شيخ العيطة الحسين السطاتي

الموسيقى: (الفصل الثاني):
لا تذهب إلى قبرك وأنت تحمل بداخلك أفضل ما لديك، اختر دائما أن تموت فارغا.
تود هنري
كانت بيئتنا في الدوار بالبادية تصنع ثقافتها بنفسها، كانت المنطقة تعرف حالة تواصل ثقافي تلقائي، وكانت الشاعرية تحيط بالإنسان القروي من كل جانب، غناء وشعر ورقص ونكتة.. وذلك خلال المواسم الفلاحية (في الفدان، موسم الحرث، موسم الربيع، موسم الحصاد، موسم جني الزيتون، داخل الجنان، خلال عملية درس المحصول..)، كانت الأهازيج، والبراويل، وأغاني العيطة، والأغاني الشعبية في كل مكان، كانت تقام أحيانا عروضا مسرحية حية في العواء الطلق ليلا بساحة أمام باب منزلنا، من طرف فرق غنائية ” أولاد احمر، أولاد الحوز، مجموعة شيخات..”،، حيث كانوا يعرفون مسبقا أن أبي فنان”عبيد الرمى” ويحب الفنانين، يوفر لهم الوجبات الغذائية ويكرمهم.. كانت تأتي فرق عبيدات الرمى احمر، وعبيدات الرمى الغرب، و”ربايع الشيخات”، حينما يكون الفصل صيفا متمرا زاهرا بالمحاصيل الزراعية “العام زين”، يغنون ويرقصون ويؤدون سكيتشات هزلية، وأحيانا يكون ضمن المجموعة الغنائية رجالا يرتدون زي نسائي خلال عملهم الفني يمثلن دور المرأة ويرقصن على نغمات المزمار والطعارج والطبل والبندير والكمنجة.. وكنت أحب هذه العروض الفنية وأستمتع بها، رفقة الجمهور الصغير من دوارنا ومن بعض الدواوير المجاورة، أما النساء فكن يجلسن منعزلات عن الرجال غير بعيدات عن مكان ، وكان الكل يستمتع بالفرجة الفنية.
أتذكر جيدا آلتي الموسيقية الأولى “كمنجة الطارو”، التي صنعتها بيدي، حيث كنت حينها تقريبا في العاشرة من عمري، حتى ولو رغبت في نسيان تلك الآلة وذلك العزف، فلن أفلح في مسح جميع الذكريات المرتبطة بها وبذلك العزف الطفولي الذي عزفته عليها، كما أن آلتي الأولى تذكرني بمجموعة من الأماكن بالبادية ومجموعة من الأشخاص، كنت في الأول أطلب من الرعاة إعارتي آلاتهم الموسيقية وأعيدها لهم، كما كان بعضهم يصنع لي آلة موسيقية صغيرة الحجم، وكنت صغيرا لما عقدت العزم على صنع آلتي الأولى بنفسي، لقد اعتمدت على خشبة وإناء قصديري مبيد للحشرات حجم كبير” فليطوكس”، حيث تطلب مني البحث عن المواد تقريبا مدة أسبوع، فجلبت الأوتار من مركز القرية “أولاد عبو” من أمام مرآب مصلح الدراجات الهوائية وهي “فرامل”، وفيما يتعلق بالقوس صنعته من قضيب شجر الزيتون وشديته بخصلات شعر ذيل الحصان، كانت بالنسبة إلي آلة موسيقية رائعة وجميلة، جمالها يتجلى في بساطة الأشياء التي صنعت منها، كنت فرحا كثيرا وأنا أصنعها كما أنني أتذكر أن أطفال الدوار كانوا يجلسون حولي وأنا منهمك في صنعها. لم ولن أنساها ما حييت، كانت آلة موسيقية طفولية وجميلة وتفاصيلها راسخة في مخيلتي بما في ذلك أوصاف مبيد الحشرات، كنت صغيرا ولم أكن أدري قيمة الاحتفاظ بها إلا عندما كبرت ونضجت، ومن ذكرياتها الجميلة أن أمي، الله يرحمها ويسكنها فسيح جناته، عندما اكتشفت أنني أعزف عليها غضبت وكسرتها فوق رأسي، فأعدت إصلاحها من جديد، لتكتشفني مرة ثانية وثالثة ورابعة..وكانت رحمها الله وأسكنها فسيح جناته، كلما كسرت لي واحدة أعدت صناعة أخرى أحسن منها، إلى أن كبرت واشتريت آلة كمان حقيقية كما ذكرت من المسمى “حسن بزيويطة” من دوار المداحة.
