الخروف يتحدث… والاقتصاد يهمس: موسم الطاعة حين تصبح الفاتورة عقيدة

جسر التواصلمنذ 49 دقيقةآخر تحديث :
الخروف يتحدث… والاقتصاد يهمس: موسم الطاعة حين تصبح الفاتورة عقيدة

 عبد العزيز الخطابي

في نشرات هذا البلد. هناك فقرة ثابتة لا تُبث على القنوات الرسمية. لكنها تُذاع بدقة مدهشة في الأسواق: “نشرة الغلاء السنوية”. لا مذيع لها. ولا موسيقى افتتاحية. فقط أرقام تتصاعد. ووجوه تحاول أن تبدو متفهمة… أو على الأقل غير مصدومة. التوقيت مضبوط كساعة سويسرية. والمحتوى معروف مسبقًا: الخروف يشرح. والجيوب تصمت.
في الظاهر. نحن أمام مناسبة دينية تُفترض فيها البساطة والسكينة. لكن في العمق. نحن داخل تجربة اجتماعية معقدة تُختبر فيها قدرة المواطن على التوفيق بين الإيمان والميزانية. بين الشعيرة والواقع. بين ما يجب أن يكون… وما يمكن تحمله. وهنا تحديدًا. يتحول العيد من معنى روحي إلى معادلة اقتصادية ذات مجهول واحد: كم ستدفع لتثبت أنك ما زلت “داخل اللعبة”؟
السوق. من جهته. لا يتكلم كثيرًا. هو لا يشرح، لا يبرر. لا يعتذر. السوق فقط يضع الرقم… ثم يتراجع خطوة إلى الوراء ليرى رد الفعل. والخروف—بكل وقاره الصامت—يتحول إلى ناطق رسمي باسم هذا الصمت. لا يقول شيئًا، لكنه يقول كل شيء: “هذا هو الثمن… والباقي شأنكم.”

المشهد في الأسواق أقرب إلى مؤتمر دولي مصغر: مفاوضات حادة. عروض مضادة. انسحابات تكتيكية. وابتسامات دبلوماسية تخفي توترًا حقيقيًا. المواطن يدخل المعركة مدججًا بالأمل. ويخرج منها غالبًا بفاتورة. وفي لحظة الحسم، لا يعود السؤال: “هل السعر مناسب؟” بل يصبح: “هل يمكنني أن أرفض؟”
وهنا تكمن المفارقة. في اقتصاد طبيعي. الرفض جزء من التوازن. لكن في “اقتصاد العيد” الرفض رفاهية نادرة. لأن القرار لم يعد فرديًا بالكامل؟ إنه قرار اجتماعي. نفسي. وربما رمزي. الخروف لم يعد مجرد أضحية. بل صار شهادة غير مكتوبة: “نحن بخير.” حتى وإن لم يكن ذلك صحيحًا تمامًا.
الأسعار. كعادتها. لا ترتفع فجأة. بل ترتفع بطريقة ذكية، تدريجية. مدروسة. تبدأ كإشاعة، تتحول إلى احتمال، ثم تصبح واقعًا لا يقبل النقاش. وبين كل مرحلة وأخرى. تُقدَّم للمواطن جرعة تفسير: الأعلاف ارتفعت، النقل مكلف. الجفاف أثر. السوق الدولية مضطربة… قائمة طويلة من “العوامل” التي تبدو منطقية جدًا. لدرجة أنها تُقنعك بأن المشكلة حقيقية… لكنها لا تُقنع جيبك بأن الفاتورة أخف.
وهنا يظهر الفرق القاسي بين التفسير والحل. التفسير يشرح لك لماذا تدفع. الحل يجعلك تدفع أقل. وبين الاثنين، يضيع المواطن في منطقة رمادية: يفهم كل شيء… ولا يستفيد من شيء.
ثم نصل إلى المسرحية الكبرى: البحث عن المسؤول. في كل موسم، يُفتح النقاش بنفس الحماس: من رفع الأسعار؟ الحكومة؟ الوسطاء؟ السوق؟ القدر؟ وكأننا نبحث عن “زر سحري” ضغطه أحدهم فارتفعت الأرقام. الحقيقة أقل درامية. وأكثر إزعاجًا: لا أحد يرفع السعر وحده… لكن الجميع يساهم في بقائه مرتفعًا.
الوسطاء، مثلًا. ليسوا أشباحًا. هم جزء من السلسلة. لكن عندما تتكاثر الحلقات دون رقابة فعالة، يتحول الهامش إلى كرة ثلج. كل يد تضيف قليلًا… حتى يصبح القليل كثيرًا. وفي النهاية، لا أحد يعترف بأنه السبب، لكن الجميع يستفيد—إلا المستهلك.
والأكثر إثارة للسخرية أن السوق لا يبيع فقط الخروف. السوق يبيع الوقت. كلما اقترب العيد، ارتفع التوتر. وارتفعت معه الأسعار. لأن المستهلك، ببساطة. لم يعد يملك ترف الانتظار. وهكذا، يصبح “الخوف من فوات الوقت” جزءًا من التكلفة.
ومع تكرار المشهد سنة بعد أخرى. يتعلم المواطن مهارة جديدة: الاستسلام التدريجي. يبدأ بالرفض، ينتقل إلى النقاش. ثم إلى المقارنة. ثم إلى التبرير… وفي النهاية. إلى الدفع. ليس لأنه مقتنع، بل لأنه محاصر. وهذا النوع من الاستسلام خطير. لأنه لا يغير السوق… بل يشجعه.
في المقابل، الخطاب الرسمي لا يغيب. كلمات كبيرة تُقال في الوقت المناسب: حماية القدرة الشرائية. ضبط السوق. محاربة المضاربة. عبارات صحيحة. لكنها تعاني من مشكلة واحدة: أثرها لا يُقاس في السوق. بل في البيانات. والمواطن لا يقرأ البيانات وهو يدفع.
المفارقة المؤلمة أن السوق يبدو وكأنه يتعلم من الماضي، بينما السياسات تبدو وكأنها تبدأ من الصفر كل سنة. نفس السيناريو، نفس الأعذار، نفس النتيجة. وكأن الغلاء ليس أزمة طارئة، بل تقليد موسمي.
في النهاية. لا يبقى سوى السؤال الذي لا يجد إجابة واضحة: هل نحن أمام ارتفاع أسعار… أم أمام نموذج اقتصادي تعود على اختبار صبر الناس؟ وهل العيد مناسبة دينية تُحيي القيم… أم مناسبة اقتصادية تُعيد توزيع الضغط؟
الجواب لا يُكتب في المقالات. ولا يُعلن في المؤتمرات. الجواب يُقاس في لحظة صامتة داخل البيت، حين ينظر رب الأسرة إلى الفاتورة… ثم إلى بقية الشهر.

Views: 6

الاخبار العاجلة