سعيد غزالة

2
أنا…
لا، أنا ولست أنت… لست ذاك الضمير المجحف في حقي لما نطقته يوما عزة نفس كان وبالا عليّ…
– أنا إسمي (…)
– لا يهم، اسمك في البطاقة.
أصر أبي على أن يسميني باسمي الذي في البطاقة رغم أن والدتي كانت ترغب في اسم آخر أُمِرتهُ في المنام… أبي كان عنيدا ولا يكثرت لهكذا أمور، فإيمانه بالغيبيات يحوي طرحا آخر (سنأتي على ذكره لاحقا) وأصر على اسمي الحالي… أحمل رقما في ترتيبي الوطني كما لي خانة في سجلي العدلي الذي لا شيء قد احتل خانة إدانتي فيه بعد، جراء فعل طائش أو خرق لقانون… فأنا ممن يمشون جنب الحائط درءا لشمس حارقة أو تحت مطرية سوداء اتقاء أمطار خيرية للغير! لا يعجبني شيء وأنتقد كل شيء فقط لأجل أن أثبت لنفسي أنني موجود في اللاوجود متعب مرعوب من شبح أن أضيع في اللامعنى أو أن أكون بلا جدوى في واقع كل ما يميزه أنه بلا تمييز ضائع في يومي مرعب بلا تعريف أو تصريف أو تكليف… سيل من الوجوه الواجمة الرمادية التي تطارد أشباح الفرح والفرج في هرج ومرج، يتبعها ما يريح غيرها ويريحها ما يتعب دونها… الكل يتمناها شرا للبعض والبعض من الكل بعض “كولشي باغيها ف كولشي”(5)!وأنا في كل هذا رقم لا يتعدى عد أصابعي الرقيقة الرعشة يتقدمه حرفان من لغة أجنبية للتنظيم والولوج إلى معلوماتي بسهولة ويسر… بطاقتي الرقمية تلك التي تحمل صورتي التي لي وليست لي لا تحمل تعبيرا ما إلا تعبيرا أنني واحد من ملايين يرجون مكانا يحتمون فيه من شتات ما! فقط صورة أقنعت الكاميرا على أن تلتقطها وفق مقاييس جامدة بلا تعبير… فما حاجتهم للتعبير؟ بطاقة محددة بزمن افتراضي ينتهي ليبدأ آخر (وهكذا دواليك).
وتبقى تلك الأنا تنظر إلي من ركن قصي في حقد وضغينة لا أعلم كيف تحملهما لي بكل هذا القدر الهائل من الإصرار، لإيقاعي في شر أعمالي التي لا أعلمها حتى أجدني متورطا فيها بلا وعي مني أو تقدير… غارقا في بركة آسنة من العبث وصغائر الأمور، ضائعا في العادي والتافه… ولما أحاول أن أضع حدا لهذا الهراء لا أجد تلك الأنا أمامي، تتلاشى تنصهر تستحيل طيفا بلا ملامح أو معنى… أجلس إلى نفسي في ذات الركن القصي فأراني أمامي أتساءل، ناظرا لي، ذات السؤال السابق: كيف أحمل لي ذاك الكم الهائل من الحقد والضغينة؟
كانت أمي تلتقط كل إشاراتي الرعناء أو نواياي لشغب مفكر فيه، فلقد كنت كثير الحركة محبا للإعلان عني بكل الوسائل ولا أرعوي في الأذى، فتقف في وجهي أو تتصيد مؤامراتي الصغيرة التي إذا ما نجحت في إحداها تكون النتيجة كارثية وغير محمودة العواقب. كل هذا لم يكن مني إلا نوع من التعبير عن فراغ استولى على نفسي مذ كنت صغيرا في غياب سند أبوي حقيقي أو أخ يكبرني… كنت أول أمي في نسيج حياة حكمها ترحال مستمر أو مكوث هاجسه ترحال يحاك في السر قبل العلن، بقي يراود حياتنا البئيسة في غياب ذاك الوالد الأثير الذي فضل في فترة من حياته أن يختار الرحيل المبكر… بعد أن كان طائرا كاسرا قارعا للموت زمنا بجانب رفاق اختارتهم يد المستعمر لتصفية دين أو كسب ثقة للوفاء بوعد ما! بعد تحرير سالت لعيونه دماء بريئة يختار حرب تحرير أخرى تأكل أفضل سنين عمره بطعم الرمال… وبعد عودته إلى حضن أسرة كانت تعيش في عراء أبوي مقصر، يجد نفسه بعيدا عن الاندماج في هذا الحضن الطبيعي، وصار كمن قُد من فراغ إلى فراغ أكثر وحشة منه منفصلا عن عرى تبدت له أنه قد أنشأها عن غير وعي أو قصد مسبق!
