شعر ورواية

قلب الأم لا يكذب ….

بقلم :الصديق _الأيسري_المغرب

قلب الأم لايكذب

ککل يوم أحد ينتظرها بشغف، وهو الذي يعاني من العزلة الممنهجة، بين أربعة جدران لغرفة ضيقة ينزوي باسل في ركن مفترشا حصيرا رثا على أرضية من الإسمنت البارد،يسهر الليلة وهو يتمعن رسوماته على جدران غرفته السجنية وهو المحكوم عليه بالمؤبد، يتفكر كل الذكريات عبر لوحة جدارية رسمها ببقايا الطعام تجسد مراحل حياته البطولية وصورة أمه التى أحبها حد الجنون، فهي التي جعلته يحب الوطن حتى النخاع وزرعت فيه بذور الوفاء لتربة حملته لسنين بدون أن تشتكي ثقل خطواته.
كست التجاعيد وجهه الجميل، وابيضت خصلات شعره شيبا، وتساقطت من مقدمة رأسه تاركة فراغا على فروة شعره، بعد قضاء مدة عشر سنوات سجنا فقد تقوس ظهره وقصرت قامته وضعف بصره بفعل قساوة العيش من التعذيب وعدم المشي ورؤية الشمس إلا لماما.
أشرقت شمس الصباح فنداه حارس السجن باقتراب موعد الزيارة، فهي ربما الفترة الوحيدة التي يغادر عتبة خليته فالأكل وقضاء حاجياته الطبيعية من البراز والبول تتم داخليا حيث لا يمكن لإنسان عاد أن يتحمل رائحة الغرفة الكريهة، ولمغادرتها يستبق الأحداث بتداعيه للمرض والإغماء حيث ينقلوه للمستشفى العسكري وهناك يقضي لحظات ممتعة بين يدي ممرضة كانت أحبته كثيرا بعد أن عرفت قصة نضاله البطولي وبسالتة الشامخة، وحكى لها كيف فجر ثكنة عسكرية للمستعمر وقتل أكثر من مئة نفر من عسكريين من مختلف الرتب وخونة للوطن في اجتماعهم قصد فرض السيطرة على خيرات الوطن وفرملة المقاومة الوطنية وجعل البلد يعيش في فوضى بين الفقراء والاغنياء.
موعد الزيارة وصل فشرب جرعة ماء وغسل وجهه وحاول أن يخلق الإبتسامة والسعادة على وجهه الذي تغيرت ملامحه الجمالية بشكل مدهش، كبل الحارس يديه ورجليه بأغلال ثقيلة تماشيا مع قوانين السجن رغم أن جسمه النحيل لا يقوى على تحمل الصعاب بكثرة التعذيب وللظروف المزرية التي يعيش وسطها، يمشي بخطوات ثقيلة وبحركات بطيئة للقاء أعز إنسانة أحبها حبا جما، في غرفة الإستقبال وجد إمرأة تحمل بين يديها سلة الزيارة وهي تنتظره بقلب مكلوم وشوق محموم، اقترب عندها فدمعت عيناه وجثا على ركبتيه وهو يعانقها بحرارة يشم رائحة الذكريات وعبير السنوات الماضية انحنى أرضا فأخذ يقبل اخمص قدميها ويقول بصوت عال مذبذب بفعل الهون وكبر العمر، يقبل قدميها بقوة وبمحبة مفرطة قائلا بجهر: ” الجنة تحت أقدام الأمهات … الجنة تحت أقدام الأمهات ”
ناولته أمه سلة الزيارة وهي تحكي له عن محتواها :” لقد أعددت لك بيدي حلوتك المفضلة التى كنت أعطيها لك كل ما أظهرت تفوقك على الأنذال والخونة حتى سميناها بين عموم الوطنيين حلوى المقاومة، فهي على شكل تاج ذهبية اللون”، أحبته أمه كثيرا فبدأت تمس وجهه وجسده وهي تردد كما العادة عند كل زيارة ” كم أنت جميل ياحبيبي وقوي البنية وعينيك ينبعث منها نور رباني ووجهك ناصع البياض إشراقا ووجنتيك وردية كجنان الحسن، فالأهل كلهم يتمتعون بصحة وعافية ”
تمالكته السعادة واجتاحته الفرحة وغمره السرور وهو يستمع إلى كلام أمه الحنون كأغنية شجية من زمان اللحن والطرب الجميل، بصوت مرتفع أعلن الحارس عن نهاية الزيارة الأسبوعية القصيرة، فقبل جبين أمه بحرارة وشكرها على الزيارة متمنيا لها دوام الصحة والعافية، فغادر غرفة الإستقبال وبصره معلقا على رؤية أمه حتى ابتعد في اتجاه خليته السجنية.
بعد مغادرة الإبن المسجون غرفة الإستقبال ناول حارس السجن للأم عكازها ونظراتها السوداء، فهي المكلومة قد فقدت بصرها لكثرة البكاء على سجن ابنها وما حل به من هلاك وهوان، فعند كل زيارة تحب أن تعطي له الطاقة الإيجابية عن ذكر محاسنه وجماله رغم أنها لا تراه بل تبصره بقلبها وقلب الأم لايكذب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى