“محاولة لاِستغوار عوالم أميرة الظلام . ” للكاتب والشاعر عبد العزيز حنان

جسر التواصل24 مارس 2022آخر تحديث :
“محاولة لاِستغوار عوالم أميرة الظلام . ” للكاتب والشاعر عبد العزيز حنان

عبد لعزيز حنان
الدار البيضاء في 08 فبراير/ 14 / 15/ 23 مارس 2022
 

قيمة الإبداع ، تتجلى في قدرته على اختزال المشاهد ، و المشاعر ، و الانفعالات ، و المواقف في كلمات موحية عميقة الدلالة .
القدرة على التقاط المخزون الجمعي ، ليؤسس مفاهيم جديدة مغايرة للمتعارف والمتداول . و كأني به مدّ الكلمات بإكسير تجدد الحياة ، و تلكم وظيفة المبدع ، و قيمة الإبداع .
قبل الولوج إلى عوالم النص ، تعالوا نلتقط هذه الكلمات المفاتيح فيه ، و التي لها انزياحات في الذاكرة الجمعية سواء مغربيا أو عربيا :
( السرايا – الغنج – الأميرة – الظلام – قدوم الفارس – الموكب – الشموع – اللغز – المفاتيح – المستور – المرايا – الحقيقة – الوجه – الخفايا – السر – المطمور –الدفوف – الزغاريد – المتواري – الأوجاع – المشنوق – الأحلام – البعيد – الغابر ) .
كلمات تمثل ثلثي النص ، أي ستون في المائة منه . جميعها لها ذات مرجعية و حمولة في الذاكرة العربية عموما على اختلاف مكوناتها ..
بمعنى أن هذه الكلمات و هي مفردة ، لها قيمتها الدلالية و المرجعية حتى دون وجودها ضمن سياق تركيبي . و هذا يحيلنا إلى المعجم اللغوي الخصب و الغني في أبعاده المرجعية و الإيحائية و الرمزية لدى المبدعة مليكة ضفير ، إضافة إلى قدرتها على توظيف كل هذه الحمولة و تشكيل المعنى المراد إيصاله إلى المتلقي .
لعلكم الآن كوّنتم فكرة عامة عن النص من خلال هذه الكلمات ، و لعلكم من خلال المفهوم أو المفاهيم السائدة لهذه الكلمات شكّلتم رؤية أوليّة عن النص .
أميرة الظلام .
كعنوان جاذب و في الآن نفسه يخلق نوعا من الرّجّة . قد لا يستوعبها المتلقي في الوهلة الأولى ، لكن بعد حين سيحاول إيجاد أو ملامسة سبب الرّجّة من خلال الفصل بين الكلمتين، و ملامسة دلالة كل منهما .
( الأميرة / الظلام ) للوهلة الأولى تبدو الكلمتان متعارضتين عندما ننطق بكل واحدة على حدة . فالإحالة المعنوية لكل منهما مناقضة للأخرى ، لكن في عملية التركيب تمنحان للمتلقي إمكانية تشكيل صورة لمعنى مغاير للمألوف . و هذه خاصية إبداعية تعطي حياة متجددة للكلمتين غير ما هو متعارف عليه لهما و الذي أخذ شكل المعنى المحنط الميت على الامتداد الزمني لكل منهما . و هذا هو الإبداع .
هذه خاصية تتميز بها المبدعة مليكة ضفير من خلال توظيف المتضادات للتعبير عن الحالات و المواقف في كثير من كتاباتها ، تتجاوز الطباق كمطية بلاغية زخرفية ، إلى توظيف معقلن مع سبق الإصرار .
هذا النص ، يشكل حقلا مُلغما . الداخل إلى فضائه عليه أن يحترس من وقْع عينيه على الكلمات ، و الحذر من تبنّي أول تصوّر يتبادر إلى ذهنه من خلال القراءة الأولى . لا بد من الاحتياط ، و الاحتياط المعقلن في التعامل مع السفر فيه .
و هو ينقسم إلى مشهدين :
* المشهد الأول يتعلق بالفارس .
* المشهد الثاني يتعلق بالأميرة .
و كما أسلفت سابقا ، فالألفاظ المستعملة تحيلنا في الوهلة الأولى إلى الحمولة الشعبية لهذه الألفاظ ، و إسقاطها هنا على النص . و هذه القراءة هي كمَن يسير بسيارة وجهتها في الاتجاه المعاكس و الممنوع .
المشهد الأول :
((( بباب السرايا ،
تقف بغنج
أميرة الظلام .
تترقب قدوم الفارس ،
مزهوّا في مركبه
حاملا شموع اللغز ،
و مفاتيح المكتوم المستور .)))
و إن كان يبدأ بالتطرق إلى الأميرة ، إلى أنه و بطريقة غير مباشرة – خصوصا في شقه الأول – يمهد لذكر الفارس ، و هي عملية تحضير القارئ لما سيأتي . لينتقل في الشق الثاني في هذا المشهد إلى تحديد المعني بالخطاب ، ألا هو الفارس .
هو مشهد كأني به لقطة سينمائية إن شئت أو لوحة تشكيلية متعددة الزوايا و الأبعاد . يتم استحضار الأميرة لكن ، للوصول إلى الفارس .
لنحاول تخيُّل أميرة الظلام .
