا يجرؤ على مجرد النظر في عيني. لم اسمح له بمقاطعة افكاري أو اغوائي بحيله ومكائده أو اوهامه. كانت تلك الليلة النادرة من أندر لحظات الصفاء الذهني التي مرت بي في حياتي، عندها كنت اتغلب بسهولة على كل الشخوص المتشاكسة داخلي. كنت استرد خلالها السيطرة على نفسي وزمام شؤوني فأتخذ قراراتي بكامل وعيي وطاقتي وبمحض اختياري. وكثيرا ما كانت قرارات حاسمة وفارقة. وبذلك كانت تتلاشى كل الكينونات الخفية المحدقة وتخمد الانفاس المتشاجرة فتتسابق لكتم لواعجها ومناجاتها ثم تلتف من حولي محملقة بنظرات زائغة مترقبة فحوى قراراتي. أما الظل الوقح فانه يختفي عن الأنظار تماما وينقطع أثره وكأنه لم يكن مسؤولا عن كل تلك الفوضى التي يخلفها من حوله.
صبيحة الغد وبشكل مفاجئ-ليس لي فقط، بل للآخرين الذين بدأتم تعرفونهم الآن- توجهت الى أقرب وكالة للطيران وحجزت تذكرة العودة الى الضفة السفلى من المتوسط. عدت على مضض. وعندما تفقدتها كانت ماتزال منهكة في حمل الوديعة وإعداد الهدية. لكن صدمتها الجميلة بعودتي فاقت توقعاتي. وبينما هي مندهشة بعودتي السريعة كنت أحرك راسي أمامها بشموخ لا معنى له متحررا من ظلي وسيطرته المزعجة. ثم توجهت الى حيث يفترض انه عملي وكنت ممتشقا بطاقتي منتفخا بما تحمله من دلالات وما تفتحه من بوابات وطرق نحو الفرص والامتيازات والمنافع الشخصية. رغم أنها لم تكن تفتح للمغفلين من أمثالي سوى المشاكل والمآزق والمضايقات. فقد كانت تقودني في كل مرة الى أبواب مسدودة وأخرى خلفية ثانوية تماثل تلك الأبواب الخلفية للفنادق والمطاعم والمعامل وباقي المرافق الخدماتية. أبواب وزوايا ضيقة حقيرة مهملة، تؤدي غالبا الى صناديق القمامة المتراكمة وسقط المتاع المنبوذة ومختلف الأشياء الحياتية المنبوذة بما فيها تلك الاشكال الآدمية المنسية والمنفية التي كنت أتعاطف معها بالسليقة. هكذا كان عنوان رحلتي مع بطاقة المهنة التي اخترتها. تضعني وجها لوجه مع ذلك العالم المهمل المنسي. كنت أجد ألفة شديدة مع تلك الأماكن المهجورة والوجوه المتخلي عنها. كأنه قدري الحتمي فأتقدم في زواياه المعتمة بخطوات ثابتة وكأنني صاحب المكان. فأطلب سيجارة من هذا وأناول أخرى لذاك من تلك الاشكال الادمية التي كنت اعتبر نفسي جزء منها وكنت اتقاسم معهم وجبات الأكل البسيطة وأتبادل أطراف الحديث فأطل من خلالهم على عوالم غنية بالمعارف الخفية ما كنت لأحظى بمتعتها وثرائها لو زاغت بي الخطى الى تلك الأبواب المشرعة على الأضواء الصاخبة والضوضاء الملازمة لها، بأشكالها الادمية الانيقة الجذابة. تلك الاشكال المزخرفة الأقوال والسلوك التي كانت تثير في أغلبها نفوري واشمئزازي. عكس ما كان يرغب فيه ظلي. كنت غالبا ما انظر الى ما وراء تلك النظرات البراقة والكلمات المنمقة والمنتقاة وتلك الوجوه البشوشة السعيدة الصاخبة. كنت أتطلع الى ما وراء الأقنعة فأرى الحقيقة ساطعة ناطقة وإرهاصات وتفاصيل لكائنات وكينونات وزواحف لم أتأكد من حقيقة طبيعتها وتجذرها الا بعد ذلك بسنوات. هكذا عدت الى عملي وعادت الحياة الى طبيعتها حتى علاقتي مع ظلي عادت الى سابق عهدها ولم يدم خصامنا طويلا بعدما عاد للتودد الي ومنافقتي. بدأت أتناسى سخطي وحنقي. بعد شهور قليلة توصلت بمكالمة مستعجلة من المستشفى وأنا في العمل. فتوقفت عما كنت منشغلا فيه وأمرت كل أفكاري -ومعها ظلي الوقح- بالسكوت. ثم أطلقت العنان لمشاعري فأسرعت بي الى المستشفى. سابقت خطواتي، قافزا درجتين وثلاثة ادراج دفعة واحدة في صعود، شاقا طريقي وسط ممر المرضى والممرضات والزائرين والزائرات، غير مهتم بصرخاتهم وضوضائهم ولا حتى أنات بعضهم، فانا أيضا كان ثمة صوت يضج داخلي. كنت فريسة لمشاعر متناقضة بين الفرحة والرهبة وأحاسيس أخرى غريبة وجديدة علي أحسها لأول مرة في حياتي وكان صوت آخر يندفع ببالي وذهني وخواطري متسائلا: هل جاء الأوان؟
