“الشاعرة وريدة الحيدري في مسرحية الْهِيَ و الْهُوَ” للكاتب والشاعر عبد العزيز حنان 

جسر التواصل29 أكتوبر 2022آخر تحديث :
“الشاعرة وريدة الحيدري في مسرحية الْهِيَ و الْهُوَ” للكاتب والشاعر عبد العزيز حنان 

عبد العزيز حنان  الدار البيضاء في 25 أكتوبر 2022

 
قساوة
***
ستائرك
أسْدَلْت
والنورَ
عني حَجَبْت
ظلامٌ
بِظُلْمِك
صَرَّح
ولِسراحي
ما أقام صَرْحا
ظلام
ظلمني
أضلَّني
أذلَّني
:
ستائرَك
أسْدَلْت
وطيفَكَ
عني أخفيْت
والعِنانَ
مني سَحَبْت
ولا لِعَيْنَيَّ
معاينة خفاياك
والتَّخفي
بين أضلُعِك
والضلوع
في مناجاتك
والنجاة بِمَعِيَّتِك
في زورق هواك
والإلتحاف
بِهَوِيَّتِك
وتَنْكيس
رايةَ أهوائك
:
ستائرك
أسْدَلْت
والسِّتْرَ
والتَّسَتُّرَ بك
ما سألتَ
رضاب هواك
على أوراق جذعي
ما أرَقْت
وعلى كُلِّـــي
ما أسَلْت.
—–
وريــدة الحيــدري
-أهمية العنوان و الضمائر كمفاتيح للنص
بين القسوة و قساوة مسافة يجدر الوقوف عندها . فالقسوة صفة تصدر من أي كان و قد تكون هذه القسوة لا تعنينا أو لا تمسنا كفرد ، هي صفة قد نرفضها و يكون لنا موقف ممن يتصف فها و تعاطف مع الذي وقع عليه أثر الصفة ، أما قساوة فهي فِعْل ينطلق من شخص محدد نحو الأنا . يكون وقعها أشد أثرا على المقصود بها و المعَبِّر عنها .
من هذا المنطلق تجب قراءة النص .
و يتجلى ذلك في الضمائر المستعملة بين المخاطِب و المخاطَب . ( ك ) هو المخاطَب و بتتبع هذا الضمير يبقى مبهما قد يكون بالنصب أو الكسر .ربما هي تورية من الشاعرة إلا في فعل واحد كان ضبط الضمير بحركة النصب ليتضح المعني بالخطاب ( ما سألتَ ) و هنا يتضح عنصرا المعادلة . إذ في اثنتي عشرة لفظة ورد هذا الضمير ( ك ) و لم يتمّ تعريفه من خلال الحركة الإعرابية إلا في لفظ واحد .
فهل كان سهوا أم إشارة متعمدة و متخفية بين الكلمات ؟؟؟
إضافة إلى هذا الضمير هناك ضمير آخر متصل و هو ( ت ) هو الأخر و في ثمانية ألفاظ ظل مبهما إلا في واحدة و هي ( ما سألتَ ) هل انفلتت حركة النصب دون وعي أم بإرادة الشاعرة ؟؟؟
هي ملاحظة واجبة خصوصا إذا التبس على المتلقي جنس المبدع من خلال الاسم المعلن . إذن فالمراد هنا ليست الصفة و إنما الفعل الممارَس و أثره . فأين تتجلى هذه القساوة ؟؟؟
المعمار البنائي للنص
نعم ، هناك هندسة مسبقة و تتجلى في فكرة البناء / الموضوع ،
لكن التفاصيل تركتها الشاعرة لتدفُّق البوح … لمسارات صـكّ الاتهام اتّجاه الآخر .
النص هنا لا يخضع لأية سلطة بنيوية أو بنائية سابقة ، و إنما يستجيب لنحيب القلب و حشرجة أنفاسه . لذلك نجد هذه الجمل ذات شكل الومضة الخاطفة .
هدير الألم ، موجع . يتفجر رعدا في عنفِ اصطدام سحابتين في مرحلة الطّلق الأخيرة ، لكن الأسلوب المعبِّر عن ذلك هو بحجم ومضة البرق الخاطف . جمل قصيرة تفي بالمطلوب أو بشكل أدقّ لقطات اقتنصتها عدسة الروح بسرعة لتضعها الشاعرة صورا شعرية /تشكيلية ، للقارئ وحده الحق في تخيّلها أو تجسيدها في مخياله .
زمن النص مطلق .و هذه من جماليات استعمال الفعل الماضي الدّال على الامتداد غير المنحصر في اللحظة الماضية . ربما هو استلهام من القرآن الكريم حين يأتي الفعل الماضي ممتدا في الزمن إلى ما لا نهاية . كقوله تعالى في سورة يوسف الآية 51 <<< اِ۬لَٰنَ حَصْحَصَ اَ۬لْحَقُّ>>> و قوله تعالى في سورة البقرة الآية 70 <<< قَالُواْ اُ۬لَٰنَ جِئْتَ بِالْحَقِّۖ >>> و قوله تعالى النساء الآية 102 <<< فَأَقِيمُواْ اُ۬لصَّلَوٰةَۖ إِنَّ اَ۬لصَّلَوٰةَ كَانَتْ عَلَي اَ۬لْمُومِنِينَ كِتَٰباٗ مَّوْقُوتاٗ >>> و قوله تعالى في سورة النحل الآية 98 <<< فَإِذَا قَرَأْتَ اَ۬لْقُرْءَانَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ اَ۬لشَّيْطَٰنِ اِ۬لرَّجِيمِۖ >>> .و الملاحظ في هذه الآيات الفعل الماضي لا ينحصر في الزمن الماضي و إنما هو ممتد . و عليه ، فالدلالة في الفعل قد يكون الزمن المحصور ، و قد تكون هذه الدلالة معنوية مطلقة . و هو ما نجده في نص الشاعرة . الدلالة المعنوية الممتدة . حدث الفعل وقع و هو ما زال مستمرا .