للحديث عن هذا الوالد الأثير يلزمني كثير وقت وتأمل وتدقيق.
وتعود هذه الأنا القشيبة تستفز في مسكوتاتي التي أنا حريص على الإمعان في إخراسها ومحوها من الذاكرة ومطاردة أطيافها في الأحلام! لن أبقى لوحدي أصارعني أنهش في ظلي المتذبذب أنسحب من حالة الترقب وانتظار ما لا يُنتظر… ولن أسمح لك يا أنا الآخر تستمتع بجلدي وسلخي وإقحامي في حالات التيه واللامعنى… تعبت من كوني متبوع بطيف حاقد يحسب علي خطواتي ويتلصص على آهاتي وانفعالاتي، تعبت من كوني أعي وجودك أنا أنت الآخر المعاند اللامساند واللامحايد… فإلى ما أعود بعد كل هذا الهذيان المحكوم بالشطط.
أنا… هذا الضمير.
محمود. هذا اسمي أو “مامود” كما كانت تناديني جارتنا اليهودية العجوز “حناّ”، وكان يروقني نطق إسمي بهذا الجرس من طرفها فكنت حريصا كل الحرص على تلبية ندائها والعمل على قضاء أغراضها الصغيرة طبعا حتى أحضى بسماعها وهي تناديني “مامودا” وكأن حرف الحاء عند اليهود، في نطق العربية فصحى أو دارجة، لا يتنازلون عن نقطة الخاء محافظين عليها شكلا ونطقا في إحالة إلى أن الحاء حرف لا مكانة له في النطق المرتب محتفظين به إلى النطق اللامرتب! (ألم/ لذة)…
كان لهذه الجارة طقوس تختلف عن طقوس النساء اللواتي درجت على الاحتكاك بهن وعادات تختلف عن عادات نسوتنا، لكن تبقى عاداتها مرتبطة بموروث ثقافي وجد أرضيته الخصبة في طبيعة عيشنا الماتح أشكاله من رواسب ثقافات متعاقبة ناسخة ومستنسخة، وخليط بين عمق أمازيغي وملامح من مستحثاث غارقة في القدم… كانت “حناّ” امرأة ذكية جدا وذات نظرات ثاقبة تحس فيهما بالمكر المغلف بالتساؤل الدائم الذي يربكك عندنا تمعن فيك النظر وكأنها تتقصد الأمر، فكل حركة منك أو من غيرك تحسِب لها ألف حساب وبطبعها الحذر، كطبع كل اليهود، كانت تقلب كل مقتنياتها المجلوبة بكثير من التدقيق الممهور بالشك… ألفناها هكذا حتى أنها صارت حديث النساء وغمزهن ولمزهن وإن كن يجدن في أنفسهن لها بعض حسد! فهي الأنيقة دوما المحافظة على شكلها ومألوفاتها التي لا تتنازل عليها… لم تكن ممن تستهويهن مجالس الأنس النسوية لكنها كانت تجد عند أمي ذاك المنفذ النادر الذي تطل من خلاله على عوالم الحريم المستغلقة… كانت تحبها. وكذلك كانت أمي تبادلها ذات الإحساس وتذكرني دائما أن أكون سباقا إلى تلبية طلباتها والحرص على إرضائها بقولها:
– حناّ مقامها من مقام “أمك للاّك” فكن ودودا معها هي من أبناء أعمامنا أهل كتاب…
كنت وأنا طفل أتساءل: أي كتاب هم أهلا له ونحن من نزل علينا الكتاب مصدقا لما بين يديه…؟! وألبي كلامها بلا أدنى تردد أو تبرم.
كانت أمي من عمق أمازيغي لم تغيرها عادات المدينة أو طقوسها المصطنعة، فقد نقلت معها الكرم البدوي فصار بيتنا زاوية يرتادها كل من توسم فينا بعض ترحيب كانت توزعه أمي بكرم باذخ لا ينقطع طبيخه أو ينضب شرابه أو يغيض معينه… كانت “لالّة” حنّا لزيمة أمي في الكثير من شؤونها البيتية وصمام أمانٍ عز على أسرنا المفككة والغارقة في اليومي الباهت. فتجدها الناصح عند الضيق والمساند عندما تنافح أمي أبي في أمور متعلقة بتربية الأولاد أو تسيير شؤون البيت… كان لدي أخ يصغرني بسنتين جاء بعد لأي، لأن ولادتي كانت قد أتعبت والدتي التي كانت صغيرة في السن ديدن كل الأمهات وقتها اللواتي تزوجن في سن مبكرة، وكنت عند الطلق أتمتع بصحة جيدة ووزني فاق المعتاد… من الأشياء التي كنت دائما أقرع بها عندما أسجل هدفا من أهداف الشغب التي كنتها!
