عبد العزيز الخطابي

إلى السيد عز الدين الميداوي. وزير التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار بالمملكة المغربية.
تحية تقدير واحترام،
ليست الجامعة جدرانًا تُشيَّد. ولا مدرّجاتٍ تُملأ. ولا شهاداتٍ تُوزَّع عند نهاية المسار؟ إنّها. في جوهرها العميق. ضميرُ المجتمع حين يفكّر. وذاكرته حين تتعلّم. وأفقه حين يبحث عن مستقبلٍ يتجاوز به حدود واقعه. وإذا كان التعليم حقًّا من حقوق الإنسان. فإنّ العلم. في أسمى معانيه. أمانةٌ أخلاقية لا تكتمل قيمتها إلا حين تتحوّل إلى معرفة نافعة. وعدالة ممكنة. وكرامة مصونة.

ومن هذا المنطلق. أكتب إليكم هذه الرسالة المفتوحة. لا من موقع الخصومة. ولا رغبةً في إصدار الأحكام. بل من موقع المواطن الذي يرى في الجامعة المغربية قضيةً تتجاوز المؤسسات والميزانيات والإجراءات؟ لأنّها تتصل بالسؤال الأكبر: أيُّ إنسان نريد أن نصنع؟ وأيُّ مجتمع نريد أن نبني؟ وأيُّ مستقبل يمكن أن نمنحه لأجيالٍ لا تطلب من وطنها امتيازًا. بقدر ما تطلب فرصةً عادلة لتُظهر ما تختزنه من طاقات؟
لقد جعل صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله. من إصلاح التعليم وتأهيل الرأسمال البشري وتطوير البحث العلمي رهاناتٍ أساسية في مسار التنمية الوطنية. وهي اختيارات تحمل دلالة واضحة: فلا نهضة اقتصادية تستقيم دون عقلٍ مؤهّل. ولا تنمية مستدامة تتحقق دون معرفةٍ منتجة. ولا دولة حديثة تبلغ غاياتها إذا ظلّ العلم بعيدًا عن حاجات المجتمع وتطلعات شبابه.
غير أنّ الإصلاح الحقيقي لا يُقاس بجمال الخطاب وحده. بل بقدرته على ملامسة الواقع. وبما يتركه من أثرٍ في حياة الطالب والأستاذ والباحث. وفي علاقة الجامعة بسوق الشغل وبقضايا الوطن. فبين الطموح المعلن والتجربة اليومية مسافةٌ لا يختصرها قرار إداري. ولا تسدّها الشعارات. إنما يردمها التخطيط الرشيد. والإنصات الصادق. والتقييم الشفاف. والمحاسبة المسؤولة.
ومن أكثر الأسئلة إلحاحًا سؤالُ الهدر الجامعي. وما يترتب عليه من خسارةٍ للطاقات والآمال والموارد. فقد أورد تقرير رسمي منشور بالجريدة الرسمية سنة 2023، استنادًا إلى معطيات سنة 2019. نسبةً تقارب 16.4% للهدر في التعليم العالي الجامعي. وهذه النسبة. مع ضرورة الانتباه إلى تاريخ المعطيات وعدم التعامل معها بوصفها وصفًا دقيقًا للوضع الراهن. تضع أمامنا سؤالًا لا يجوز أن يظلّ حبيس الجداول: كم من مشروع إنساني يتعثّر قبل أن يبلغ غايته؟ وكم من عقلٍ كان يمكن أن يضيف إلى الوطن معرفةً وابتكارًا. لكنه وجد نفسه خارج المسار؟
إنّ الطالب الذي يغادر الجامعة قبل إتمام تكوينه ليس رقمًا في تقرير. بل حكايةٌ تستحق الفهم. وظروفٌ تستحق التشخيص. وإمكاناتٌ قد تضيع إن لم نبحث عن أسباب التعثّر بجرأة. فهل تكفي زيادة المقاعد إذا لم تُواكبها جودة التأطير؟ وهل يكفي تحديث البرامج إذا لم تُربط بواقع المجتمع وتحولاته؟ وهل يصبح التعليم منصفًا لمجرد أنّ أبوابه مفتوحة. إذا كانت ظروف الاستمرار فيه لا تتكافأ بين الطلبة؟
إنّ العدالة التعليمية لا تعني أن نسمح للجميع بالدخول فحسب، بل أن نهيّئ لهم شروطًا معقولة للاستمرار والنجاح. وهي تقتضي معالجة الاكتظاظ. وتطوير التوجيه. ودعم الطلبة الذين يواجهون صعوبات اجتماعية أو أكاديمية، وإعادة النظر في المسارات التي تُنتج الانتظار أكثر مما تفتح آفاق الاندماج. فالجامعة التي لا تصغي إلى أسباب التعثّر. قد تتحوّل. من حيث لا تريد. إلى مؤسسةٍ تعيد إنتاج الفوارق بدل أن تساعد على تجاوزها.
