شيخ العيطة الحسين السطاتي

بعد عشرين عاما من الآن ستكون أكثر إحباطا بسبب الأشياء التي لم تحققها وليس بسبب الأشياء التي حققتها، لذلك الق حبل الشراع، وأبحر بعيدا عن الميناء الآمن. استغل الريح في أشرعتك، استكشف. احلم..
مارك توين
عادة “تاغنجة” خلال سنوات الجفاف.
كانت السنوات العجاف قد توالت على البلاد، خلال بداية ثمانينيات القرن الماضي، وشح المطر حتى هلك الزرع ونشف الضرع، ولولا تحويلات الأبناء العاملين بالمدينة وبالخارج لكانت الهجرة جماعية من القرية إلى المدينة، وكثيرا من الأسر هاجرت دوارنا واستقرت بدور الصفيح بمدينة الدار البيضاء، لقد ارتفعت أتمنة الأعلاف بشكل صاروخي وكان الناس بالدوار يجنون نبات التين الشوكي “الدركـَ”، ويحكونه بواسطة آلة قصديرية تسمى ( الحكاك) ثم يسلمونه للمواشي التي خارت قواها.
في السنوات القاحلة بداية الثمانينات القرن الماضي، كان البؤس يظهر جليا في أسواق البادية التي تصير شبه فارغة ونظرات الناس الحزينة المتطلعة بضراعة إلى السماء، والحاجة والفقر دفع الناس إلى العزوف عن إقامة المواسم والأعراس والحفلات، وعم الكساد العام لحركة الرواج التجاري والفلاحي، وكنا
نظل لمدة أسبوع على الوجبة الرسمية الخبز الجاف والشاي وأحيانا القليل من زيت الزيتون (كب و كسر).
كان الناس يتضرعون إلى الله حيث كان يعلن عن صلاة الاستسقاء، كما كان الناس في البادية يقومون بطقوس وعادات غريبة منها “تاغنجــة”، كانت تجتمع نساء الدوار خلال النهار يحملن مغرفة كبيرة “ملعقة كبيرة خشبية “مغرف”، ويلبسنها أثواب زاهية ويجملنها وكأنها عروس، ويطفن بها عبر المنازل بالزغاريد والضرب على “الدفوف والبنادير والطعارج”، تارة يرددن ابتهالات دينية وتارة يغنين أهازيج المرددات النسائية “براويل”، ونحن أطفالا إلى جانبهن نشاركهن الفرح والفرجة والبهجة، وهن يرددن ابتهالات إلى الله من بينها :
تاغنجا يا مـــرجا طلبي سيـــدك راه جــا
سيدي ربي فيه الرجـا تصب الشتا وتعمر المرجــا
وكذا :
مولانا نسعى ونرضـاك على بابك واقفيـــــن
لا من يرحمنا ســواك يا أرحم الراحميـــــن
وكن يجمعن مؤونة من المنازل (سكر،زيت، خضر، دجاج، حمام، تين مجفف، تمر، زبيب..) ويطبخن ذلك في منزل ثم يتوجهن به إلى ضريح الوالي الصالح “سيدي عيسى” المتواجد بجنوب الدوار بمسافة كيلومتر ونصف تقريبا، نأكل الوليمة، نمرح ونغني ونرقص..ثم تأخذ المرأة الكبيرة السن “تاغنجة” وتعني المغرفة، وتطلب من الله أن يعم الفرح والفرج وأن تهطل الأمطار والنساء تردد “أمين”، بعد ذلك تصطف الفتيات والنساء العازبات غرب قبة الضريح ومن جهة الشرق ترمي المرأة المسنة ب ” المغرفة” حيث تكون فأل خير عن البنت التي قد تصيبها، بأنها سوف تنعم بزواج سعيد وحياة زوجية ناجحة هانئة ميسورة، وأتذكر أن المرحومة السيدة فاطمة زوجة “الشلخ بوشعيب” كنا نناديها” خالتي فاطمة” كانت رحمها الله ذات حس فكاهي فهي من كانت تقوم بمهمة رمي المغرفة، وللصدفة كانت أحيانا تهطل الأمطار، وقد تتزوج الفتاة التي أصابتها رمية المغرفة في تلك السنة، كنا نحن الأطفال نسرق قطع السكر والتمر.. التي تضعها النساء قرب قبر الوالي الصالح، لجلب الحظ لأبنائهن التعساء والأزواج لبناتهن البائرات العوانس، وعند غروب الشمس يعود الجمع فرحا مستبشرا مبتهجا بهذه الخرجة، يتمايلون و يرقصون ويتراقصوان على أهازيج الأغاني الشعبية التي تصدح بها حناجر نساء الدوار..
Views: 8
