صرت أحيي رفقة فنانين من المنطقة حفلات محلية بالدواوير المجاورة، وغالبيتها كنا نذهب إليها بالمجان فقط من أجل الفن ومن أجل أن ننعم بوجبة عشاء جيد من وجبات الأعراس (طاجين لحم بالبرقوق وكسكس وأحيانا السفة بالشعرية وسفة الروز والمشروبات الغازية “المونادا” والفواكه) وقليل من إكراميات الجمهور، حيت كنا لا نحدد أي ثمن مع صاحب العرس. كنا نقبل الدعوة على مضض،آه إنه الفقر وما يفعله بفنان البادية.
وأنا مازلت في بداية مراهقتي حيث كنت أدرس في المرحلة الإعدادية بالقسم الداخلي لإعدادية خالد بن الوليد بجمعة “أولاد عبو”، ارتبطت صورة الفنان الشعبي الأمازيغي “لمغاري ميلود” بذاكرتي حيث كانت صورته معلقة على واجهة دكان بائع الفواكه الجافة (مول الزريعة ) لحسن الملقب ب”جمي” والقادم من واحات زاكورة، كنت أستبدل عنده القصص والمجلات بمبلغ درهم واحد، وكانت الصورة توضح الفنان “لمغاري ميلود” في صورة رومانسية على شاطئ البحر وهو في عز شهرته الفنية، كنت ولازلت أعشق أغاني هذا الفنان رحمه الله وأسكنه فسيح جناته، وهو الذي كان يطربني وأثر في تكويني الموسيقي، وكان يحلو لي أن أركن بجانب الدكان أهرش حبات نبتة عباد الشمس “الزريعة” رفقة أصدقائي الداخليين، وأستمع إلى الأشرطة الغنائية التي يشغلها صاحب الدكان “مول الزريعة”، كل فئة منا تطلب منه عشاقها من الفنانين؛ هناك فئة كانت مهووسة بالفنان الجاميكي بوب مارليي، وفئة مفتونة بأغاني المجموعات ( ناس الغيوان وجيل جيلالة ولمشاهب ومسناوة ونجوم بوركَون وأهل التراث وأهل النشاط..)، وفئة أخرى كانت تحب الأغاني العربية الكلاسيكية ” أم كلتوم، واسمهان، ووردة الجزائرية، وفريد الأطرش، وصباح فخري، وناظم غزالي، وعبد الحليم..”، وفئة تطلب منه الأغاني الهندية وغيرها)، وفئتي المجنونة المفتونة بالفن الشعبي وفن الشيخات..
كنا نشتري درهم أو نصف درهم من زريعة عباد الشمس أو الكاكاو، ونقوم بتبديل رواية أو مجلة بدرهم واحد، ونقلب دماغ لحسن “جمي” صاحب الحانوت:
“وتا دير لينا شي كويسيطة ديال الشيخات”.
وكان يجيبنا دائما مستهزئا بلكنته الجنوبية:
-اهنتوما ايلاقريتو، جيو بصقو لي فوق راسي.
كنت حافظا بارعا ومتذوقا مهووسا وممسوسا بأغاني الشيخات والمجموعات الشعبية، وفي غفلة مني كانت تربة المتون العيطية تختمر سرا شيئا فشيئا في أعماق نفسي، إلى أن تغلغلت وتوغلت بدواخلي.
خلال صيف سنة 1989 كون أخي عبد القادر مجموعة غنائية بمدينة الدار البيضاء وبالضبط بحي سيدي معروف أولاد حدو، وسماها (مجموعة الغرة)، وتعني الكنز على غرار المجموعات الغنائية الغيوانية أمثال: “ناس الغيوان ومسناوة، والتكادة ولجواد، ونحوها..”، وقد التحقت به بمدينة الدار البيضاء خلال العطلة كي أساعده في مهنة الخياطة، وكان يكبرني بسبعة سنوات، حيث اشترى لي كمان من نوع “ألطو”، حمراء اللون، وصرت أساعده في الخياطة فأغزل له الحرير وأتبضع له السلع التي يحتاجها، وكنا نحيي الحفلات ولم يمضي إلا شهر حتى غير اسم المجموعة إلى اسم ( أوركسترا المحبوب ) ثم تلاها اسم “أوركسترا الأفراح الشعبية”، بعدها تعددت الأسماء مع فنانين آخرين: ( نجوم الشاوية، أوركسترا لقصارة، أوركستر ثلاثي سطات..)، وصرنا نحيي الحفلات والأعراس بكل من مدينة الدار البيضاء وسطات وأولاد عبو والنواحي، انظم إلينا “العربي” عازف القيتارة”، و المسمى “عبد الرحيم بلغازي” عازف الايقاع “لباتري، والمسمى”عزيز” عازف الأورك، و”عبد المجيد” عازف الدربكة، وكل من عبد القادر أخي، و”محمد اشطيطيحة ولحريزي العربي” عازفين على البنادر..وكانت ترافقنا أحينا ثلاثة أو أربعة شيخات وذلك حسب طلب الزبون صاحب الحفلة أو العرس، وقد دقت حلاوة الفن الشعبي داخل هذه المجموعة “أوركسترا الأفراح الشعبية” ومتعة المال وحب المعجبين..وصرت ألبس ملابس جديدة وصارت لدي دائما مبالغ مالية من الخياطة والفن، وكنت أعطي نصيبا من المال لأمي وأبي وأنفق منها خلال أوقات الدراسة، كما صارت لي علاقات غرامية مع بنات وشيخاتت وخاصة أنني كنت في أوج سن المراهقة، صرت أرتاد رفقة فنانين مقاهي جيدة بشارع فرنسا وبشارع أنفا وبساحة باب مراكش وسط مدينة الدار البيضاء، أحتسي القهوة بالمقهى وأتفرج على الحمام وسط النافورة، أقرأ الجرائد، وأراسل برامج إذاعية، وصرت أحلق وجهي مرة أو مرتين في اليوم إلى حد البرنزة، وأترك شعر رأسي طويلا منسدلا على كتفي وألمعه بالدهن، أغير بذلتي أحيانا مرتين في اليوم، أتعطر حتى صرت أحمل في جيبي قارورة صغيرة، أسهر على تلميع حذائي … ابن النوالة والدركـَ وعشير الفئران والخرفان يتأنق، يتحضر، يتطور، يخرج من جلد خشن ليدخل في جلد ناعم، ينسل من جلباب الراعي ليدخل في جلباب الفنان المتمدن المتحضر.
وخلال الأيام الدراسية حيث كنت أدرس بالمستوى الثانوي بالقسم الداخلي بمدينة برشيد،كنت أثناء عطلة الأسبوع، أعود إلى مدينة الدار البيضاء، أو أذهب إلى مدينة سطات وأعمل ضمن الأوركسترا أو “رباعة للشيخات”..
أتذكر جيدا أنه خلال صيف سنة 1991 بمناسبة انعقاد موسم الوالي الصالح “سيدي لغليمي”، توجهت إلى مدينة سطات بعدما سلمتني أمي ثلاثون درهما، حيث كنت مفلسا في تلك الأيام، وكان ثمن المركوب آنذاك عشرون درهما ذهابا وإيابا، تفرجت على عروض الفروسية التقليدية كوني شغوف ومولع بركوب الخيل، واستمتعت بمعروضات الموسم، وفي الليل توجهت إلى خيمة كانت بها مجموعة للشيخات برآسة الشيخ بوشعيب لبصير (عازف كمان كفيف ضرير)، وكان يعرفني من خلال نبرة صوتي، وقد عرفتني إحدى الشيخات وتسمى “الزوهرة” كنا نلقبها في دوارنا ” الشيخة فخيخة” حينما كانت تأتي رفقة مجموعة للشيخات المتنقلين بين الدواوير من أجل الفرجة، وكانت بدينة في الثلاثينات من العمر، وهي تعرف أنني أعزف الكمان وأغني كما تعرف أنني ابن الفنان “سي محمد العسكري” عازف البندير، فسلمت علي ورحبت بي، ودعتني لتناول وجبة العشاء، ثم قدمتني للشيخ رئيس المجموعة “سي بوشعيب لبصير” الذي أكد لها أنه يعرفني، وبمنتصف الليل أخذت منه الكمان وعزفت وغنيت رفقة الشيخات براويل وعيوط راقت الجمهور الكثيف الحاضر حتى مطلع الفجر، أتذكر أن السهرة كانت حامية وتفاعل الجمهور مع المجموعة المنشطة وكانت الاكراميات منه كثيرة، إذ سلمتني الشيخة “الزوهرة” مبلغ خمسون درهما، كنصيبي في المشاركة، وسمعهم الشيخ “سي بوشعيب لبصير” يتحدثون في الموضوع، فطلب منها أن تزيدني مبلغ خمسون درهما، وبالفعل تم ذلك، ليصير المبلغ مائة درهم وكنت في حاجة ماسة إلى هذا المبلغ، قضيت به جوا ممتعا بالموسم، وعدت بعد يومين إلى الدوار، ومنذ تلك السهرة أعجبت بالفنان الأعمى الشيخ “سي بوشعيب لبصير”، وصار صديقا لي أزوره بين الفنية والأخرى، وحتى لما صرت دركيا ضابطا للشرطة القضائية ظلت صداقتي معه مستمرة.
خلال صيف سنة 1992 كنت أتنقل بين المجموعات الموسيقية بين مدينة سطات والدار البيضاء وبرشيد وأولاد عبو، إضافة إلى مجموعة أخي الرسمية “أوركسترا الأفراح الشعبية”، وكنت ألقب في وسط الفنانين ب” الشيخ الحسين السطاتي”،لم يكن حينها هواتف محمولة، كان الهاتف الثابت فقط، وكنا نتواصل ونتراسل عبر أصحاب سيارات الأجرة.. وكان يسمح لي أخي عبد القادر بالعمل مع مجموعات غنائية أخرى من أجل كسب المزيد من التجربة والحصول على المال..وقد تعرفت على الشيخة “فتيحة السطاتية” بجوق الوردة سيدي معروف الأول بمدينة الدار البيضاء عند الحاج محمد صاحب محل لبيع وكراء الآلات الموسيقية، وهو الذي منحني لقب “الشيخ الحسين السطاتي”، وكانت في الثلاثينات من العمر، مطلقة، جميلة بيضاء البشرة عملت رفقتها مع الشيخات، وأقمنا سهرات بالعديد من مناطق الدار البيضاء منها؛ “حي السلامة، حي الادريسية، ودرب الكبير، وسيدي معروف أولاد حدو، وبوركَون، والعنق، وسيدي مسعود، وبوسكورة..”، ازداد مدخولي المادي وتعدد جمهوري لكنها كانت سبب مشاكلي مع أخي عبد القادر، إذ كان يريدني أن أبقى رفقته بالمجموعة، وكان يخاف علي أن أتزوجها حيث كانت تعزني كثيرا وتمدحني أمامه، وكانت كريمة معي وقد أوشى بذلك لأبي رحمه الله والذي أتى عندي بمحل الخياطة غاضبا وصفعني بوجهي قائلا :
-“باغي تولي قواد آخر أيامك ؟ واش أخر أيامك باغي تتزوج شيخة ؟، ورمى لي بمبلغ مائة درهم غاضبا كنت قد أعطيته له:
– “خوض علي زبلك ما عندي ما ندير بيه كنت نصحبك راجل.كولشي عاودو ليا خوك” .
شرحت له الموقف وأنه لا تربطني أية علاقة بالشيخة فتيحة السطاتية سوى علاقة العمل وهي تدفع لي أكثر من أخي وتعمل تقريبا كل أسبوع وأن أخي يغار منها ليس إلا. وبالفعل لم تكن تربطني بها أية علاقة غرامية، كانت مثل أختي تعزني وتمنحني المال، للإشارة فالمبلغ المالي الذي كانت تدفعه لي للسهرة الواحدة، كان يتراوح بين مائة درهم وفي أحسن الأحوال يصل إلى خمسمائة درهم.
لكن أبي أصر أن أترك العمل معها والاكتفاء بالعمل الموسيقي مع أخي ومساعدته في مهنة الخياطة، وبالفعل فكرت أن الاستمرار في العمل معها يعني الحرمان من السكن مع أخي رغم قساوة زوجته علي، لذلك اعتذرت للشيخة فتيحة وأخبرتها بالحقيقة ثم عدت ضمن مجموعة أخي “أوركسترا الأفراح الشعبية” .
