الوعي بالتاريخ بين حسن النعمة وتشيسواف ميووش

جسر التواصلمنذ ساعة واحدةآخر تحديث :
الوعي بالتاريخ بين حسن النعمة وتشيسواف ميووش

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

ليس التاريخ في الشعر مُجرَّد وقائع تُروَى أو أحداث تُستعاد، بلْ هو ذاكرة الوجود الإنساني، والمِرآةُ التي يرى فيها الإنسانُ مصيرَه، ويختبر من خلالها علاقته بالزمن والحضارة والهُوية. وكلما ازداد وعي الشاعر بالتاريخ، تحوَّل شعره من التعبير عن اللحظة العابرة إلى مساءلة المصير الإنساني بأبعاده العميقة. ومن هُنا تلتقي تجارب شعرية متباعدة في الجغرافيا والثقافة، لكنَّها تتقاطع في إدراكها أنَّ التاريخ ليس ماضيًا منتهيًا، بلْ قوة حية تتدخَّل في تشكيل الحاضر، واستشرافِ المستقبل.
مِن أبرز هذه التجارب، تجربة الشاعر القطري حسن النعمة ( وُلد 1943 ) الذي ينطلق من تاريخ الأمة العربية والإسلامية، ومن ذاكرة الخليج العربي، ليستخرج منها أسئلة الهُوية والانتماء والنهضة، وتجربة الشاعر البولندي تشيسواف ميووش ( 1911_ 2004 ) الذي عاش أهوالَ القرن العشرين، وشهد الاحتلالات والحروب والأنظمة الشمولية، فجعل من التاريخ مادة للتأمل الفلسفي، والبحثِ الأخلاقي عن معنى الإنسان وسط الخراب.
ورغم اختلاف البيئة الثقافية واللغوية بين الشاعرَيْن، فإنَّهما يدركان أن الشعر لا يستطيع أن ينفصل عن التاريخ، وأن القصيدة الحقيقية ليست وصفًا للأحداث، وإنما هي محاولة لفهمها، وكشفِ أثرها في الروح الإنسانية.
النعمة لا يتعامل مع التاريخ بوصفه زخرفة ثقافية أو استدعاء للتراث من أجل التجميل البلاغي، وإنما يجعله عنصرًا بنائيًّا في تشكيل رؤيته الشعرية، فهو يستحضر الشخصيات والأماكن والرموز الحضارية باعتبارها علامات على استمرارية الأمة، ووسائل لاستنهاض الوعي الجمعي. فالماضي عنده ليس زمنًا منقطعًا، بلْ هو امتداد للحاضر، والحاضرُ لا يمكن فهمه إلا من خلال جذوره التاريخية. لذلك تبدو قصائده مشبعة بروح الوفاء للمكان، والذاكرةِ العربية، والإرثِ الإسلامي، حيث تتداخل الصحراء والبحر، والمدينة القديمة، وصوت الأجداد، معَ هموم الإنسان المعاصر. والتاريخُ في شعره ليس متحفًا للبطولات، بلْ هو تجربة حية تدعو إلى مراجعة الذات، واستعادةِ القدرة على الفعل الحضاري.
أمَّا ميووش، فقدْ وُلد في قلب أوروبا المضطربة، وعاش انهيار القيم تحت وطأة الحروب العالمية، والاحتلال النازي، ثم الحكم الشيوعي، والمنفى الطويل. ولهذا أصبحَ التاريخُ عنده سؤالًا وجوديًّا لا ينفصل عن معاناة الإنسان الفرد، فهو لا يكتب عن التاريخ بوصفه انتصارًا للأمم، بلْ بوصفه امتحانًا للأخلاق، ومَيدانًا تتصارع فيه الحقيقة معَ السُّلطة، والحرية معَ القمع، والذاكرة معَ النسيان.
وتتجلى خصوصية ميووش في رفضه لاختزال الإنسان في الشعارات السياسية، وتأكيده على أن الفرد هو الضحية الأولى عندما يتحول التاريخ إلى أداة للقوة المجردة. لذلك تمتزج في شعره الحكمةُ الفلسفية بالتجربة الشخصية، ويغدو الماضي وسيلة لاكتشاف هشاشة الإنسان، وفي الوقت نفسه قدرته على المقاومة.
ويلتقي الشاعران في إيمانهما بأن الذاكرة مسؤولية أخلاقية. النعمة يرى أن نسيان التاريخ يؤدي إلى ضياع الهُوية، بينما يرى ميووش أن نسيان التاريخ يسمح بتكرار المآسي. ومِن هُنا يصبح الشعرُ عندهما فعلًا من أفعال المقاومة، لا بالسلاح، وإنما بالكلمة التي تحفظ الذاكرة من التآكل. غَير أن طبيعة هذه المقاومة تختلف بينهما. النعمة يتَّجه نحو التاريخ ليعيد بناءَ الثقة بالمستقبل، ويستنهض رُوحَ الأمة، ويؤكد أن الحضارات التي صنعت مجدها قادرة على النهوض من جديد إذا امتلكت الوعي والإرادة. أمَّا ميووش فيتَّجه إلى التاريخ ليُحذِّر الإنسانَ من الغرور الحضاري، ويكشف أن التقدم المادي لا يضمن بالضرورة التقدم الأخلاقي، وأن الحضارة قد تتحول إلى آلة للدمار إذا فقدتْ قيمها الإنسانية.
كما يختلف البناء الشعري في معالجة التاريخ لدى الشاعرَيْن. قصيدةُ النعمة تميل إلى النبرة الخطابية الرصينة، والصور المشرقة، والرموز المستمدة من التراث العربي والإسلامي، معَ حضور واضح للإيقاع، واللغةِ الفخمة التي تستمد قوتها من البلاغة العربية. أمَّا ميووش، فيُفضِّل اللغة التأملية الهادئة، التي تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها تخفي عمقًا فلسفيًّا كبيرًا، حيث تتجاور التفاصيل اليومية معَ الأسئلة الكبرى حول الزمن والموت والعدالة والخلود.
ومعَ ذلك، فإنَّهما يرفضان أن يكون التاريخ سجنًا للماضي. التاريخ عند النعمة طاقة تبعث الأمل، وعند ميووش تجربة تمنح الحكمة. الأول ينظر إلى الوراء ليستعيد أسبابَ القوة، والثاني ينظر إلى الوراء كي يمنع تكرار الكارثة. وفي الحالتَيْن، يصبح الشعر وسيلة لتجاوز الزمن، ولَيس الخضوع له.
ومن اللافت أن الشاعرَيْن يمنحان الإنسان مكانة مركزية في رؤيتهما للتاريخ. التاريخُ ليس حركة جيوش، ولا تبدُّل أنظمة فَحَسْب، بل هو حياة البشر، وآلامهم، وأحلامهم، وانكساراتهم، وقدرتهم الدائمة على البدء من جديد. ومِن هُنا تتجاوز قصائدهما الحدود القومية لتلامس التجربة الإنسانية المشتركة، حيث يصبح الألم لغة عالمية، والحرية قيمة لا تخصُّ شعبًا دون آخَر.

 

Views: 3

الاخبار العاجلة