كان هذا الأخ لصيقا بي لكنه هادئ وحريص على تذكيري بما ينتظرني إذا ما كنت ناو على فعل مشين، لكنه رغم ذلك لم يكن يجد غضاضة فيما أفكر فيه رغم طبعه المسالم لكنه كان يبكي إشفاقا وحبا عندما أتعرض لحفلة تأديب من طرف أمي… كانت أمي لا تتصف بالرحمة عندما أذنب، ولكنها غيرها فيما دون ذلك. لم يكن أخي في صحة جيدة وكنت دائما أحس أنني أنا من خربت صحة أمي حتى جاء بعدي عليلا!! أنا مرة أخرى.
الحياة قاسية في بعض دوراتها وغير منصفة، تترصدك وترسم لك متاهاتها أحلاما ورغائب لا تنتهي تتناسل لا تستوي على حال… كان حلم طفولتي كأي طفل بقدر رغباتي البسيطة والحالمة، أن أكون “سوبرمان” فقط لأدافع عن الضعفاء وأنتصر للخير وأحمي الحيوانات الصغيرة ولم أكن أعلم أن ما كنت أفكر فيه أُسست له منظمات وجمعيات وقامت بسببه حروب لازالت ندوبها لم تلتئم. لقد بدأت وقتها، دون وعي مني، أقتحم عالم الكبار ولكن بخيال مفرط في الفانتازم… لكني لم أصر لا سوبيرمانا ولا حتى كبيرا يفكر في تغيير العالم أو كينونته حتى!…
وأعود لأتأمل هدوء أخي المليء بمكر فطري ساعده في حياته ليضيع في عوالم المال والأعمال… فتلاشت طفولتنا كما تتلاشى المهملات. هدوء أعطاه قدرة على التخفي في جلدي يخالط ظلي يَعْوج حين أستقيم ويستقيم حين أعوج… كنت دائما ألعب دور البطل، في أدائنا لمشاهد من أفلام شاهدناها والتي يلعب فيها الخيال دورا كبيرا، فيلعب هو دور خصم البطل دائما حتى يتيح لي فرص الإنتصار عليه… انتصارات طفولية انقلبت هزائم بلا حدود عندما تجاوزنا عتبات طفولة متحسر عليها (الزمن الجميل).
ولم يلعب هذا الدور فقط، بل كان يتلقى الكثير من الأذى من أجلي عند حفلات التأديب التي تقيمها أمي لكلينا فكان درعي الواقي من سوط أمي، الذي هو “كابل” (سلك مغلف بالبلاستيك) ضربة واحدة منه ترتسم على جلدك لأسابيع… وكنت أحسه بذلك وكأنه يحافظ على صورة البطل/الطفل الذي كنته في مخيلته… كانت قناعته بي تجعلني أسير محبة لم تنهكها ضروب الحياة الصغيرة!
لست بطلا رغم كل ما كان أخي يبدله من جهد لإثبات هذه البطولة؛ لأنه لم يكن فقط درعا دون سوط أمي، بل كان الحارس الشرس في مواجهة المتنمرين من الأطفال… بطولتي لم تتخط عتبة بيتنا الصغير لأن في عمق تلك البطولة المدعاة خوف دفين وضعف رعديد علمني إتقان اتقاء الآخرين وتقديم كل وسائل الحيطة والحذر المرضيين اللذان لازمنني فصرت كثير الغموض أظهر نرجسية لا مبرر لها ولا مسوغ لالتصاقها بشخصي… كنت دائم الوقوف أمام المرآة، أنا ذاك الطفل الجميل ذو الشعر الحرير… أنظر إلى آخري الذي سيُلزمني عادات مشينة ورعونة تغلب طبع الاتزان الذي حرصت طوال السنين، التي أوصلتني لعقدي الرابع، أن أتلبسه ويصبح ديدني… لكن، تعود تلك الأنا لتوقظني فزعا من رحلة النبش العقيمة في ذاكرة مثقوبة ضاعت تفاصيلها، وتلاشت بين شد وجذب اليومي والتطلعات التي تتناسل والرغبات!
أنا الموقع أسفله… أو أعلاه كما سبق. أنا. أعلن خروجي عن مألوف الحكي المسكون بالحقيقة، فأخلطة إصرارا بمتخيل مكذوب فيه، حتى أنبري متلصصا على مسكوت عليه متخفي تحرقه شمس الإعترافات، لصناعة سرد آخر مغاير غير مساير ولا خاضع لمعتمد سابق آمل في متغير لاحق ماحق سافِر معلن غير مستتر منفصل عن معلوم شاخص إلى مرئي متخفي يخشى الأنوار ولا يحفظ الأسرار، ليس لديه ما يخسره في زمن التفاهة والبلادة وانتصار الدونيون!
أنا الموقع أسفله وأعلاه وعلى هوامشها تتبرج الذكريات، تنكأ جراح الحرمان التي خطت نذوبها في القلب والخاطر… وأنا أصفف سفر الحياة أضعت بعض الصفحات وأحاول، وأنا أدون أرقامها وبعض ما ترسب في مذكرة التذكار، يزورني طيفي كقدر تائه أضاع الطريق… عابر سبيل أنا في هذه الحياة أتسول مصيري وأراقب كأي غريب حياة الآخرين الجارفة والنازفة بلا معنى، فتتضخم فيّ اللامبالاة فأصير مثالا لها عند هؤلاء.
كانت مراحل التحصيل الدراسي عندي موزعة بين رغبتي في أن أكون الأول على دفعتي، أو أكون واحدا من أيها التلاميذ اجتاز عتبة التعليم الثانوي فقط من أجل أن ألج الحرم الجامعي “ولا أدري ما المعنى من تسميته (حرما) جامعيا” لألبي رغبة والدي في حصولي على الشهادة العليا تبريرا لعمرٍ من التشوق والفرح النادرين. وألج الحرم الجامعي لأكتشف أمورا لا علاقة لها بشيء أطلق عليه “حرما”! وأحصل على الشهادة التي تفتح لك الشهية للحصول على أخريات وهكذا، طاحونة حياة ووقت ليس إلاّ.
………….
وتستيقظ طفولتي المأسوف عليها بكل مذكراتها، مرة أخرى، لتضعني أمام مرآة وجه الحياة القميئة… مرآة تآكلها صدأ الحرمان والأماني المجهز عليها والأحلام الموؤودة، طفولة ودّعتُ بفقدها الكثير من المشاريع الباذخة لإسعاد البشرية وصنع عالم يعمه السلام والحب… ودعتها والحسرة تأكلني تنهش رجولتي المبكرة فتقص أجنحة لم تشق منبتها بعد، كانت حالمة بعالم الأحصنة الطائرة… لكنها أقعت مستسلمة لواقع بلا ملامح فتخطو عتبةً نحو ضباب قبالة مفترق طرق بلا علامات تشوير.
لم يكن خروجي من ربقة الوصاية وأماني صناعتي رجلَ مستقبلٍ على المقاس باليسير… ولا كنت قادرا على اختيار هذا الخروج بكل الإرادة الخالصة، بل مارست، عن عمد أو بعفوية (ما)، مراواغات ومناورات تفننت في تشخيص مشاهدها متذاكيا مرة ومظلوما في أخريات… لكني خرجت، باختياراتي المعطوبة غالبيتها، منتصرا على شيء كنت مهيئا للتمرد عليه: الطاعة العمياء.
الحي أو (الحومة) التي نشأت فيها، لم تتغير كثيرا، وكأن الهواء الذي استنشقته في صغري، لم يراوح مكانه رغم سنين التلوث والإكتظاظ المهول الذي تشهده تلك الأزقة الضيقة والمتشابهة والمنظمة في بنايات نظامية، والتي كانت مرتع أحلامنا ولعبنا وسباقاتنا التي كانت لا تنتهي… كانت أبواب البيوت تقابل بعضها في صف من خمس بنايات لا تتجاوز كل بناية الطابقين في عداد اثنا عشر وحدة (بلوك)، وكل وحدة تضم عشرة مساكن، وكانت الوحدة أو الوحدتين أو الثلاثة تصنف حيا منعزلا عن الأحياء الأخرى، وذلك حسب تقسيم عفوي يكون الأطفال هم السبب في اختياره… كانت الوحدة 12 والأخيرة والمتاخمة لأحياء الصفيح التي لا يفرقهما سوى شارع، الأشرس والأقوى دون كل الوحدات الأخريات، وكنتُ من ضمنها… أتذكر حروبا لحد الآن لازالت بعض علاماتها في أماكن متفرقة من جسدي تشهد عليها… كنا أطفال حجارة بامتياز قبل الانتفاضة، وكانت الهزيمة دائما من نصيب من يحاول أن يفتح حربا خاسرة، بالطبع، مع الوحدة 12. والأسباب تكون تافهة أو استعراض عضلات ليس إلا. لم يسجل على ما أذكر أن أحدا اعتدى على الأصول أو تطاول على الأخلاق فهذا أمر كنا لا نفكر فيه بالمرة وهي أمور تخص الكبار؛ على سبيل المثال كان كل فتيان الحي حراس أمن لكل بنات الحي وخدم متطوعون لنسائه، فلم يسجل أن اعتدى أحد على حرمة أحد بل كانت العلاقات الإنسانية عالية تنسجها روح أسرية قلّتْ بل انعدمت في هذا الوقت. وكانت جميلات الحي محل لمز وغمز من طرف النساء اللواتي لديهن أبناء مقبلين على الزواج، حيث كن يتصيدن لحظات اللقاء بهن في حمّام الحي النسائي للإطمئنان على المنتوج البشري تمحيصا وتعييرا، أو عند زيارات الجيرة التي تكون طقوس تقديم الشاي والمقبلات أو وجبات اليوم من الأشياء التي توزن بها مهارات الإناث المرغوب في خطبتهن.