أما البحث العلمي. فهو ليس زينةً تُضاف إلى صورة الجامعة. ولا ترفًا يمكن تأجيله إلى حين اكتمال بقية الأوراش؟ بل هو أحد الشروط الأساسية لاستقلال القرار. وخلق الثروة. ومواجهة التحديات الصحية والبيئية والاقتصادية والتكنولوجية. وقد أُعلن سنة 2025 عن البرنامج الوطني للبحث والتطوير والابتكار للفترة 2025–2028، بميزانية إجمالية معلنة تبلغ مليار درهم، بتمويل مشترك بين الوزارة ومجموعة المكتب الشريف للفوسفاط. وهي خطوة تستحق التثمين. غير أنّ قيمة التمويل لا تُقاس بحجمه وحده. بل بوضوح أولوياته. وعدالة توزيع فرصه. وشفافية صرفه. والأثر العلمي والاجتماعي الذي يتركه.
فالمختبر لا ينهض بالميزانية وحدها. كما لا ينهض الباحث بالانتظار. إنّه يحتاج إلى الاستقرار. وحرية السؤال. وتيسير الوصول إلى التجهيزات والمراجع. وتقليص العراقيل الإدارية. وتوفير مسارات مهنية تحفظ كرامة الكفاءة. ويحتاج، قبل ذلك وبعده. إلى ثقافةٍ تعترف بأنّ البحث الحقيقي يبدأ من الحق في التساؤل. وأنّ الجامعة لا تؤدي رسالتها حين تُكافئ تكرار المألوف فحسب. بل حين تمنح العقل مساحةً لاكتشاف ما لم يُكتشف بعد.
وهنا تتجلّى الفكرة التي أودّ أن أضعها في قلب هذه الرسالة: زكاة العلم. فإذا كانت الزكاة في معناها الأخلاقي تطهيرًا لما نملك وإسهامًا في خير الآخرين. فإنّ زكاة العلم هي أن نُخرج المعرفة من حدود الامتلاك الفردي إلى فضاء المنفعة العامة؟ أن يصبح ما يتعلّمه الأستاذ والباحث والطالب سبيلًا إلى حلّ مشكلة. أو تحسين خدمة. أو تنمية وعي. أو فتح أفقٍ أمام إنسانٍ لم تتح له الفرصة نفسها.
وزكاة العلم ليست انتقاصًا من حقّ الباحث في التقدير أو من حقّ الأستاذ في الإنصاف. بل هي تأكيدٌ على أنّ قيمة المعرفة تزداد حين تُثمر. وأنّ المجد الأكاديمي لا ينبغي أن ينفصل عن المسؤولية المجتمعية. فالعلم الذي لا يجد طريقه إلى المدرسة والمستشفى والمصنع والفلاحة والإدارة والفضاء الثقافي. يظلّ ناقص الصلة بالحياة؟ والجامعة التي تنغلق على ذاتها. مهما ارتفع رصيدها من الشهادات والمنشورات. تخاطر بأن تفقد جزءًا من رسالتها.
ومن هنا تبرز ضرورة بناء جسور حقيقية بين الجامعة ومحيطها. لا على أساس تحويل المعرفة إلى سلعةٍ فحسب. بل على أساس شراكةٍ تحفظ استقلال البحث وتجعله في الوقت نفسه أكثر اتصالًا بحاجات الناس. نحتاج إلى تشجيع الابتكار. وإلى نقل نتائج البحث إلى ميادين التطبيق. وإلى تقييم البرامج الجامعية وفق قدرتها على تنمية التفكير النقدي والمهارات. لا وفق عدد الخريجين وحده. ونحتاج كذلك إلى الاعتراف بالتخصصات الإنسانية والاجتماعية؟ لأنها تمنحنا القدرة على فهم الإنسان. وقراءة التحولات. ومساءلة معنى التقدم نفسه.
وفي زمن التحول الرقمي. لم تعد رقمنة الجامعة خيارًا تقنيًا محدودًا. بل أصبحت اختبارًا لمدى قدرتها على جعل الإدارة أكثر شفافيةً وفعاليةً وإنصافًا. غير أنّ الرقمنة الحقيقية لا تعني نقل التعقيد من الورق إلى الشاشة. بل تعني تبسيط المساطر. وتوحيد الخدمات. وحماية المعطيات. وتيسير الولوج إلى المعلومة. وتقليص المسافة بين الطالب والإدارة. فالتكنولوجيا التي لا تخفّف عن الإنسان أعباءه. قد تتحوّل إلى واجهة حديثة لمشكلات قديمة.
