
الحسين السطاتي شيخ للعيطة
سمحت في لخروف…وشارية حلوف
الحولي بكَرونو…سايكً الرونو
الحولي الصردي…زاد في مرضي
فليسات الحوالا…مشاو كفالة.
العيد بو لحوالة…داير شعالة
خروف العيد…دارتو كَديد
متسرح ما تذبح…تعرف ع تنبح
حالفة ما نولي …حتى تجيب الحولي
سيري عند الوليد…يعطيك فلوس العيد
ليلة العيد لكبير…بقات سوفونير
هذه حبات من عيطة “الحساب الزعري” التي تدخل ضمن خانة فن “العيطة الزعرية”، تتغنى فيها الفنانة الشعبية “الشيخة” بخروف العيد “الحولي”، وغلائه، ومتطلبات الزوجة النكدية لزوجها في هذه المناسبة الدينية، التي صارت عند البعض عادة ولم تعد عبادة، أضحت مناسبة تقض مضجع بعض أرباب الأسر.

وخلال هذه الأيام السعيدة تتجه الأنظار إلى كل ما له علاقة بأضحية عيد الأضحى، سواء في التجمعات البشرية على أرض الواقع في الأسواق والمقاهي وفي النقاشات داخل المنازل..أو في العالم الافتراضي على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث تفرض هذه المناسبة الدينية حضورها الديني والاجتماعي، وتُقبِل حاملة معها تلك التفاصيل التي لا غنى عنها، إذ تشهد الأسواق الأسبوعية واليومية، التقليدية والعصرية والممتازة، في القرى كما في المدن العتيقة وحتى الحديثة، حركة نشيطة ذؤوبة، تتعلق بكل ما يلزم هذه المناسبة الدينية من طقوس وعادات وتقاليد، حيث تملأ الأسواق الشعبية وبعض الأزقة بعرض لمختلف الأنشطة التجارية الموسمية من سكاكين مختلفة أحجامها وأشكالها، وأفران “مجامر” مختلفة الأشكال والألوان والأحجام، وأواني الطبخ الفخارية التقليدية بما فيها: “الطجين” و “الحماس” و”الكَدرة”، و”الكسكاس”، وسواطير ومقدات، وقطبان ومقالي الشواء “الشوايات”..ولوازم التلفيف والتعليب والتبريد، هذه المعدات المتجددة عيدا بعد آخر، وأطنان من أكوام الفاخر، إضافة إلى كثبان التوابل والبهارات، كما تنتعش تجارة خضر البصل بكل أشكاله وألوانه والبرقوق المجفف، والمكسرات، والفواكه الجافة وبعض الفواكه الطازجة الموسمية..وتملأ الرحابي بمختلف المواشي المقبولة للأضحية، وكل بائع ينادي على بضاعته، كل واحد يعيط على سلعته، إنها عيطة “العيد الكبير”، كل هذا يدخل في إطار موروثنا الثقافي الشعبي، والناس تعيش نشوة العيد،كما كانت هاته الأجواء في السابق تجلب الفرح والغبطة لنا ونحن أطفالا أكثر مما يفعل خروف العيد.
وبصفتي بدوي من ريف “أولاد عبو” وبالضبط من دوار “أولاد سيدي رحال الشرقية”، منطقة “أولاد سعيد”، جهة سطات الدار البيضاء الكبرى، أتذكر بشوق وحنين أجواء هذا العيد بالبادية، حيث كنت أرافق أبي وإخوتي الكبار إلى الأسواق الأسبوعية بالمنطقة للاتجار في الخراف والخروفات والأكباش.. تلك التي كنا نربيها مع القطيع أو التي كان يشتريها أبي ويعيد فيها البيع في نفس اليوم.. كان ذلك يتزامن مع عودة المهاجرين أفراد الجالية المغربية بالخارج، والمهاجرين الداخليين العائدين من المدن إلى الدوار، كانت تنتعش الحركة الاقتصادية بالمنطقة، ويعم الفرح والبهجة والتضامن والتكافل والتآزر، وصلة الرحم والتصالح والتسامح خلال هذه الأيام المباركة.. تلك الأيام أتذكرها بحنين ونوستالجيا إلى زمن صار يبدو لي جميلا بالمقارنة مع هذا الزمان، وكانت هذه الاحتفالية تشكل في نفسي فرحا عارما لا يعادله أي فرح.

