
بدر شاشا

نعيش اليوم في ظل ثورة رقمية متسارعة فرضت الهواتف الذكية ومنصات التواصل الاجتماعي كواقع لا مفر منه، لكنها تحولت تدريجياً من أدوات للتواصل والتقارب إلى شاشات تصنع هويات بديلة وتسوق لوهم يهدد البنية الأساسية للمجتمع. لقد تجاوز هذا التأثير مجرد قضاء ساعات خلف الشاشات، ليمس بعمق دفء الأسرة، ومنظومة القيم، والنفسية الهشة للشباب والمراهقين.
على مستوى الأسرة والعائلة، تحول البيت من فضاء للحوار والتفاعل الإنساني الحي إلى جزر معزولة تحت سقف واحد؛ وهو ما يُعرف بـ “العزلة الاجتماعية المشتركة”. غاب الإنصات وحلت محله “الخرسة الرقمية”، حيث يغرق كل أفراد الأسرة في عوالمهم الافتراضية، مما أضعف الروابط العائلية، وتسبب في جفاء عاطفي، وتراجع في نقل القيم والخبرات بين الأجيال، بل وارتفاع نسب الخلافات الزوجية بسبب المقارنات الدائمة والمظاهر الزائفة.
أما بالنسبة للشباب والمراهقين، فإن الخطر يبدو أكثر فداحة، حيث يعيش هؤلاء تحت وطأة “وهم الكمال” والخدع التسويقية التي تروجها منصات مثل إنستغرام وتيك توك. يُسوق للشباب نمط حياة مثالي مزيف يعتمد على الاستهلاك المفرط، والثراء السريع بلا مجهود، والجمال المصطنع بالفلاتر وعمليات التجميل. هذا الخداع المستمر خلق لدى المراهقين حالة من عدم الرضا المزمن عن الذات، وضعف الثقة بالنفس، والإصابة بـ “هوس الشهرة والمتابعات” التي أصبحت معياراً وحيداً للقيمة والنجاح.
تتفرع عن هذا الإدمان الرقمي أضرار ومشاكل نفسية وجسدية بليغة؛ فالتعرض المستمر للشاشات يضرب جودة النوم، ويشتت الانتباه والتركيز، ويضعف التحصيل الدراسي. والأخطر من ذلك هو تزايد معدلات الاكتئاب والقلق المرضي والشعور بالوحدة، فضلاً عن تعرض الكثيرين لجرائم الابتزاز الإلكتروني، والتحرش الرقمي، والانجراف وراء تحديات خطيرة تهدد سلامتهم الجسدية من أجل حصد “الإعجابات”.
إن مواجهة هذا الزحف الرقمي تتطلب وعياً جماعياً يبدأ من الأسرة عبر وضع حدود صارمة لاستخدام الهواتف، وإحياء طقوس الحوار واللقاءات الدافئة، ونشر ثقافة “الترشيد الرقمي”. يجب تعليم الشباب كيفية تفكيك الخطاب الافتراضي، والتمييز بين الواقع والوهم المسوّق، واستعادة القيم الأصيلة القائمة على الجهد الحقيقي، والروابط الإنسانية الصادقة، وحماية العقل من الاستلاب خلف شاشات صُممت أساساً لأسر الانتباه وتحقيق الأرباح على حساب تماسكنا القيمي والاجتماعي.
Views: 26







