“ريان… أيقونة صبر” تتمة للفنان سعيد غزالة

جسر التواصل24 فبراير 2022آخر تحديث :
 “ريان… أيقونة صبر” تتمة للفنان سعيد غزالة

الفنان سعيد غزالة

                                                                       3
كان صعب علي أن أتآلف مع برودة المكان، لكنه واقع وجدت فيه نفسي والألم في حوار يسابق الزمن، كما الناس خارج الجب يصارعون الطبيعة وينقلون جزءا منها من مكان لآخر للوصول إلى تدفئة المكان واستكمال حوار بدأته لحظة قدمت نفسي قربانا للسقوط بدلا عن جَديي الصغير.
أتسمعون هذا الصمت الذي يتسلل من جروحي ومن ذرات الرمل، وتلك الرغبة في أن أصنع من عجينة الطين، والتي صنعتها من دمي وأقفلت ببعضها تلك الجروح، دمية أهديها لبنت الجيران؟ نعم هو هذا الصمت الذي ران على مسمعي فأصبحت آهات الفاجعة أنشودة تشترك فيها طيور الغدير الجاف مع حفيف أشجار الكلبتوس والغار. عندما أنتبه، للحظات بعد نوم عميق، وأنظر إلى أعلى الذي تمدد أكثر مما كان، صرت أدعو الله أن يبقى بالقرب من مدخل الجُب رجالا يمنعون الجَدي من اللحاق بي فهو حيوان صغير يحبني وقد يغامر بالهبوط الاختياري بلا وجل. احرسوا المكان ومن هنا وأنتم هناك الهناك نرفع أكفنا ل”الله” لعله يتدخل حتى ما أعود لإكمال بناء بيت القش بجانب نبع ماء لربما جادت يوما بماء… لا تخشوا شيئا هي إرادة الله التي لا دخل لكم فيها. وليكن يقينكم منزها عن أي إحساس بالذنب… هي سويعات وستكون حاسمة في رسم مستقبلي.
كانت تحكي لي أمي، ولوحدي، عن قصة فتاة كانت تحب زهر الأقحوان… كان أبي يعجب لأمي وهي تستفرد بي لتحكي لي تلك الحكاية، فهي، كما يعلم الجميع، قليلة الكلام صامتة في أغلب الأوقات تجيد النظر للأشياء وتقول بعينها ما يعجز اللسان عن التعبير عنه. كنت محظوظا؛ فلحكيها فعل كما السحر يشل الجسد ويسافر بك إلى أماكن بعيدة ولا في الخيال. وكانت حكاية فتاة الأقحوان أفضل حكاياتي والتي كانت تعلم مدى حبي لها فتعيد سردها علي بشغف. كانت تجد في طفلها المنتبه دوما لها، والعاشق لحضنها كلما أضناها تعب البيت وأثقلتها أعباء حياة البادية القاحلة، راحتها الوحيدة.
ريان… اسم رنان وبه نغم تتمادى لشدوه الجنان… كم جميل وأنا أتذكر كل هذا في لحظات السفر التي أحياها.
                                                                        4


لن يطول سفري، أمي… إحساس صعب يزاحمني وهذه التربة الندية والباردة، هل استسلم لإنهاء هذا السفر وأنام نومي الأخير؟
اسمعي أمي، ما أزال أحتفظ بنصف قطعة الحلوى، نصيبي، والتي كنت شاركتها معك وأخواي وأختي… لقد اشتقت لهم إخوتي، لكن لا تخبريهم بسفري القريب… أرجوك أمي. هي رحلة تنتظر إعلانها فالكل بالخارج يماطلون دون انطلاقها… أنا أعلم أنهم يحبونني ويرغبون أن أبقى بينهم حتى يبتسم الشيوخ الكبار وهم يراقبون جريي الفرِح خلف ذاك الجَدي المرح… والنساء قاصدات الوادي لغسل الصوف… ولن أرفض مشيئة ربي إذا ما دعاني إليه… لكن،أمي، سأشتاق لك وأنت تمسحين على شعري وتوقظيني بحنان في حاجة له الآن.
أسمع هديرا قريبا من المكان البارد الذي استضافني وألفني… هذا الظلام وصوت عمق الأرض الذي يحاكي دقات قلبك يا أمي. إنه حضن، ولو أنه بارد، ينوب عنك. متى تنزلون لي كيس حلواي لأشاركه وأهديه لصغار ديدان الأرض وبعض الحشرات التي تمر بمقربة من وجهي، الذي لا أستطيع مسح التراب عنه، وتنظر إلي وهي مشفقة متأسفة لمَّا أراها تنظر إلى أعلى للحظات ثم تنصرف لحالها… لقد زاد وجعي، ودندنتي لأغنيتي التي أحبها، أصبحت أضيع بعضا من كلماتها… الألم أصبح يسرق مني أشيائي الصغيرة. لم أعد قادرا… وهذا الهدير الذي يحفر خارج الجُب كلما يقترب مني يبتعد أكثر. لو تسكتون تلك الآلات وتدعوني أنام بعض الشيء؟
أرجوكم.

                                                                      يتبع

Views: 22

الاخبار العاجلة