“المرأة التي رممت شظايا رجل الأيام والليالي بدونها “الجزء الأول “الفصل الخامس “- المجلس الأعلى والأنا الأعلى فالأدنى- للكاتب والصحفي الكبير عزوز شخمان

جسر التواصل23 يناير 2022آخر تحديث :
“المرأة التي رممت شظايا رجل الأيام والليالي بدونها “الجزء الأول “الفصل الخامس “- المجلس الأعلى والأنا الأعلى فالأدنى- للكاتب والصحفي الكبير عزوز شخمان

جسر التواصل : خص الكاتب والصحفي الكبير عزوز شخمان جسر التواصل بروايته العميقة ” المرأة التي رممت شظايا رجل الأيام والليالي بدونها” وجسر التواصل اذ تقدمها للقارئ فانها تقدم عملا روائيا متميزا للاستاذ عزوز شخمان الذي قضى سنوات طويلة في العمل الصحفي ما بين صحافة مكتوبة ومسموعة وكان له حضور بارز في الاعلام الرياضي المغربي والعربي …

عزوز شخمان

                                                                 حقوق الملكية الفكرية

جميع الحقوق محفوظة للمؤلف، ولا يجوز استخدام أو تبادل هذا الكتاب جزئياً أو كلياً بطريقة غير شرعية سواء من خلال إتاحته للتحميل على مواقع الويب أو تبادله عبر رسائل البريد الإلكتروني، كما لا يجوز نسخ جزء من النص بدون إذن خطي مسبق الكاتب أو الناشر.

                                                                 الفصل الخامس

                                                               (15)

