“بهلوان الكراج” (الفصل السادس) ” المهمة الأخيرة -1- “للكاتب والصحفي الكبير عزوز شخمان

جسر التواصل20 ديسمبر 2021آخر تحديث :
“بهلوان الكراج” (الفصل السادس) ” المهمة الأخيرة -1- “للكاتب والصحفي الكبير عزوز شخمان

جسر التواصل : خص الكاتب والصحفي الكبير الاستاذ عزوز شخمان جسر التواصل بفصول من روايته الرائعة “بهلوان الَكراج ” وجسر التواصل اذ تقدمها للقارئ فانها تقدم عملا روائيا متميزا للاستاذ عزوز شخمان الذي قضى سنوات طويلة في العمل الصحفي ما بين صحافة مكتوبة ومسموعة وكان له حضور بارز في الاعلام الرياضي المغربي والعربي …

عزوز شخمان

                                                                           (6)
                                                                  المهمة الأخيرة

بينما كنت أمضي حثيثا صوب الهاوية في طريقي إلى “المابَين بَين” فيما وراء عتبة الأمان، وقعت في مطبين… كنت أقاوم جاذبية السفر في زمنين مختلفين وأخوض تجربة التنقل بين بُعدين اثنين -متضادين- بسرعات متفاوتة، ولم أكن على أهبة. كنت أتساءل بيني وبين نفسي
كيف لي أن أنجو الآن من مؤثرات وتشويش كائنات العالم السفلي المسلطة عن قرب -وأحيانا عن بعد- تلك التي لا تستهدف سوى التلاعب بي وبأفكاري المتجولة ما بين التجاويف وفيما وراء الأبعاد المحسوسة؟
كنت -هذه المرة- أقود سيارتي المهترئة صوب المطار الدولي القريب من العاصمة. وكانت رفيقة عمري تجلس إلى جواري صامتة مطرقة فقد كان لا يفصل بينها وبين المغادرة سوى دقائق معدودة. تلك كانت الحقيقة المُرة. كلانا كان مغادرا نحو اتجاه مختلف وكل واحد منا اختار -مكرها- اتجاهه للمرحلة القادمة والغامضة من تاريخ الأرض. اختارت هي العودة إلى حيث التقينا أول مرة!
تراها ما تزال تفتقد الأماكن، والناس، والذكريات، رغم طاغوت الواقعة الكونية الأخيرة التي اجتاحت السطح؟ أما تزال مصرة على زيارة مراتع الشباب وتقليب صفحات كتاب يعرف كلانا -في قرارة نفسه- أنه طوي إلى الأبد بعدما تمزقت أجمل صفحاته؟ وما خدشته إلا أيادي ذلك الأخطبوط المجهول المتربص الذي كرس شروطه المطلقة بلا هوادة ومن دون اقتراع ولا استفتاء! ها هي نفس السبل التي جمعت بيننا عمرا بحاله تفرق بيننا اليوم!
كان الوداع موجعا عند محطة المغادرة. كنت موقنا أن وجهها سوف يمسي آخر وجه آدمي أراه قبل الصعود إلى الهاوية. لم أكن لأختار اتجاهي المقبل عن طواعية فقد كانت رياحه وأرواحه تجذبني جذبا إلى القاع. عدت صوب الطريق السريع (66)، تتقاذفني الهواجس من كل جانب بعدما أصبحت وحيدا في أقصى درجات العزلة… وها هي الفرصة السانحة تحل أخيرا لكل أولئك المتربصين في خفاء. إنها لحظتهم الفريدة والأخيرة للانقضاض… فقد صرنا على خط التماس وكنت أدرك أن لا مساس. ومع ذلك بدأت أستشعر حضورهم المكثف. إنهم حتما في زاوية معتمة من تلك العتمات الزمكانية المشتركة بين العوالم…
هل تراهم الآن يتجسسون على نواياي ويختبرون تماسكي؟
هكذا أخذت أتساءل مع نفسي وأنا أحاول التركيز في سياقتي. انحرفت نحو الجهة اليسرى من الطريق السريع وولجت مخرجا جانبيا يختصر المسافة نحو كراج شارع القيامة بالعاصمة، لكنني بمجرد ما لامست قدمي اليمنى دواسة السرعة حتى وجدتني أخترق غيمة داكنة. أخذت التكوينات الضبابية الغامضة تنتصب أمامي وتلتف وتتغشى قبل أن توجهني نحو مسار مجهول. لم يكن ذلك إلا تمهيدا لدخولي القسري إلى حيث تنتظرني المتاهة.. إنها نفسها البوابة التي ظلت تحتجزني ذهنيا ونفسيا في منطقة ما وراء الأبعاد لسنوات طويلة.. هنالك حيث يندمج الواقع الملموس مع عوالم التيه. كانت جاذبية الجوف تجذبني بذبذباتها وكلاليبها “الكهرومغناطيسية” الخفية. وكنت أنجرف نحو دائرة الإعصار الجوفي… هناك حيث تربض كل الكينونات المتربصة، ومن حيث تنبعث أسوء مخاوفي. كانت مقاومتي شديدة هذه المرة رغم اشتداد جاذبية ورياح العوالم السفلية. وكان علي اجتياز دهاليز وسراديب معتمة ومعقدة، واختراق أضواء متقطعة وموجات سديمية داكنة، تخللتها أدخنة منبعثة من مداخل ومخارج بلا نهاية. ثم العبور من المنعطفات والمنحدرات بسرعات قياسية لا تماثل سرعات السطح المتباطئة.. كانت النداءات المتوعدة تتوالى، وأنا أجاهد للحفاظ على تماسكي مستعملا أقوى أسلحتي.. التركيز المضاد للتخاطر البعدي. كان لا بد لي من الإبقاء على صفائي الذهني وهدوئي النفسي بمعزل عن تلك المؤثرات… بعدها بدأت تتكشف لي الرؤية وكانت تسبقها رؤى تترى.

كنت ما أزال ٲقود سيارتي لكنها صارت تبدو متأرجحة بين الدوامات الارتدادية كأنها انصهرت في جاذبية مضادة للجاذبية. كنت أشعر بنفسي كأنني ٲقود سفينة فضائية أو غواصة جوفية. ولم يكن يشغل بالي آنذاك كيفية النزول من قمة الأسفل، أو خطورة السقوط إلى الهاوية. لقد كنت أصلا في أحشائها. ولن تكون سقطتي الوشيكة هاته أسوء من سابقاتها، أما احتمالات الموت فكانت آخر ما يشغل بالي لأنني كنت موقنا بأن لي معه موعدا لن أخلفه.. فما الذي يمنعني ألا أطلبه!؟  (يتبع)

Views: 10

الاخبار العاجلة