كان يوم العيد في البادية يوما استثنائيا، نلبس أجمل الثياب لدينا، يصلي الرجال الكبار صلاة العيد في المسجد بالدوار، ونحضر نحن الأطفال لحظة ذبح الأضاحي، نتحلق حول الأب وبأمر منه نساعد في ذلك بما استطعنا، ونتسلم نقود إكرامية العيد “العيدية” من الأهل والأقارب والجيران، وكان ذلك بمثابة تأهيلا ذاتيا ونقل الخبرة بطريقة فنية عفوية عبر التواتر من جيل لجيل، وفرحا جماعيا ننتظر من خلاله هذه المناسبة بشوق وتلهف، كان الآباء حريصين أن نشاركهم في الجزارة بما فيها الذبح والسلخ وأعمال السخرة، كمزيد من الارتباط بهذه السنة المؤكدة، وبعد صلاة العصر يجتمع الذكور “صبيان، شباب وشيوخ”، ونركب على البهائم “خيول، حمير، جحوش”، استعدادا لعادة الفروسية التقليدية، لسباق وتنافس مع الدوار المجاور “أولاد سيدي رحال الشرقية”، حيث يلتقي الجميع في بقعة أرضية فلاحية منبسطة صالحة للسباق، ويتم التنافس والتسابق في جو يسوده الفرح والبهجة والسرور، وفي المساء تبدأ سهرة احتفالية طقس “السبع بو لبطاين”، حيث يتم اختيار شابا في ريعان شبابه يكون قوية البنية الجسدية ويتمتع بحس فكاهي، فيرتدي زيا تنكريا مخاطا من هيضورة خروف، ويضع على وجهه قناعا، فيتبعه الصغار والمراهقين في جو مرح وفرجة ويطوفون على الخيام والمنازل، إذ تقتحم هذه الجماعة أشد البيوت حصانة ومحافظة، وكان الناس يكرمونهم بالأموال واللحم والفواكه الجافة والمكسرات..وفي الليل وبعد وجبة العشاء الدسمة،كانت تبدأ سهرة فنية تنشطها مجموعة لفرقة موسيقية غنائية “رباعة الشيخات”، داخل خيمة كبيرة تنصب بوسط الدوار “المرح”، حيث تضم الخيمة رجال الدوار من مختلف الأعمار وضيوفا آخرين قادمين من دواوير الجوار، أما النساء فكن يكتفين بالتفرج من بعيد، وغالبا ما كنت أتسلم الكمنجة من عند “الشيخ” عازف الكمان، وأشاركهم في العزف والغناء، حيث يبقى جو السمر والسهر والمرح والفرجة حتى تباشير صباح يوم الغد. ويتبع ذلك طقوسا أخرى قد تصل إلى مدة أسبوع كامل، حيث يتبادل الناس الزيارات، وتنشط صلة الرحم، والتصالح والتسامح بين الناس، ويجزأ لحم أضحية العيد، ليجفف على أشعة الشمس ويصنع منه اللحم المجفف “الكَديد”، و”الكرداس”، ويتصدق بجزء منه على الفقراء والمحتاجين.
وتستحضرني خاتمة “السدة” من بروال العيطة الشيضمية” أو ما تسمى ب “بروال الحولي”، والشيخة تغني وتصدح بصوتها النائح الباكي وهي توجه خطابها لزميلتها في الحرفة:
يالغزالة كلمي سيدك ليا
ايلا كلمتيه كلميه بالعربية
سيدي حبيبي كَاع نساهم ليا
بضاض صعيب والربطة زغبية
باغية وجهو ما باغية طمعية
يجيب الحولي ما يجيب الحولية
يجيب الحولي عيونو صردية
يجيب الحولي كَرونو ملوية
يجيب الحولي ويكتفو بين ايديا
يعيد ليا ويكسي واليديا
إلى نهاية هذه “العيطة الشيظمية”، إنها عيطة العيد، على كل حال، رغم ما يعتريه اليوم من فجاجة وقلق بسبب النزاعات المادية، وضعف الجانب الروحي وغياب الوازع الديني، بسبب خصام الإخوة الأشقاء، وقطع صلة الرحم، وعداوة الجيران، وقلق وتوتر بسبب القروض والأزمات المادية التي صارت تشكل هاجسا حقيقيا بالنسبة للأسر المعوزة والتي لا تستطيع حرمان أطفالها من تلك الفرحة أو من تلك العادة إذ صح التعبير، حيث لم نعد ترى في هذه المناسبة الدينية سوى تلك السكاكين التي تسن على عجلة دوارة في الأزقة، وأكباش تشترى للرياء والتفاخر أمام الجيران ولو كانت بقروض السلف أو عن طريق السرقة أو النصب والاحتيال، وصار لحم الأضحية يقسم إلى أجزاء ليحفظ في الثلاجات دون التفكير أصلا في التصدق بالجزء المفروض من الذبيحة كما تقتضي السنة بذلك للفقراء والمحتاجين.
وبهذه المناسة السعيدة، والأيام المباركة، أقول لكم طابت أوقاتكم، وتقبل الله منا ومنكم صالح الأعمال، وكل عيد وأنتم كرماء في الروح واليد، وعيدكم مبارك سعيد، وكل عام وأنتم والعيطة بخير.
Views: 16