أما التصنيفات الدولية. على أهميتها في بعض جوانب المقارنة والتقييم. فلا ينبغي أن تتحوّل إلى غايةٍ مستقلة عن رسالة الجامعة. فليس النجاح الحقيقي أن نحتلّ مرتبةً أعلى في جدول عالمي فحسب. بل أن نرفع جودة التكوين. ونوسّع أفق البحث. ونحفظ كرامة الأستاذ والطالب. ونمنح المجتمع معرفةً أكثر نفعًا. إنّ ترتيب الجامعة في العالم يظلّ مهمًّا. لكن ترتيبها في سلّم العدالة. وفي خدمة الإنسان. وفي إنتاج الحلول لمشكلات الوطن. لا يقلّ أهميةً عنه.
السيد الوزير-
إنّ المسؤولية الملقاة على عاتق وزارتكم لا تتعلّق بتدبير قطاعٍ إداري فحسب. بل برعاية أحد أهم منابع المستقبل المغربي. ومن ثمّ، فإنّ المرحلة تحتاج إلى إصلاحٍ يُصغي إلى الميدان. ويستند إلى بيانات حديثة قابلة للتحقق. ويُشرك الأساتذة والباحثين والطلبة ومختلف الفاعلين. ويُعلن بوضوح ما تحقق وما تعثّر وما يحتاج إلى مراجعة. كما تحتاج إلى حوارٍ عمومي لا يخشى الأسئلة الصعبة. لأنّ الاعتراف بالمشكلة ليس ضعفًا في المؤسسة. بل هو أول شروط قدرتها على تجاوزها.
ولعلّ من المفيد أن تكون هناك مؤشرات سنوية واضحة. ومعلنة للعموم. تتناول الهدر الجامعي. وجودة التكوين. وظروف البحث. وفرص الإدماج المهني. ونجاعة الإنفاق. ومدى استفادة المجتمع من نتائج البحث العلمي. فالمواطن لا يحتاج إلى أن يسمع أنّ الإصلاح جارٍ فحسب؟ بل يحتاج إلى أن يرى أثره. وأن يفهم كيف تُحدَّد الأولويات. وكيف تُقاس النتائج. وكيف تُصحّح الاختلالات.
إنّ الجامعة التي نطمح إليها ليست جامعةً بلا مشكلات. فكل مؤسسةٍ حيّة تواجه التحديات. بل جامعةٌ تمتلك الشجاعة الفكرية لتشخيص مشكلاتها. والقدرة المؤسسية لمعالجتها. والتواضع المعرفي لمراجعة اختياراتها حين تكشف التجربة عن حدودها. فالاعتراف بالنقص لا يهدم الهيبة؟ إنما يمنحها أساسًا أكثر رسوخًا. لأنّ الهيبة الحقيقية لا تنبع من الصمت عن الأخطاء. بل من القدرة على إصلاحها.
وفي نهاية المطاف. يبقى السؤال الفلسفي الذي ينبغي أن يرافق كل سياسة تعليمية: ما قيمة أن نُخرّج حاملًا لشهادةٍ إذا لم نساعده على امتلاك أدوات التفكير؟ وما معنى أن نراكم المعرفة إذا لم نوسّع بها مجال الحرية والمسؤولية؟ وما جدوى أن نتحدث عن اقتصاد المعرفة إذا ظلّ الإنسان. منتج المعرفة وحاملها وغايتها. في آخر سلم الاهتمام؟
إنّ زكاة العلم ليست عبارةً بلاغية تُقال في المناسبات. بل عهدٌ بين المعرفة والضمير. وبين الجامعة والمجتمع. وبين حاضرٍ يختبر اختياراته ومستقبلٍ ينتظر ثمارها. وهي دعوةٌ إلى أن نجعل من العلم قوةً للتحرّر من الجهل. ومن البحث سبيلًا إلى الابتكار. ومن الجامعة فضاءً تُصان فيه كرامة العقل ويُفتح فيه الباب أمام الأمل.
أكتب إليكم هذه الكلمات إيمانًا بأنّ النقد المسؤول ليس نقيض الوفاء للوطن. وأنّ السؤال الصريح قد يكون أصدق أشكال المشاركة في بنائه. فالأوطان لا تنهض بإسكات الأسئلة. بل بتحويلها إلى معرفة. ولا تتقدّم بتقديس المؤسسات بل بتمكينها من أداء رسالتها؟ ولا تضمن مستقبلها بتخريج الأجيال وحده. بل بمنح تلك الأجيال القدرة على الفهم والإبداع والمبادرة.
وتفضلوا. السيد الوزير. بقبول فائق التقدير والاحترام.
صدر عن مواطن مغربي يؤمن بأنّ العلم أمانة. وأنّ المعرفة مسؤولية. وأنّ نهضة الأوطان تبدأ حين يصبح العقل حرًّا. والجامعة منصفة. والعلم نافعًا للجميع.























