“ريان… أيقونة صبر” للفنان سعيد غزالة

جسر التواصل15 أبريل 2022آخر تحديث :
“ريان… أيقونة صبر” للفنان سعيد غزالة

سعيد غزالة

 

 

                                                                           37
تكاثرت الناس وارتد عائدا كل من كان قد يأس من خروج الطفل ريان، وتهللت الوجوه مبشرة… أهو الفرج قد أعلن عن كرمه؟ بقي كلبي الوفي قاعيا جنب التينة مستسلما لا يبدي أية ردة فعل لما يقع. أمي كذلك بقيت تبكي حيث اختلط عندها الحزن بفرح يتيم يحيى ويموت ألاف المرات في اللحظة الواحدة. تجمع الناس وعادت الآلات لهديرها، فقط، من أجل المشاركة في فرح قريب ضجيج ليس إلا.
اقتربت واقفا جنب مجموعة من أطفال ينظرون في صمت وعلامات العياء بادية على محياهم. إنهم أصدقاء ريان الذين كانوا ينتظرونه كل صباح للعب معهم. لا يفهمون لما كل هذا يقع بهذا الشكل ولما كل هذا الضجيج بلا نتيجة فهم قد اشتاقوا لريان وريان قد تأخر عليهم في القدوم لإكمال لعلبهم الذي لا ينتهي. أتمعن في وجوههم بكل حب واشتياق… حنين مؤلم هذا الذي أشعر به وأنا غير قادر على لمس أصدقائي ومناوشتهم أو الركوب على ظهورهم كما كنت عن طيب خاطر، ألم شديد هذا عندما تكون موجودا وغير موجود. لقد كنت حاضرا وأنا هناك في الجًب جثة تنتظر انتشالها وحفر قبرها حتى ترتاح الروح وتعود لتعاود تحليقها في عوالم مجهولة غير معلومة لمن يدبون على وجه الأرض. تحلق وهي تنشد لحن الخلود الأبدي هناك بين يدي الله. باب الضباب عاد مشرعا كما كان. إنه يدعوني للعودة بعد ساعات قلائل ليغلق إلى الأبد. لم يبق الكثير… اقتربت الحشود من مكان الحادث وكلهم أمل في… لكن.
كانت تحكي لي أمي وأنا طفل صغير أن الأطفال الذين يموتون صغارا يبعثهم الله ملائكة في لون الرخام الأبيض بأجنحة من شمع لا يذوب. وكانت كلما مات رضيع أو صبي تقول: هو صدقة لوالديه يدعو لهما بالرحمة والجنة والغفران. سأكون ذاك الملاك الصغير الذي يحبك ويدعو لك ولأبي أجمل دعاء لأني أحبكما أكثر من أي شيء في الدنيا… وكانت تبكي بحرقة فهي ترى أن الدنيا التي يموت فيها الأطفال الصغار لا تستحق أن يعيش فيها الطيبون. لكنها الحياة ولا مفر مما كُتب فيها على الناس من إله هو أدرى بشؤونه. وتنظر إلي بحب لكنها لم تكن تعلم بأنه سيكون لها هي الأخرى ملاك في السماء سيدعو لها بالمغفرة، وتبتسم. ابتسمي يا أمي ولا تخشين شيئا سأكون ملاكك الرحيم وحارس أحلامك الأمين. سأكون نجمة في السماء في كل ليلة تصعدين للسطح تراقبينني وتذرفين الدمع وتغنين لي أغنيتي المفضلة:
ولدي يا ولدي
يا فلذة الروح والكبدِ
نور العيون، سندي
ولدي يا ولدي…
يا نور صبحي الندي
وزهرة في يدي
يا من في كبري
عليه كل عمدي
ولدي يا ولدي…
… وتنامين في مكانك منكمشة وكأنك تحضنينني بكل الحب الممكن فتتراقص النجوم تهدهد نومك فتفرح الصبايا والملائكة الصغار المحلقة حواليك تلك التي ودعت حياة لم تكن لها… ويحل الصباح وتكون تلك الدموع التي بللت لثامك في الليل،أمي، قد تيبس أثرها كاتبا أحلى الكلام:
أمي…
يا نغمة حنونة…
يا صدرا رطبا…
أمي، لم أكبر كما تمنيت
أمي، بقيت طفلا كما تحبين…
أحبك…
لكن الانتقال من الدنيا إلى العالم المجهول قاسي على النفوس وخاصة إذا كان هذا الانتقال يعني أطفالا بريئين لم تُفتح صفائح أعمالهم بعد. حز سكين وضربة في الصميم، وحزن يكتب في جدران كل غرف البيوت وزهور تزهر على قبور كادت تنسى، وتمائم تعلق فوق الأبواب حتى تطرد العين والعمل السيء.