خلال خريف سنة 1993 التحقت بعالم التكوين المهني، بمعهد التكنولوجيا التطبيقية شعبة التبريد بمدينة “سطات”، وسجلت بالقسم الداخلي وبعد مرور شهر تقريبا حملت معي الكمان حيث وضعتها بالخزانة بالغرفة بالداخلية، وكنت أحيانا خلال عطلة الأسبوع أعمل مع مجموعات الشيخات في الأعراس (مجموعة الشيخة الكبيرة، الشيخة نزهة، الشيخة رحمة المزابية، الشيخة نعيمة الخريبكَية، كما بقيت على اتصال بأصدقائي بمدينة الدار البيضاء، وكانت حينها مجموعات متمكنة بمدينة السطات ومشهورة من أمثال: (أوركسترا البيشي عبد الرزاق ، أوركسترا المعطاوي، أوركستر ولد اللواح، أوركسترا رشيد عيشوش، أوركسترا الإخوان حوتى بدرب ميمونة، أوركسترا نورالدين، أوركسترا أحمد ولد العيدي، أركسترا غفاشة وغيرهم …)، وبمجموعات الشيخات كان هناك: “الشيخ المكناسي، الشيخ محمد الحوات، الشيخ عثمان، الشيخ بوشعيب لبصير، الشيخ عبد العالي العرعاري، الشيخ عبد الرحيم الموحيد، الشيخ المهدي السطاتي، الشيخ عبد العالي السطاتي..وغيرهم و في الشيخات نجد: الشيخة بنت المدبوح ، الشيخة لكبيرة العيدية، الشيخة نعيمة السطاتية، الشيخة كنزة، الشيخة فتيحة، والشيخة وريدة الزريقة، والشيخة لطيفة وغيرهن…)، كانت بيننا منافسة شريفة، ليس كمجموعات اليوم، كانت لقاءاتنا تتم “بمقهى محمد الخامس” أو بالحديقة المتواجدة أمام مقر البلدية حيت كانت الحديقة غناء بأنواع الأزهار والورود وكنا نجلس مجموعات حول براريد الشاي غير آبهين بما يجري حولنا من لقاء للعشاق أو متنزهين بالحديقة، كان لاحتكاكي ومعرفتي بهؤلاء الفنانين فضل كبير حيت تعلمت منهم الكثير فيما يخص أبجديات الفن الشعبي وفن “العيطة”، وقد كان مناخا موسيقيا أسريا، يسوده التعاون والمحبة، الواحد منا ينظر إلى الآخر بعين الأخ والصديق والزميل، والنظرة للحديث في مجالهم نظرة أب أو أخ أو أخت، كنا نعامل الشيخات معاملة أخوات لنا نساعدهن في المحن ونفرح معهن في الأفراح، كنا نقترض من بعضنا ونمرر الحفلات لبعضنا البعض، وكان هؤلاء الفنانون بمدينة سطات يخافون على الفنان المبتدأ ويشجعونه ويدفعونه إلى الأمام على اعتبار أنه موسيقي وشيخ المستقبل وحامل المشعل من بعدهم، كانت تستهويني عيطة (ركوب الخيل)، ولأنها عيطة مرساوية وسهلة العزف، وكنت غالبا ما أبدأ بها الحفل سواء مع الأوركسترا او مع الشيخات، كونها عيطة قديمة من التراث الفني الأصيل، وعزفها سهل كما أن المرافقين لي في الإيقاع لا يجدون صعوبة “إيقاع خفيف طايح” واستهلالها كالتالي :
وايلي ياييلي مال حبيبي مالو علي ما بيدي ما ندير ياسيدي.
-و أنت ها أنت الله ينصركم يا صحاب سيدي الشرفا لحرار يا قيدي.
-وايلي يا يلي ما أنت كاوي ما أنت مكوي ما بيدي ما ندير ياسيدي.
