جسر التواصل : خص الكاتب والصحفي الكبير الاستاذ عزوز شخمان جسر التواصل بفصول من روايته الرائعة “بهلوان الَكراج ” وجسر التواصل اذ تقدمها للقارئ فانها تقدم عملا روائيا متميزا للاستاذ عزوز شخمان الذي قضى سنوات طويلة في العمل الصحفي ما بين صحافة مكتوبة ومسموعة وكان له حضور بارز في الاعلام الرياضي المغربي والعربي …
عزوز شخمان

” المؤامرة وأخواتها .تابع.
وفيما كنت أواصل انجرافي في قعر المصير المشؤوم كانت هي قد شرعت للتو في الرقص الموجع فوق جراحاتي القديمة والطارئة منتشيه بحركاتها الأفعوانية الأخاذة، مرة تتلوى كأفعى ومرة أخرى تحوم من حولي كالضبعانة، وفي كلتا الحالتين كان شكلها الفتان يزداد فتنة. ثم بدأ جسدها يتحول إلى ما يشبه العقرب.. وحينما كنت في طريقي للدخول في قلب الغيبوبة أو بوابة الرجوع، تهيأ لي أنني سمعتها تردد بدهاء وازدراء..
أنا هي عابرة الجنس والأجناس، ومغوية القديسين الأنجاس.. أنا من تخشونها كلكم وتشتهونها في سركم، اسمي يكاد لا يبارح أذهانكم.. ولا يغيب عن مجالسكم! نعم أنا هي أنا هي.. أنا المؤامرة العابرة للأكوان!
كانت هذه العبارة آخر ما تناهي الى سمعي وأنا في طريقي للعودة من حيث أتيت.. حتى قبل أن أتأكد من ماهيتي بالضبط وما علاقتي بتلك المخلوقة الشيطانية الفاتنة!
22
كان موعي هذا اليوم مع الطابق الرابع.. كنت أحمل معي كامل عدتي وعتادي.. مكنسة، أكياس بلاستيكية، وغيرها… وقفت في مواجهة -عين الديجيتال- أراقبه كما يفترض أنه يراقبني، وأتوعده في حالة ما كان هو الآخر يتوعدني.. لم يعد لدي ما أخسره منذ أمد بعيد! أي منذ خسرت هويتي الأصلية. كنت أخمن عمن يكون السبب؟ فلم أعثر سوى على كائن واحد …نعم هو بالتأكيد وليس غيره! التفتُ الى نفسي الأخرى “المزورة” وطفقت أساءلها:
ثم ماذا بعد؟
ماذا تقصد؟
أعني.. ما العمل؟ هل صحيح أننا صرنا مجرد فقاعة؟
ومن يهتم؟ لقد كنت دائما واحدا منهم، ولكن كبرياؤك أعمى عينيك عن رؤية الحقيقة..
ماذا؟ أتعنين أنني كنت دوما منهم؟ تبا لك،
بل كنت اسوء منهم! وما أنا إلا نفس مزورة فاقبل بكلامي أو ارفضه، لا مناص لك من الاعتراف، مهما بلغ اعتدادك بنفسك! فلن تعدو قدرك! لست في النهاية الا واحدا منهم..
اللعنة لقد تذكرت الآن.. لقد عشت بينهم لمدة طويلة لتصيبني عدواهم. ولعلي سعيت إلى محاكاتهم! دعنا من هذا الآن، فلقد رأيت مثيلا لهم نماذج شتى لا حصر لها، تتقاسم نفس الصفات والميول والطباع. لا غرابة في الأمر فلطالما كانت أمة الفقاقيع كثيرة العدد. وكل فرد من أفرادها إلا وتنصب له عين إضافية فوق رأسه، وفم واسع بشدقين غليظين ولسان طويل حاد مشحوذ على الدوام من فرط المضغ والكلام. ولكل فرد منهم أذن واحدة محمولة، متطاولة وواسعة تشبه أذن الفيلة ومباشرة فوق الناصية ينتصب عصب رقيق طويل وغير مرئي يشبه جهاز الإرسال يستعمل لالتقاط كل الإشارات والذبذبات التي يستطيع من خلالها أن يترصد كل الانشطة والأخبار والأحداث في مختلف الطبقات التحت-أرضية. كانت أمة الفقاقيع أكبر أمة مستهلكة للكلام. وخاصة حشو الكلام. وكلما تطايرت كلمات من لسان غريب أو عابر سبيل، إلا وتحولت صوبه عيونهم وآذانهم وأجهزة إرسالهم المنصوبة على ناصيتهم. كانوا يعيشون ويقتاتون على تبادل المعلومات والأخبار والأصوات. وكانت لديهم في بيوتهم شاشات مكتظة. كانوا يلازمون بيوتهم يترصدون كل شاردة وواردة مما تتقيؤه تلك الصناديق من فذلكات وترهات. ويصدقون كل ما يسمعون ويتقبلون كل ما يلقى إليهم من نفايات وأضاليل ويتبادلونها، فقد كانوا يتقنون المقايضة. فلا يكادون يغادرون مساكنهم حتى طرق بابهم طارق فيناولهم مزيدا من “الخرافات” الطازجة المقلية منها والمشوية أو المحشية وهذه الأخيرة كانت من أغلى الأصناف وليست من ذلك النوع الذي يطلقون عليها “اشتر واحدة واحصل على الثانية بالمجان”. كانوا قليلا ما ينامون. وإذا صادف وغلب أحدهم النوم فإنه يهب من نومه بعد ساعات قليلة، مذعورا ومتحسرا على إضاعته كل ذلك الوقت الثمين! لطالما قارنت بين هؤلاء من أصحاب الرؤوس الطنانة بالفقاقيع الإعلامية وبين أولئك من ذوي الرؤوس الكروية العائمة.. وجدوى وجودهم؟ لكنني أدركت الجواب يوم توغلت في إحدى جولاتي بوادي الرؤى فوجدت نفسي محشورا في إحدى المواكب الغرائبية المنقادة إلى ساحة الاصطفاف العظيم، أولئك الذين كانوا يمشون جنبا إلى جنب وكتفا لكتف. (يتبع )
Views: 16
