 

 

                                                                                  38
سيارة من شكل آخر عكس تلك التي كانت رابضة قرب الحادث… يقولون إنها سيارة إسعاف جاؤوا بها خصيصا لإسعاف ريانا انطلاقا به من الموقع إلى حوامة تنتظرها لنقله إلى أقرب مشفى… كل هذه الإمكانات الساكنة تنتظر جهد رجل خبير آبار للوصول، بقادوم صدئ عبر فتحة إلى طفل أنهاه الانتظار. أضواء وأصوات تصم الأذان وتماوج جسدي هنا وهناك وسباق مع الزمن وتطمينات وكثير من الإثارة والتسويف والعالم يتتبع ومصورون وكلام كثير وخوف… هل من أمل؟
الدقائق المتبقيات تضغط على النفوس، والكثير من الدموع. لم تعد لي رغبة في البقاء فوق الأرض. سأبقى محلقا أنظر كما النسر نهاية هذا المحج وانفضاض الناس من حول هذا الجُب البئيس والعودة إلى الحياة المعتادة.
العيون معلقة على السيارة البيضاء وعلى العاملين بها ولمعان الأجهزة، ذات الأصوات الغريبة، التي تنزل منها ثم تعود كأنما تقوم بمهمة ما لا يعلمها إلا مُشغلوها. بين دبيب وسكون، وخبر يقين وآخر مشكوك في صحته، تضيع الحقيقة التي صارت في خبر كان. تضيع المعلومة بين عارف وجاهل… بين مدعي وآخر اختار الصمت لغة والانتظار مسلكا… في لحظات وبعد كل هذا سيُعلن الخبر المنتظر، يعلن لتوقيع نهاية كانت متوقعة عند بعض الحكماء.
الفجر… مؤذن الجامع الوحيد يُسمع صوته بصعوبة… اقتربت من الجامع، الذي هو عبارة عن غرفة واحدة بباب ونافذة ومحراب عبارة عن رسم في الحائط باللون الأزرق، خمسة أشخاص بالكاد يحضرون لإقامة الصلاة بمعية الفقيه والمؤذن في نفس الوقت. جلس المصلون- وكلهم شيوخ يُعتبر هذا الجامع بيتهم الثاني، مطلقين تكاليف الحياة بعد أن أهدوا جهد عمرهم لأبنائهم وحفدتهم- بعد صلاة الصبح وقراءة الحزب إلى الحديث حول الحادث الذي شغل الناس عن الحياة:
– الله عليم بشأنه… الطفل ريان شبع موتا… لقد أتعبوا نفوسنا بلا طائل…
تحدث الفقيه.
– والله يا شيخنا إن كلامك صحيح. عقب أصغر الحاضرين.
تنحنح شيخ يجلس متكئا على الحائط.
– لن يخرجوه إلا جثة هامدة رحمه الله… الناس ترجو رحمة الله ولا ترجو رحمة مخلوق بشر. عرفونا في الألم نحن المنسيون في القهر. هل من الضروري أن تحل المصائب حتى يلتفت لنا العالم؟
– سبحان الله، حكمة الله في الخلق. قالها الفقيه قائما لإقفال النافذة حيث تُدخل ريحا باردة.
– لا تزر وازرة وزر أخرى. صدق الله العظيم. واجب العزاء يتطلب الاستعداد له.
هكذا نطق الشيخ وهو قائم لمغادرة الجامع. نظر الجميع له في حيرة وتسليم.
لا إله إلا الله. قالها الفقيه فرددها من ورائه الباقون… ثم نطقتها بعدهم. ساد صمت رهيب وكأن الكون توقف. كلمة الله على الجميع ويد الله فوق أيديهم، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
عاودت تحليقي عائدا إلى موقع الحادث. لم يتبق إلا متر واحد للوصول إلى ريان كما أخبر الجميع والكل متلهف لاستقبال عريس الأطفال… الكل مستعد لو أمكنه أن يحضن هذا الطفل الأيقونة لصبره النادر والذي أعطى دروسا في التحمل والتأمل.
هناك، وعودة إلى الجامع، يخرج الرجال كل إلى دابته التي تنتظره لمواصلة يوم آخر… فلول الليل تسمح لضوء النهار بالحلول وشمس باردة تنتفض من أجل بعث دفئها في هذا الحيز من المكان الذي ينزف جرحه بالذي يُنتظر والذي لا يُنتظر.
التحقت سيارة أخرى سوداء اللون بسيارة الإسعاف. رجال في بدلات سوداء يتحدثون إلى الطاقم الطبي وحركة غير واضحة للعيان وترت الناس ودفعتهم للاقتراب أكثر لكن قوات الأمن حالت دون اقترابهم.
ماذا يحصل هناك؟

Views: 6

الاخبار العاجلة