الليلة الثالثة: أفقت في حدود الظهيرة وقمت بإعداد وجبة فطور مستعينا بالكعك والحلويات التي كانت قد أعدتها لي قبل السفر. وماذا بعد ملء المعدة سوى طناطن الرؤوس? لا أدري كيف بدا لي البيت فسيحا وفارغا رغم ضيق مساحته؟ كانت هي من تملأ جنباته وتؤثث تفاصيله بحركيتها الدؤوبة. أما اليوم فلم يبق برفقتي حتى طيفها. ولا غرابة إن غادر معها. قلت محدثا من حولي، فجاءني الرد صاعقا من حيث لا أدري:
ألا يمكن أن يكون الطيف هو الوجه الآخر للقرين؟
التفت حولي باحثا عن صاحب السؤال فلم أجد أحدا غيري. أدركت على الفور أنني بصدد الدخول في لعبة من تلك الألعاب الخطيرة التي يتورط فيها المرء أحيانا عندما يكون منفردا مع نفسه وبعيدا عن ضجة الآخرين. يكون نهبا لمشاعر متناقضة من الوحدة والغربة والتشويش.
ومن قال أنك لوحدك؟
مرة ثانية باغتني السؤال ودون اللجوء الى التخمين دون طائل اتجهت هذه المرة نحن مصدر كل المخاطر، ألا وهو مهمه الجوف هنالك حيث تلتقي العوالم بدون حدود ولا معايير أو جمارك.
لم يكن السؤالان بتلك البراءة المزعومة خصوصا أنني بدأت في استرجاع مشاهد حلم عشته بالأمس، وطالما تكرر في مناسبات عدة، بصيغ مختلفة ومتقاربة. وأنا هنا لست بصدد سرد الوقائع التي تتجاوز صفتها الحلمية. بل سأحاول التوغل في زمكانيته المستعصية. هل عثرت حقا على منفذ ما لذلك العالم الموازي الذي تؤثثه مجاهل الماورائيات والغيبيات؟ ألست من بادر بحجب كل المرايا التي تسكن البيت؟ فهل كانت مبادرتي بدون جدوى؟ فلم تمنع أشباحه وظلاله من محاولة العبث معي؟ أم لعلي أنا من تسلل الى ذلك العالم الغامض يعيا الى فك ألغاز ما فتئت تؤرقني؟ إنني من الصنف المتساكن مع مختلف الكينونات والكائنات فلا عجب أن وجدت نفسي منخرطا في ذات الحلم بشخصيتين منفصلتين. واحدة متساكنة والأخرى متشاجرة. معضلتي الوجودية لم تكن يوما مع الكائنات الموازية سواء كانت من الجن أو البن أو الخن بقدر ما كانت مع الإنس. ولم تكن مشاكساتي الخيالية والفلسفية مع الأطياف، بل مع الظلال. وظلي واحد منها. لكنه ثقيل. وأثقل ما فيه وقاحته. لذلك لن يون غريبا إذا ما تبين لي لاحقا أنه كان وراء السؤالين المستفزين. ولطالما تسربت الى نفسي شكوك بأن ظلي كائن يحلم بالانشقاق. كنت مرة أصدق نفسي وظنونها ومرة أخرى أكذبها. وقد تكون نفسي هي السائلة والمسؤولة لأنها هي الأخرى لها مقالبها وتقلباتها. ويمكن أن تحيك لي المكائد دون ان يرف لها جفن. لهذا أميل أحيانا الى تجاهل مناجاتها وهواجسها الى موعد غير مسمى الى أن تفاجئني الجلسات الاستثنائية التي كانت تحتضنها أحلامي (مثل حلم الأمس)، ويتم فيها استدعاء مختلف التيارات والفصائل والكينونات المتنازعة التي تضج داخلي، والتي كانت أعدادها تتزايد ومنازعاتها تتفاقم مع توالي السنين. وهنا لا بأس من الحديث عن بعض ما دار في الحلم أو الجلسة إياها التي تمت على شاكلة المؤتمرات العربية والافروآسيوية، وكذا مؤتمرات الأمم (المتحدة على غيرها من الأمم غير المتحدة). جرت الاجتماعات (داخل الحلم طبعا) في قاعة ضخمة وفخمة. وكم كانت دهشتي عظيمة وأنا الاحظ أن كل مكوناتي كانت حاضرة وتملأ كل الارجاء. لقد كنت موزعا أو مشتتا على مقاعد السامعين المطأطئين، وفي نفس الوقت كنت أهيمن على منصة الخطابة، والى جانبي كانت تجلس كينونات أخرى تنتمي الي وأخرى مجهولة الهوية لكنها كانت تصفق بدورها مع المصفقين وتهتف لي مع المهللين، وبعدها تهتف وتصفر ضدي مع الساخطين والناقمين. لكن ما هالني أكثر عندما التفت صوب المنظمين وحراس الامن المخنزرين (مشتقة من خنزير) والمدججين بالأسلحة، كوني تعرفت على قسماتهم فإذا هي مثل قسماتي تماما كما يحدث في أفلام الماتريكس. كانوا هم أيضا جزء مني رغم انفصاله عني. لم أمنع نفسي من القول هامسا (عجبا وأين الحمير؟)، لكنني استدركت بسرعة لأنني كنت أنا من يلقي الكلمة الرئيسية وانا من يسمعها وأنا من يناقش وأنا من يعقب وأنا. وأنا.. كان جدول الأعمال مخصصا لنقطة فريدة وهي(الأمن) وكان الهدف محاربة مقوضي الأمن المتزايدين. وهؤلاء عادة ما يكونون مجهولون تماما حتى آخر لحظة حينما تكتشفهم فجأة وسائل الإعلام الحديثة جدا والنزيهة جدا جدا، بفضل عبقريتها المخابراتية العالية وتعدد مصادرها. ولأنني تعودت دائما (في أحلامي طبعا) على ترؤس الجلسات وحبك المؤامرات ووضع الخطط (كما هو دأب الميكيافيليين) فقد كنت أعرف أيضا نهاية القصة. لكنني لم أكن قادرا على ضبط نهاية الحلم على هواي. ذلك كان أكبر من أن يطوله خيالي. علما أن النهايات غالبا ما تنتهي عند نفس المصب أو المكب. الحفاظ على الأمن الداخلي والخارجي والقومي والعشائري ثم الكوني. كان هوسي شديدا بكل ما يمت الى الأمن بصلة. وخلال تلك المراسيم الأممية يكون عقلي أو الجزء المتيقظ منه وما تبقى منه هو ذراعي الأيمن. كنا خمسة من نملك حق النقض وحق الاستباحة: حضرة الأنا الأعلى صاحب السيطرة والسيادة. وينوب عنه الجزء الصافي من المخيخ والصفاء هنا غالبا ما يكون افتراضيا وقد يعني ضده. أما العضو الثاني فهي النفس. وما أدراك ماهي. مائلة مميلة. كاسية عارية. متعددة. وفي افضل حالاتها تمثلها النفس اللوامة. لكن هذه الأخيرة تكون محاصرة بالنفس الأمارة (بالسوء). لقد كانت بينهما غيرة مزمنة وكراهية متبادلة كحال أشقاء آخر الزمان. ولم تكن النفس الأمارة مقبولة من طرف باقي الأعضاء نظرا لكثرة سوابقها. لكنها كانت تنجح دوما في زرع الشقاق بين بقية الأعضاء. وكما كانت الجلسات تفتتح عادة بمحاكمة سريعة لها فقد كانت تنتهي بتنبيهها وتوبيخها مع تكوين لجنة أو لجينة للتحقيق تتولى صياغة قرارات صارمة للردع. ثم يكون مصير تلك القرارات سلة المهملات، جريا على عادة ما هو معمول به في الديماغوجيات الحديثة العهد بالديموقراجية. أما العضو الثالث فلم سوى بالظل، صاحب الوقاحة. وهو أنشط وأخطر الأعضاء. أحيانا يتماهى مع الأنا الأعلى ويقلده في عجرفته وغطرسته. وأحيانا يظهر ويختفي مثل ثعلب محمد زفزاف. كان بمثابة الجوكر، حتى لو لم تعرف له هوية قارة، فليست له انتماءات وآراء سياسية أو إيديولوجية، بل وبدون خلفيات ايكولوجية أو انتربولوجية دقيقة. حتى تساءل البعض هل من الممكن أن يكون من الحركات الماسونية أو الشيطانية الخفية التي انتشرت كالفطر في عصر الانوار والأشرار؟ كان هذا أيضا هو رأي العضو الرابع: القرين. رغم أن هذا الأخير يعتبر الأغرب والأشد غموضا من بين الآخرين. كان لقبه الحركي “الميتا” نظرا لتخصصه بعالم الماورائيات أو الميتافيزيقا. وعكس ما قد يتبادر الى الأذهان فإن الميتا كائن أليف بالسليقة مثله مثل سائر القطط والفئران والصراصير، عيبه الوحيد تنقله المتهور بين العوالم المتوازية وخواطره المجنونة التي يتفنن في إرسالها ليلتقطها غيره من المعتوهين بنشوة غامرة. هذا جزء يسير من حلمي الغريب الذي استغرق أمس ما بين الفجر والظهيرة ولم تتهيأ لي الجرأة الكافية بعد لسرده بالكامل.

يتبع 

Views: 17

الاخبار العاجلة