ذ : عــزيز مــازي
إن السياسة عند افلاطون تساوي العدالة في المدينة، وغرس الفضيلة والعدالة في الفرد1، أي أن السياسة في مثلها العليا، قيادة الناس إلى ما هو خير وصالح، ومراعاة المصالح العامة للأفراد…
إن السياسة الفاضلة تضادها السياسة الخسة والجاهلة، لأنها ترسخ القيم الخسيسة الدنيئة في المدينة وفي أهلهما، وتجعلهم بؤساء، ويقول أرسطو في كتابه السياسات: ’’ فليكن من المقرر عندنا أن الحياة المثلى لكل من الأفراد والدول جملة، هي الحياة التي تشرف الفضيلة على سيرها، بحيث يتم لها أن تشترك في أعمال الفضيلة2 أي أنه لا بد من التزام الدولة الفاضلة بالأخلاق، فالدولة التي تستحق أن تكون دولة هي التي تعنى بالفضيلة، لأن غاية السياسة والدولة عامة هي الحياة الفاضلة والعيش الفاضل للأفراد والجماعات وتضمن لهم أكبر قدر من السعادة.
فالسياسة الفاضلة لا تنفصل عن الأخلاق، وهذا يتضح من خلال أفلاطون كونه كان دائما مشغولا بتعريف الفضيلة والخير، بتعليم الناس كيف يحبون الحياة السعيدة وينعمون بها.3 ومن مظاهر السياسة المدنية أي السياسة الفاضلة، أنها تستمد ماهيتها من روح المدينة، وتبحث عن كل الوسائل التي تؤدي إلى إسعاد المواطنين، وإبعادهم ما أمكن عن الشقاء، ولذلك فإنها تسعى لتوفر لهم أسباب السعادة، من تربية وصحة وكرامة وعدل وحرية و… إذن فما هو السياسي الفاضل ؟ وما هو السياسي الجاهل والخسيس ؟
كل الفلاسفة والمفكرون الذين تناولوا الفعل السياسي من الزاوية الفلسفية، يجمعون على أن هناك خيط رفيع بين السياسة والأخلاق. ويضعون مجموعة من الشروط و الخصال الفاضلة التي يجب أن تتوفر في السياسي الفاضل وهي كالآتي :
– يجب أن يكون غير شره في المأكل والمشرب والمنكح و…
– ثم يجب أن يكون محبا للصدق وأهله، ومبغضا للكذب وأهله…
1 – د : محمد وقيد الله أحمد : كتاب مدخل إلى الفلسفة السياسية ص :59
2- د أرسطو كتاب السياسات ً : 335
3- د إبراهيم الزيني كتاب أفلاطون ( عظماء صنعوا التاريخ) : ص : 61
– ثم يجب أن يكون كبير النفس محبا للكرامة، و تكبر نفسه بالطبع عن كل ما يشين من الأمور، وتسمو نفسه بالطبع إلى الأرفع.
– ثم يجب أن يكون بالطبع محبا للعدل وأهله، ومبغضا للجور وللظلم
– ثم يكون قوي العزيمة على الشيء الذي يرى أنه ينبغي أن يفعل، جسورا عليه مقداما غير خائف، ولا ضعيف النفس4 .
إضافة إلى هذه الشروط يتوجب على السياسي الفاضل أن يدرس طرق وقوانين الحكم قبل تطبيقه، لأن أضر الأشياء بالناس هو أن يتعلم السياسي طرق الحكم في الحكم نفسه. لماذا ؟ لأن سياسته ستختزل في السيادة، وعندما تختزل السياسة في السيادة فإنها تمارس بشكل عشوائي واعتباطي، أي وفق ميول وأهواء السياسي المسير لشؤون الأفراد.
في البداية يجب أن نميز بين الأمي والجاهل، فالأمي هو الذي لا يعرف شيء وبالتالي من السهل أن تعلمه، أما الجاهل فهو الذي يملك معرفة خاطئة ويدعي أنه يعرف، لكن التحدي هو كيف تقنعه بأنه لا يعرف وأنه جاهل لأنه لا يفكر، ولا يتحاور وتتسم خطاباته بالعنف لأنه ليس على حق، ليقنع العامة بأفكاره ومغالطاته .
فالسياسي الجاهل هو مثل الجرثومة يتسرب إلى خلية المجتمع، ويتغلغل فيه ليرسخ أفكاره ومغالطاته مستغلا نمط التفكير اليومي المعتاد على الجاهز، لأن الأفكار الجاهزة والمغالطات هي تفكير سهل، ولا إبداع فيه فالإبداع يكون فقط في كيفية تقديم نفس المرويات والحكايات بطريقة أخرى، بحيث يتم إعادة تدويرها باستمرار، وكل تفكير سهل يجد من يتبناه داخل الحشود.
و السياسي الجاهل أيضا لا يعطي للناس شيئا جديدا ولا يفرض على الناس بدل جهد في التفكير ليكتشفوا معرفة جديدة وحقائق جديدة من خلال منهج عقلاني وقواعد يقينية، فهذا النوع من الساسة فهو عدو لنفسه فكيف يمكن أن يكون صديقا لغيره ؟ وما السبب في ذلك ؟
لأنه يكون مصاب بحمى نرجسية تجاه الجميع تجعله يشعر بالاعتداد بالنفس، وتضخم الذات فيغالط ويخدع نفسه باعتقاده أنه وصي على الآخرين. فهو لا يراهن على الأخلاق والفضيلة رغم أن الأخلاق هي حليفة للسياسة، فيعتقد نفسه أنه يعرف كل المفاهيم التي تؤثث الواقع، فيعرف الأشياء بما اشتهرت به عند العامة، ويعتبر أن انطباعاته عن الأشياء أنها حقيقة الأشياء وهذا يجعله يستمر في جهله وكيف ذلك ؟ لأنه يعرف نفسه من خلال جمهوره فعندما تصفق له الحشود، فيعتقد أن ما قاله هو حسن وما يفعله حسن وعين الصواب فهو لم تتح له الفرصة يوما ليختلي بذاته، ويسائل دواخله ويعرف نفسه بنفسه، حينها سيكتشف قمة حقارته وبشاعة أفكاره…ليصلح ذاته بذاته بعيدا عن انشغالات وآراء العامة.
4: الفارابي كتاب آراء أهل المدينة الفاضلة ص :35
Views: 7
