عندما وصلت الغرفة المنشودة ألقيت نظرة سريعة على السرير حيث كانت ترقد. كانت تبدو كأنها صعدت جبلا شاهقا بلغت قمته بصعوبة وبذلت فيه آخر نفس، ولما وصلت ألقت بنفسها على الأرض لاهثة من فرط التعب ومسحة من العرق النبيل يكسو وجهها، ولكن بريق عينيها المتلألئة بمزيج من الفرحة والدموع لم يخف ملامح الفخر والاعتزاز بقيمة الإنجاز. قبل ان استفيق من دهشة اللحظة وأحول عيني باحثا عن مصدر ما كان يعتمل في صدري ويشغل بالي، رايتها ترفع راسها من السرير حاملة قطعة ثوب بيضاء ناصعة ملفوفة حول كتلة رطبة هشة تنبض بالحياة ثم قالت لي بكل ما تبقى لها من طاقة، هيا خذ. هذه هديتي لك. مددت يدي وانا أحاول ان أخفى ارتعاشها مبديا تماسكا واضح الادعاء. وما ان أمسكت بتلك الهدية بين يدي وألقيت اليها النظرة الأولى حتى اجتاحت كياني عاطفة اشبه بالعاصفة. انها العاصفة المحملة بأولى الرياح الممطرة بالأبوة والتي طوقت نسماتها أجواء دواخلي وانعكست هبائبها ولطائفها على ملامحي. رأيت آنذاك أجمل مخلوق ينظر الي بدهشة وكأنه قادم من عالم مألوف الى عالم مجهول. كانت تنظر لي أنا لوحدي وتفتح عينين واسعتين وتحاول ان تنطق او تهمس شيئا من شفتيها الدقيقتين أو هكذا تخيل إلي وانا في خضم مشاعري المختلطة. كان حالي كحال الذي يدخل اول مرة بلاد العجائب. وجدتني انطق دون وعي مني قائلا: مرحبا بنيتي…. كانت تلك أغلى وأجمل هدية أحظى بها في حياتي. وبعد سنوات قليلة حظيت بهديتي الثانية وكانت تضاهي شقيقتها الكبرى جمالا وبهاء وقيمة. وكأن التاريخ ابى أن يعيد نفسه بأدق التفاصيل تقريبا -ولا أعنى هنا التاريخ المزيف الذي مطرقتنا اضاليله خلال الفصول الدراسية- من مكالمة مستعجلة ومسارعة نحو المستشفى وقفز على الادراج والدرجات واختراق الصفوف دون الالتفات إليها ثم التوقف المفاجئ والاندهاش المتجدد والشعور الدافق بالعواصف والعواطف الجياشة وإرهاصاتها القادمة. ثم تعتدل هي مجددا في جلستها لاهثة منهكة لكن شامخة وواثقة فتقدم لي هديتي الثانية ملفوفة بثوب ناصع البياض. وفي لحظة من اللحظات خارج الزمن أمد اليدين المرتعشتين وأواصل الادعاء بالتماسك فتلتقي نظراتنا. لكن هذه المرة عندما نظرت الي المولودة الجديدة بعينين واسعتين واغمضتهما بنفس السرعة التي فتحتهما بها، ثم نطقت بصوت خافت لكنه مسموع كان صوتا يشبه ازيز نحلة متقطع. قلت لها جذلا: مرحبا بنيتي…
كانت تلكما أغلى هديتين تمنحهما لي هذه التي تجادلني وأجادلها الآن وأنا متأهب للسفر الى الشاطئ الآخر. رحلة بلا بوصلة. ولم يكن موضوع الجدل سوى الكابوس الذي خيم على حياتنا الأسرية الصغيرة وكنت أنا المسؤول عنه بشكل أو بآخر. كان هذا رأيها. أما أنا فكان لي راي آخر كالعادة. لم يكن ممكنا أن أفصح عنه آنذاك. كنت أعرف أن ظلي الوقح هو الذي وضعني في ذلك المأزق. فهل تراها ستصدق وهي التي عاشت معي طوال تلك المدة دون أن تكتشف أن لدي ظلا له كل تلك السلطة على حياتي وسلوكي؟ ظلا تجاوز نطاق كينونته الشبحية وأصبح خارج الظل. خارج السيطرة.
هكذا كانت حياتي قد استحالت الى ما يشبه كبة الصوف التي تداخلت خيوطها وتشابكت فيما بينها كالخبال في ذلك الصباح المبكر من شهر شتنبر الأغبش.
فك الله خبلك يا عزيزي…
كانت تلك كلماتها الأخيرة قبل أن يبتلعني الممر المؤدي الى الطائرة المتوجهة الى الخارج.
(4)
Views: 14
