النص تقف أحداثه على حوالي سبعة عشر فعلا ، و هو ما يدل على حركيته أوّلا ثم امتداد لزمن في أحداثه ز مما يجعله عبارة عن ومضات برق متتالية دون فواصل بينها . و هنا الومضة ليست بدلالة المعنى الاصطلاحي للقصيدة و إنما بمعنى الحركة المتواترة المتسارعة داخل النص .
المضامين
هي صورة متعددة لنص واحد ، عنوانه : ظلم الآخر ، الظلم أيا كان مصدره سواء صدر من الذكر أو تفجر من الأنثى .
لكن حركتا الفتحة اللتان تسربتا في كلمتين ، حددت المعنِيّ بالظلم . ( كَ/ تَ ) . الخطاب يتفجر من المؤنس ليحاكم المذكر .
بداية النص ، هي نهاية المشهد . و الباقي تفاصيل لهذه النهاية و وقعها على المخاطِبَة من المخاطَب :
“”” ستائركَ — أسدلتَ “””
و كأننا في عرض مسرحي ، بلغ نهايته فأسدل الستار .
فصول العرض
الفصل الأول
حركة ذكية من الشاعرة . ذاك أنها بدأت بالنهاية كما أشرت سابقا لتشرع بعد ذلك في تقديم باقي العناصر . و هي طريقة تذكرني ببعض الإبداعات الروائية و القصصية كما نجدها عند عبد الرحمن منيف في شرق المتوسط كما نجدها عند صنع الله إبراهيم و آخرون .
عملية التركيب هذه مقصودة لأنها تجعل من المتلقي متلهفا لمعرفة التفاصيل التي قادت إلى هذه النهاية :
(((ستائرك
أسْدَلْت
والنورَ
عني حَجَبْت)))
مشهد النهاية ، و قد يختاره البعض عكس ذلك ، لكن توالي الأحداث يفيد الطرج الأول . و نعرف في التقنية المسرحية أن إسدال الستار يعني نهاية العرض . ليعمّ بعدها الظلام و قبل أن تعود الإنارة العامة لباحة المتابعين يصر الشاعرة على تحديد معالم هذه الفترة على ضيق زمنه . فالمتسيّد في المشهد ، هو الظلام .و الظلام المنبعث من المخاطَب هو رديف الظلم .
فالظلم حوّل حياة المشتكية ظلاما : ((( ظلام ، بظلمك ))) ثم إن هذا الظلام ظلم لها . و هي التي كانت تتوق إلى النور و النور ضد الظلام و ضد الظلم . و تعبر الشاعرة عن ذلك بتورية جميلة ((( لسراحي ما أقام صرحا ))) أي أنه لم يكن منصفا و لم يمنح لها ما كانت تنتظره . لتُصرّح بشكل أكثر وضوحا و ألما و إحساسا بالانكسار ((( أضلني / أذلني )))
الفصل الثاني
يبدأ بنفس المشهد إغلاق الستارة ((( ستائرك / أسدلت ))) و بعدها يقدم التفاصيل المتلاحقة سراعا . ما يجمع بينها هو الظلم ثم تجليات هذا الظلم .
الغياب القسري ((( طيفك أخفيت )))
التيه : ((( و العنان / مني سحبت )))
قطع كل السبل : ((( و لا لعيني/ معايو كِ ) نة خفاياك )))
مُصادَرة كل ما يربط بين الْهِيَ و الْهُوَ : و هنا يتفجر البوح بمعاناة الْهِيَ في ظل ما سبق . و كأنها تستحضر الذي كان قبل أن يسدل الستار . و في هذا المسار تقدم اللحظات الملتهبة تستلّها من صداع الذاكرة ، وز ألك التذكّر .
التخفي بين أضلعك / مناجاتك / النجاة / الالتحاف بهويتك /
كلها مشاهد من زمن اختفى قسرا بسبب الْهُوَ ليتركها في جحيم ((( تنكيس / راية أهوائك ) .
المشهد الثالث
هو الآخر يبدأ بنفس الصورة ((( ستائرك / أسدلت ))) . ليكون مآل العلاقة النسيان الجارح و المذل . نكران كل الزمن الذي جمع بين ( كَ و كِ ) لتلخصه في جملة النفي المطلق ((( ما سألت ))) رغم كل الذي يذكرها به ، كل ما زال لاصقا و منحوتا على جذعها .
(((رضاب هواك
على أوراق جذعي
ما أرَقْت
وعلى كُلِّـــي
ما أسَلْت )))
كل الذي كان من الْهُوَ ما زال عالقا بها و بقدر ما يذكرها به في الجميل من التحام روحيهما و عواطفهما ، يذكرها بالقتل غير الرحيم بسادية عنيفة مارسها عليها . فلم تجد غير البوح المؤلم تنشره غسيلا على الكلأ لتصل الرسالة ، و يكون الاتعاظ .
أعد قراءة النص أيها المتلقي لتكتشف هذه الرحلة مع النص و قد تكشف غير ما وصلت إليه .

Views: 8

الاخبار العاجلة