كيف يستقيم في أذهاننا تصوّر هذا الجزء من المشهد . الأميرة ، و لكل منا تصوّره الخاص . لكن هذا التصوّر يؤطّره لفظ السرايا السابق . حيث ترتسم في أذهاننا صورة القصر الفاره الكبير ببواباته الضخمة و أسواره المتينة . إذن الأميرة كمكانة اجتماعية يحددها لفظ ( السرايا ) . هذه بداية تَشُكل اللوحة أو اللقطة . تقف بغنج . و الغنج يعني الدلال و الرقة صوتا و حركة كما يدل على الاختلاف الظاهر الذي يغلف الرضا المُضمَر .
أميرة الظلام و هي في انتظار الفارس . الصورة هنا قد تبدو واضحة في مخيلة المتلقي . لكن ، أي فارس ، هذا القادم في موكبه ؟؟؟
و هنا نعود إلى الوصف في العنوان ( أميرة الظلام ) . هذا الفارس قادم يحمل ( شموع اللغز )
فهل كان في مهمة ما ؟؟؟ من خلال الشموع
هل هذا الفارس حتى يكون جديرا بالأميرة ، عليه فكّ لغز ( الظلام ) من خلال الشموع ؟؟؟ و هذه الأخيرة بالضرورة ستكون فتائلها متّقدة . و من حمولته أيضا (مفاتيح المكتوم المستور .) فما هو هذا المكتوم المستور ؟؟؟
و ما هو هذا اللغز ؟؟؟
لك أيها القارئ أن تعيد تشكيل صورة المشهد / الحكاية متكاملة بطريقتك مستندا على قدرتك في التأويل والتأليف . و هي لفتة ذكية من الكاتبة إذ لم تفصح عن كل شيء لتترك للقارئ حرية حقيقة كل من اللغز و المفاتيح . حسب امتداد خياله و قدراته على الإبحار ثم الغوص و أخيرا الاستنتاج .
إلى هنا ينتهي المشهد الأول و الذي يصور الأميرة في وضعية انتظار . انتظار الفارس العائد مزهوّا . صورة نتخيلها بسرعة ، و هذا التخيّل يقود صاحبه إلى تفسير كل من ( اللغز و مفاتيح المستور ) .
المشهد الثاني :
(((بيدها ،
مرايا الحقيقة …
تعكس بوجهها الجريء ،
خفايا السر المطمور .
تدق الدفوف ،
تتعالى الزغاريد …
لينكشف المتواري ،
من أوجاعها …
و المشنوق من أحلامها ،
من البعيد ، البعيد ،
منذ الغابر من العصور ….)))
يقلب التّصوّر الأول رأسا على عقب . فانتظار الأميرة للفارس ليس بذاك التصوّر المتوارث و الذي يقفز إلى الذهن بسرعة ، و إنما هو امتحان له و اختبار لصدقه .
فما جاء يحمله هذا الفارس في موكبه مزهوا سيخضع للتمحيص . لأن الأميرة ( بيدها مرايا الحقيقة ) و المرايا فاضحة … كاشفة .
استعملت الكاتبة الجمع بدل المفرد، لأن المرآة تكشف حقيقة الذي أمامها له مرة واحدة ، لكن عندما تتعدد المرايا ، تتعدد الصورة و كأنها تمعن في الكشف و التأكُّد مما سبق .
( تعكس بوجهها الجريء
خفايا المطمور )
الضمير المستتر ( هي ) و المتصل ( ها ) ترى على من يعود ؟؟؟
على الأميرة أم على المرايا ؟؟؟
أيّا كان منهما فهناك جرأة في الكشف . كشف المستور و المتخفّي من الأشياء . فالمرايا كاشفة ، و الأميرة بيدها مرايا الحقيقة و كل من الأميرة و المرايا تحملان حرف الميم المشترك و بالتالي فهما مشتركان في الكشف .
ليأتي مشهد احتفالي :
( تدق الدفوف…
تتعالى الزغاريد …)
و في هذا الاحتفال الكرنفالي أم المشهد الاحتفالي بتعبير
أهل المسرح ( ينكشف المتواري من أوجاعها ) .
أوجاع من ؟؟؟
هل هي أوجاع الأميرة ؟؟؟
و إن كانت كذلك ، فما سبب هذه الأوجاع ؟؟؟
هل هو انكشاف الحقيقة من خلال المرايا ؟؟؟
هي حكاية شهريار و شهرزاد بمنظور آخر و تصور جديد .فشهريار / الفارس مكشوف لشهرزاد/ الأميرة …. و المرايا فاضحة …. لكن الامتحان و الترويض كان عند الأولى في الحكي الذي لا ينتهي و عند الثانية التكليف بالمهمة . و كل من شهريار و الفارس في وهم السيطرة ، سادر . متناسيين أن القوة ليس في الجسد و إنما في العقل … في التدبير …
و الآن أدعوك أيها القارئ إعادة السفر مع النص و لك حقّ التأويل و الحكم .
أميرة الظلام …
بباب السرايا ،
تقف بغنج
أميرة الظلام .
تترقب قدوم الفارس ،
مزهوّا في مركبه
حاملا شموع اللغز ،
و مفاتيح المكتوم المستور .
بيدها ،
مرايا الحقيقة …
تعكس بوجهها الجريء ،
خفايا السر المطمور .
تدق الدفوف ،
تتعالى الزغاريد …
لينكشف المتواري ،
من أوجاعها …
و المشنوق من أحلامها ،
من البعيد ، البعيد ،
منذ الغابر من العصور ….
********** 
مليكة ضفير

Views: 11

الاخبار العاجلة