“ريان… أيقونة صبر” للفنان سعيد غزالة

جسر التواصل11 مارس 2022آخر تحديث :
“ريان… أيقونة صبر” للفنان سعيد غزالة

سعيد غزالة

                                                                     17
إنه عالم جميل أمي. تسكن فيه مخلوقات أجمل… شمسه دافئة لا تغيب مثل قنديل مطبخنا الزيتي الذي تحرصين كل الحرص على أن يبقى مشتعلا. سألتك يوما لماذا تريدينه أن يبقى مشتعلا؟ فكان جوابك غامضا بكلمة: نذر… سيبقى مشتعلا مادام قادرا على تحمل ناره المشتعلة، وأبقى أنا عاشقا لهذه الشمس الدافئة وهذا الجمال الذي لا ينتهي في عالم ما بعد الممر. لن أيأس في رغبة العودة إليكم لكن ممر الرجل الطيب انفتح من جهتي وليس من جهتكم، وولجت عالمي، الذي ليس عالمكم، فهو جميل كما قلت لكم. سأحكي لكم عنه بعض الشيء… رغم آثار حفرة الظلام وآلامها التي مست ضلوعي وجرحت وجهي الصغير إلا أنها ندوبا تذوب وتنسى في هذا المكان وتبقى حديثا بين الأحباب وللذكرى… سأتذكر أنني يوما سقطت، عن غير قصد، في جُب عميق وأنني حاولت، وأنا أسقط، أن أمسك بجدران الجُب الضيقة لكي أعلق قريبا وأصرخ بأعلى صوتي حتى تسمعني أمي وتأتي لانتشالي. أتذكر تلك اللحظة التي بدأت منها حكاية ريان الصغير والذي كان يعشق اللعب مع جَديٍ صغير… حكاية لن تنتهي بانتهاء أمر بدأ في نهايته وانتهى عند بدايته… حكاية طفل صغير جدا لم يتجاوز عتبة طفولته بعد فبقي عندها. سأحكي لكم لحظة خروجي من ظلمة المكان إلى نور عالمي الأخضر… كانت لحظة هدأ فيها الألم للحظات وغفوت. نعم، كانت إغفاءة لذيذة حملتني ريشةً على جناح نسمة هواء بلا صوت بلا همس بلا أنين… أنظروا هل ترون ما أرى؟ هل تحسون بما أحس؟ مدوا أياديكم وتلمسوا ندوبي إنها خدوش نقشتها جدران الجُب عند سقوطي على أماكن مختلفة من جسدي الصغير والضعيف. لكنها لم تمنعني من تحدي آلامي والخروج إلى عالمي الذي اكتشفني واكتشفته… لم تمنعني من مواصلة البحث عن ذاك المخرج حتى وجدت ما كنت أرغب فيه. إنه اكتشافي، فتحت لي بابه بنت زهور الأقحوان… وجديي الصغير الذي سبقني وانتظرني لمدة طويلة، أحسست بهذا، وها هو ينظر إلي وكأنني غبت عنه سنة بكاملها. لا تسألوا عن الزمن في عالمي الأخضر ولا عن الأيام والشهور… كل شيء هنا ممدد وممكن إلا الألم والانتظار والخوف… في هذا العالم الكبير لا وجود للظلام ولا للألم… هنا فقط لعب ومرح وفرح… وأشجار مثمرة على طول العام لا يشتكي فيه أحد من جوع أو عطش. هنا وهناك أطفال كثر من سني يحملون ألعابهم وطائراتهم الورقية وبنات صغيرات يحضنن دماهن برقة وحنان كما كانت أمي تفعل معي ومع كل إخوتي وأطفال القرية دون استثناء… أمي يحبها الجميع فهي المرأة الهادئة والحنونة التي يلجأ إليها كل الناس للطافتها وقدرتها على مسح دموع المقهورين الذين يجدون عندها وأبي كل العون والسند رغم ظروف الحياة القاسية. كانت أمي (الرائعة) مثال التضحية والقلب الكبير كعالمي… أتخيل، أنا الصغير، أن هذا العالم الجميل ما هو إلا حضن أمي الفسيح بكل تعرجاته وطيب ريحه وعطر أنفاسه وخير ثماره ونضجها وحلاوتها… اشتقت لك أمي اشتقت لرائحة القرنفل في شعرك والعود في ثيابك والحناء في كفيك اللتان، دائما، مخضبتان رمزا للمرأة المتزوجة واهبة الأطفال والحياة. اشتقت لصمتك وحزنك وابتسامتك العذبة… اشتقت لهمس أبي في أذنك ولبريق عينيك وأن تضحكين. لكن، سنلتقي هنا وأنت تحملين صرة الفاكهة الجافة وقميصا صوفيا حتى تلبسيني إياه خوفا علي من البرد. لا تخافي، هنا الجو جميل ولا مكان للمرض أو الألم أو السقوط في بئر ما.