إنني أحترم النساء وأحبهن، وخاصة الشيخات لأني أعرف عالمهن، فهن يتألمن ويرقصن ليفرحن غيرهم، أعرف شخصية الشيخة، تلك الشخصية القوية، المنفتحة والمتفتحة، التي تحب بوضوع، وتعمل بوضوح، رغم أنها غالبا ما تكون متهمة بالفساد، وبحكم أنني دركي متقاعد برتبة أجودان، ضابط للشرطة القضائية والعسكرية، وضابط للشرطة التقنية العلمية، وضابط الأبحاث الجنائية، وتقني التشخيص الجنائي..عملت بحقل الضابطة القضائية بقرى ومدن مختلفة بالمملكة المغربية، قمت بإنجاح قضايا وأبحاث جنائية عديدة: ” قتل، اغتصاب، دعارة، نصب واحتيال، خيانة أمانة، خيانة زوجية، سرقات…”، عرفت المرأة القاضية المجرمة الخمرتشية والخائنة للأمانة، وعرفت الطبية المجرمة الفاسقة الخائنة لزوجها والخائنة لأمانتها، وعرفت الأستاذة المومس والقوادة والنصابة، وعرفت نساء جمعويات خائنات للأمانة وسارقات للمال العام، وعرفت المحامية الخائنة للزوجية والتي تنصب على وكلائها والمعدة منزلها للدعارة، وعرفت المرأة الموثقة الخائنة للأمانة، وعرفت المرأة الممرضة المجرمة القاتلة لزوجها بتآمر مع خليلها، وعرفت المرشدة الدينية المومس الخائنة لفراش الزوجية، وعرفت وعرفت..بحكم عملي السابق كضابط للشرطة القضائية عرفت نساء مجرمات كثيرات ورجال مجرمون كثيرون، وهذه سنة الحياة دائما هناك الصالح والطالح، لهذا أحببت الشيخة، وأدافع عنها في كتاباتي الأدبية وفي مقالات..وبحكم تجربتي الحياتية عرفت أن الشيخات أخوات حنونات وصديقات صادقات.. ولهذا أقول لمن يهينهن احترم تحترم، وأقول للمرأة التي تستهزئ وتسخر من الشيخة:” اسمعي سيدتي، حينما تقفين أمام مرآتك أنظري بتمعن إلى التي تقف أمامك فتلك هي الوحيدة بعد الله التي تعرف حقيقتك وتعرف أنه بحق أنك تحملين بعض صفات الشيخة التي تعشعش في مخيلتك، تعرفين أنك كنت تقومين أو تقومين بأعمال تفحش وعهر لا تجرأ أن تفعلها الشيخة، وقد يكون ما تفعله الشيخة بمقابل مادي أنت تفعلينه بالمجان، لهذا لا تتسرعي وهوني عليك إذا أردت أن تسخري من شبيهتك بالمرآة التي تنظرين إليها، ستجدينها تسخر منك، أما إذا أردتي أن تستعملي معها العنف فأنت الخاسرة، ولا ترميها بالحجارة لأن مرآتك من زجاج”.
هناك بداخلية معهد التكنولوجيا التطبيقية بمدينة “سطات”، بداية سنة 1994، كنت أضع الكمان بدولابي بالمرقد حيث أعمل ضمن مجموعة للشيخات أو الأوركسترا خلال السبت والأحد، لكن ذات ليلة جمعة من شهر يناير وبطلب من أصدقائي الداخليين أخرجت الكمان، وشرعنا في السهر والسمر الفني بالمرقد وكأننا في حفلةعرس، كان يساعدني على الإيقاع كل من أصدقائي “كَصاص عبد الله، السوسدي محمد، زيد بوشعيب والصلحي مبارك الملقب “بلعوينة” وغيرهم.. وتبقى السهرة إلى حدود الثانية صباحا، وقد تكرر ذلك عدة مرات.
و في أحد الأيام وأنا بمرآب العمل التطبيقي بالقسم بمعهد التكنولوجيا التطبيقية بسطات، حوالي الساعة الحادية عشر صباحا من ذلك اليوم، أتى عندي المسمى شاهير رشيد، متدرب بشعبة الميكانيك، وكان من ضمن التلاميذ المتدربين الممثلين لنا بالقسم الداخلي، قدم عندي وبيده استدعاء من المدير موجه إلي قصد حضوري بالمجلس التأديبي المنعقد بقاعة المدربين بالمعهد، وأخبرني حينها أنهم فتحوا دولابي وأخرجوا آلة الكمان.
حوالي الساعة الثانية عشر والربع زوالا وعند دخولي المطعم أوقفني الحارس العام للداخلية ومعهم بعض المعلمين الداخليين، وأخبرني أنني ممنوع من الوجبة الغذائية، وبأن المجلس التأديبي قد قرر طردي من القسم الداخلي، توجهت حينها إلى مكتب السيد المدير، وكان رجلا صالحا ورزينا، وجدت بالمكتب آلة الكمان، تقدمت أمامه وأخبرته أنني المتدرب المسمى “الحسين المحبوب”، وبأنني الفنان الشعبي الحامل لاسم “الحسين السطاتي”، ليرد علي ما مضمونه أنني أسبب المشاكل في القسم الداخلي :
– أعرفك جيدا فأنت أبو المصائب، هل أتيت لتدرس وتتعلم أم لتزرع الفوضى وتسمم عقول التلاميذ المتدربين.