في ظل هذه العوالم الحالمة بسعادات مستقبلية كنت أرتع وأرسم بداياتي الرجولية النزقة… كانت بنت الجيران أُنستي التي أتواطئ معها في لعبة “عريس وعروسة” لكن، بمهاراتي الخاصة بعيدا عن باقي المجموعة، كنت متقدما في فهم اللعبة! كنت أكبر من سني وخضخضات فحولة مبكرة تحدوني لإرضاء كلينا في فهم متعة كان يستفرد بها الكبار، ولا نطول منها إلا تلصصات نادرة، كنا في أغلبها نُضبط متلبسين فيكون جزاؤنا عسيرا مريرا؛ لأوضع بعد ذلك في خانة الأطفال المغضوب عليهم، وتوضع هي وراء حجاب. تُقمع أولى رغباتنا الطبيعية دون تبرير أو تفسير، لم نعلم بفحش ما كنا نخوض فيه إلا بعد سنين من التجهيل والترهيب المقيتين! هكذا طفولتنا كتاب من الممنوعات والتخويف وقصور الفهم بدعوى: “حشومة”(6)، “أنت مازال صغير تكبر وتعرف”(7) كانت نداءات الحب الأولى تخط أولى حروفها في مخيلتي فأهيم في خيالاتي المخملية لا حدود لها ولا موانع! الجسد الأول والملمس الأول والقبلة الأولى تنغرس في الخلايا فلا نستطيع نكرانها أو التخلص منها لأنها رمز شيفرة عشقك واكتشافك البدائي للارتعشات الجنسية الأولى والبريئة. كنت أعشق مرافقة أمي للأعراس وأكون حريصا على رؤية العرسان والسماح لأحلامي بالتجوال في نظرات السعادة والابتسامات الفاحشة بين الشباب المقبلين على الزواج… كانت ملاحظاتي/ مذكرات لا تسجل فقط، بل تطبع في عقلي كأي أثر لا يقبل الاندثار… لا يمكن أن تعي أو تتعلم الحياة وطبيعة الأشياء كما يجب وأنت في مجتمع مثخن بالممنوعات والطابوهات مسكون بالخوف واعتبار المواطنين رعية تسوقها سياسة “جوع كلبك يتبعك”(8) حتى النخاع وفي جل مظاهر اللاتعايش! عمق ضحل وقصد لئيم لصناعة أقفاص من الأسمنت (غير) المسلح والآيل للسقوط والتلاشي.
كانت مخاوفي الصغيرة، والتي ستكبر كمرض مزمن ومتحول، تضعني في منزلقات الاكتئاب واللاجدوى، وتطفو كلما واجهتني صعوبة أو مواجهة مصيرية؛ هي ذي طفولتي لا تنفك تطاردني تستبق في حسم بعض اختياراتي ولربما كانت سببا في ضياع أشياء كثيرة كنت أرتجيها كأي إنسان نجا لوهلة من شبح الحرمان والتشضي! نعم، تلك طفولتي التي تقف لي بالمرصاد تعتليها تلك الأنا الفاحشة والمستعصية على التبدد. فهل في كناش مذكراتي الباهتة ما يصنع تاريخا أو حتى حكايا لتبديد ملل التذكر؟ لا أدري، لكني أحس بأني مقيد إلى أسئلة لم أجد لها أجوبة، مرهون لمساءلات عن هوية ما تكون مرجعا لي عند الحنين إلى الماضي.
Views: 20
