                                                                           18
اسمي ريان: قلت.
وأنا ناريمان: قالت.
مدت لي باقة زهور أقحوان وطلبت مني أن أتبعها دون أن أنبس بكلمة واحدة فليس مسموح لي بالكلام إلا عند السؤال، هذا ما عرفته فيما بعد. دخلنا إلى غابة قصيرة أشجارها مختلفة أشكالها وألوانها… ترخي غصونها في شكل ضفائر شقراء وسوداء وكستنائية. تتسابق حوالينا ضباء وغزلان وأرانب لا تشبه أرانبنا التي كانت تسبق كلبي وتجعله يلهث بلا جدوى. بين كل شجرة وشجرة بيوت صغيرة جدا لا أعلم لمن هي ولما هي صغيرة بذلك الشكل لا ترتفع عن قامتي إلا بمقدار شبر فقط. وحيث أنه غير مسموح لي بالكلام، لم أجرؤ على السؤال. كانت خطوات ناريمان جذلانة فرحة وكنت بدوري مقلدا لها في فرحها وتغمرني سعادتها بشكل كلي. وكلما مررنا بتلك البيوت نسمع لغط سكانها الذين يخرجون مرحبين بنا… كانوا عبارة عن أشخاص قصار متشابهين بلحي بيضاء وآخرون بدون لحي ربما هم نساء لكن لا فرق بينهم يميزهم… عندما نبتعد يدخلون البيوت وهم يضحكون. كنت مستغربا مندهشا ومترقبا والبنت تتقدم بخطى ثابتة تقصد مكانا لم تفصح لي عنه. ونحن ننحدر بالقرب من بستان بنفسج ظهر لنا بيت صغير ملون بكل الألوان التي أعرفها والتي لا أعرفها ويخرج من مدخنة صغيرة، أجمل من مدخنة عمي جمعة صاحب دكان المشواة بالسوق، دخان ملون وعصافير سرعان ما تختفي وسط الضباب… عندما اقتربنا سألتني ناريمان: هل تحمل قلما؟ قلت: لا. أخرجت قلما من ثنايا ثوبها الصوفي وورقة وردية وبرتقالة. ثم أشارت إلى صخرة مستوية ثم قالت: أكتب أمنياتك ولا تتعدى تلك الأمنيات رقم خمسة، ثم تناول البرتقالة حتى أعود من ذلك البيت ولا تسأل. ذهبت ناريمان إلى البيت الملون ودخلته دون أن تلتفت ناحيتي. جلست إلى تلك الصخرة لأكتب أمنياتي… لكني أحسست بجوع لا أدري كيف جاء وتسلل إلى معدتي وتساءلت مع نفسي، هذا عالم لا يعرف الجوع له طريق فماذا حصل؟ كانت البرتقالة في يد واليد الأخرى تمسك بالقلم والورقة التي تنتظر كتابة الأماني الخمسة، ولأن الجوع كافر كما كانت جدتي تقول، وضعت الورقة والقلم فوق الصخرة وأكلت البرتقالة. لما أنهيت أكلها اختفى القلم والورقة كأنهما لم يكونا معي، بحثت في كل مكان فلم أجد لهما أثر… جلست إلى الصخرة حائرا وأحسست بخوف لا أدري من أين جاء، هو الآخر، وسط هذا العالم الأخضر… انتظرت عودة البنت… عندما خرجت من باب البيت الملون لم تتقدم نحوي. نظرت إلي من بعيد ثم عاودت الدخول إليه. أصبح المكان باردا رغم الشمس. أغمضت عيني. ربما هو حلم داخل حلم أو كابوس تسلل في غفلة مني إلى عالمي الأخضر… هل خالفت أوامر أمي أم أن الحظ العاثر كان من نصيبي مرة أخرى في هذا العالم؟ أنا خائف ولن أفتح عيني حتى لا يرعبني منظر لا أريد أن أراه… لا.
افتح عينيك قالت نريمان. كانت تحمل قلما آخر وتنظر في عيني ثم أكملت كلامها: لقد قلت لك أكتب خمس أمنيات وكُلِ البرتقالة لا أن تأكُلِ البرتقالة قبل كتابة الأمنيات. هذا خطأك الأول. ثلاثة أخطاء أخرى وستعود إلى حفرتك التي جئت منها. فلما هممت بالكلام قاطعتي: لا أسئلة في هذا العالم قبل أن آذن لك بالكلام. هذه خمس ورقات جديدة أكتب كل أمنية على واحدة وضع على كل ورقة زهرة أقحوان، ثم الحق بي إلى البيت الملون لدي أشياء أخرى تنتظرك. أتمنى أن تكون أمي تنتظرني هناك؟ قلت. هذا خطأ آخر.
سأكتب الأمنيات.

Views: 15

الاخبار العاجلة