أتذكر من بين ما قلت له : حاشا يا أستاذ فأنا أدرس وأنا مجتهد وأحصل على النقط الأولى
وبإمكانك استفسار أساتذة شعبة التبريد والتكييف، أما عن آلة الكمان فاني أعمل بها خلال يومي السبت والأحد بالمجموعات، وهي مصدر تمويلي في الدراسة وفي شراء الملابس.
فقال لي رحمه الله وأسكنه فسيح جناته أن كان قد فارق الحياة، وجازاه الله خيرا: إن المجلس التأديبي قد انعقد وقرروا طردك من القسم الداخلي.
رجوته وتوسلت إليه، وكنت أعرف أنه رجلا صالحا متخلقا، فشعرت أنه رق لحالي، وقد أخبرني أنه سينظر في أمري. والحقيقة تقال كان رجلا طيبا ومتسامحا، محبا للخير، وكنا ننعم بعناية منه من جودة مأكل وأغطية وأفرشة بالقسم الداخلي.
تضامن معي جميع التلاميذ المتدربين الداخليين، وفي المساء حوالي الساعة السابعة مساء هممت بالدخول إلى المطعم لتناول وجبة العشاء مع المتدربين، فمنعني الحارس العام من ذلك مرة أخرى، حينها وقف جميع أصدقائي من المتدربين “وقفة احتجاجية”، يصفقون ويرددون شعارات متضامنين معي ويطالبون بعودتي ورفضوا تناول الوجبة كوجه من أوجه الاحتجاج، فحضر في الحال السيد المدير وأساتذة المجلس التأديبي.
ناد علي الحارس العام “سي عابيد” مردداً:
– أنت مطرود من القسم الداخلي، أما الآن فأنت تحرض المتدربين على العصيان
و على الإضراب، وتزرع الفوضى، ستتم متابعتك قضائيا.

رديت عليه في غضب بمسمع ومرآى من أفراد المجلس التأديبي، موجها خطابي إلى السيد الحارس العام:
– أنتم من تمنعوني من حقي المشروع وتريدون القضاء على مستقبلي عوض مساعدتي، وإن كان عن الكمنجة فإن أصدقائي هم من أخرجوها وسهرنا سويا للتنفيس عن أنفسنا لأنه ليس هناك ترفيه ولا مسرح و لا حصص للثقافة وكأننا في سجن، أنا أغني وأعزف الكمان بالمال مع الشيخات، ومدخولي من ذلك يكفيني، وإن منعتموني سنتوجه غدا إلى مقر العمالة نحتج ونشتكي إلى السيد العامل.
كنت حينها شابا جموحا متمردا، وكانت لي تجربة في ميدان الداخلية، كنت قد قضيت مدة سبعة سنوات بالقسم الداخلي في الدراسة، أربعة سنوات بأولاد عبو، وثلاثة سنوات ببرشيد، لذلك واجهت أعضاء المجلس التأديبي بشراسة، ونفس الشيء تم في يوم الغد، حيث منعوني مجددا من ولوج المطعم، فوقف كل التلاميذ المتدربين وقفة احتجاجية تضامنا معي خلال كل الوجبات وقدم السيد المدير خلال وجبة العشاء، وخاطبنا بأسلوب حضاري لين ومتحضر، وأخبرنا بأنه مستعد للحوار معنا ثم غادرنا خارج الداخلية وحوالي الساعة العاشرة ليلا عدت إلى الداخلية حيث وجدت معلم الداخلية الأستاذ (أباتين حسن)، الذي أخبرني أن السيد الحارس العام ينتظرني بالمكتب، فذهبت إليه ووجدته قد تغيرت معاملته لي ولين من خطابه وانتقل من التهديد إلى الوعظ، فردَّ لي آلة الكمان وعدت إلى أصدقائي بالقسم الداخلي، ثم أوقفنا الإضراب والوقفات الاحتجاجية، وعدت إلى الدراسة وإلى الفن العيطي..
في الأول من شهر أبريل سنة 1994، التحقت بالقاعدة العسكرية بابن جرير بصفوف الدرك الملكي سلك ضباط الصف لتبدأ الحياة العسكرية الدركية وتبقى الموسيقى كهواية.























