“بهلوان الكراج” الفصل الثاني ” السيرك أخر الزمان! -1-” للكاتب والصحفي الكبير عزوز شخمان

جسر التواصل6 ديسمبر 2021آخر تحديث :
“بهلوان الكراج” الفصل الثاني ” السيرك أخر الزمان! -1-” للكاتب والصحفي الكبير عزوز شخمان

جسر التواصل : خص الكاتب والصحفي الكبير الاستاذ عزوز شخمان جسر التواصل بفصول من روايته الرائعة “بهلوان الَكراج ” وجسر التواصل اذ تقدمها للقارئ فانها تقدم عملا روائيا متميزا للاستاذ عزوز شخمان الذي قضى سنوات طويلة في العمل الصحفي ما بين صحافة مكتوبة ومسموعة وكان له حضور بارز في الاعلام الرياضي المغربي والعربي …

عزوز شخمان

السيرك أخر الزمان!

12
حين فتحت عيني.. هالني أن وجدت نفسي أسير وسط موكب من السائرين والسائرات وأخوض مع الخائضين والخائضات. سألت أول كينونة صادفتها بجانبي..
إلى أين ترانا سائرون أيتها الكينونة المستعجلة؟
رمقتني بامتعاض وردت بلهجة لا تخلو من استنكار مشيرة بأصبعها نحو إحدى المنشآت الفخمة:
هل جننت لا شك أنك تمزح.. من لا يعرف وجهتنا اليومية المفضلة نحو المسرح الذي لا تنقضي عجائبه. إننا متجهون إلى سيرك آخر الزمان…
قالتها بحماس زائد وهي تواصل سيرها بانفعال لا تلوي على شيء. اقتربت من المبنى الدائري الهائل شديد الفخامة كان شبيها بالمنشآت والمؤسسات الحكومية والبرلمانية الآدمية. كان الاقبال شديدا وأجواء الصخب وصدى الأصوات المتداخلة والهتافات المتعالية توحي بطقوس المهرجانات الشعبية الاجتماعية الفنية منها والرياضية… وأجمل ما في الأمر أن الدخول كان بالمجان. لما رفعت رأسي نحو البوابة قرأت العبارة التالية:
من كل فن طرف ومن كل خدعة لون..
وزعت نظراتي البانورامية عبر الانحاء في ذلك المسرح الهزلي الجامع والشاسع، فهالني ما لمسته من تنوع وتنافس ونشاط في صفوف الفرق الفلكلورية المؤثثة لهذا المهرجان الكوني البديع الذي كانت ترعاه المؤسسة الأخطبوط.. كل الفرق البهلوانية كانت حاضرة ومنهمكة في أداء فقراتها بتفان واحترافية عالية، بداية بطابور المهرجين من متزحلقين، ومنقلبين على بطونهم، ومنبطحين، ومتسلقين، ولاعقي أحذية.. كانوا يضعون على ظهورهم يافطات تحمل كلمات وأسماء رنانة من قبيل.. “حزب” “نقابة” “منظمة” و”هيئة مدنية” و”هيئة غير مدنية”… وغير بعيد عنهم في المكان المقابل لمحت نشاطا مكثفا “للمتطوعين” والمناضلين “النطاطين” بقمصان وأسماء براقة مثل “فيدرالية ديموقراطية حقوقية” و”معارضة شعبية” و”حركة دستورية” و”جمعية تطوعية”. كانت جميعها تتبادل أدوارها الهزلية الساخرة -المثيرة للسخرية – والتي تنتزع بين الفينة والأخرى تصفيقات حارة من جمهور المتعاطفين والمعجبين فاغري الافواه.. بينما كانت تتبارى “هيئات” مماثلة ثقافية وإع لامية “مدنية” و”غير مدنية”، في استعراض قدراتها السحرية الخارقة في التضليل والتعتيم والتزييف، فكانت وصلات الوعود المعسولة الكاذبة والمزايدات السخيفة والمغالطات “السمجة” أكثر العروض التي حظيت بالاستحسان حيث قال لي من كان يجلس إلى جواري دون أن أسأله:
هل تدري أن أفضل هذه الوصلات سيتم ترشيحها لنيل الجوائز الكونية الرفيعة التي تجري مراسيمها ضمن أسمى المهرجات الجوفية الموحدة التي يطلق عليها اسم الألعاب الأولمبية البهلوانية للمكر والتدليس والتضليل؟!
تطلعت الى الجماهير الغفيرة لرصد درجة تفاعلها مع هذه الفقرات “الإبداعية”.. كانت المدرجات زاهية. اكتشفت أن الصفوف الأمامية تحتكرها النخبة من حاملي الأقنعة والمظاهر الإبليسية الرسمية. تليها طبقة الكلاب الضالة والضباع المتلهفة (المميزة بأصواتها المفزعة وأنيابها المكشرة). ومن ورائهما مباشرة طابور البهائم البقرية المهجنة، والحمير الناهقة، والبغال الرافسة. أما الصفوف الخلفية فكانت مخصصة -كالعادة- لقطعان الماشية “التي أتلفت مشيتها” من خرفان ونعاج و”ماعز أليف”. بينما كنت أجلس وسط أسراب الصراصير النطاطة المتحولة من أمثالي! وبعد مدة طويلة من العربدة الهستيرية لاحظت قطعان الزرافات الفضولية وهي تتدافع مشرئبه بأعناقها المتطاولة نحو نقطة ما من الساحة، فسارعت بدوري الى التطاول بعنقي أملا في إشباع فضولي -حتى كدت أكسره- قبل أن أنجح في رؤية أفواج من الكائنات العجائبية تتقدم الصفوف لاستعراض ذروة العروض وأكثرها سخافة وفرجة على الاطلاق.. لقد جاء الدور الآن على نخبة المحترفين.. ومن غيرهم؟ إنهم كبار السحرة والحواة من أصحاب كرات “الحلول السحرية” وحاملي “الجراب الخفي” ومروضي العفاريت والتماسيح الشبحية. كان يتزعمهم أولئك النجوم من أمهر اللاعبين والممثلين “الدراميين” و”الهزليين” قادة الأحزاب والمنظمات والهيئات المنتخبة الموالية منها والمعارضة للأخطبوط. ساد جو مهيب من الصمت والترقب.. ثم انطلقت الفرجة! ومن أول لمسة من هذه النخبة من السحرة البهلوانيين تأكدت من”جدارتهم” ومهاراتهم الاستثنائية التي ظلوا يستقطبون بها الجموع الصاخبة ويتلاعبون بهم كيفما يشاءون يمينا وشمالا. كان لا بد لي من الانبهار بدوري من فرادة الأساليب الخادعة والماكرة التي كانوا يحركون بها الجموع الهستيرية المهلوسة. كانت لديهم بالفعل قدرات خارقة في التدليس والتمويه والتنويم مع مهارات مغناطيسية فذة وشديدة الفعالية والتأثير. كانت المدرجات تضج صخبا، وتهتف بأسمائهم، وتهتز لزخم العروض وارتفاع الإيقاع ما بين ثغاء ونباح وعواء ونهيق، عندما انتابتني موجة من الارتياب والحيرة إزاء هذه الفانتازيا الغرائبية التي تهيأ لي أنني عاينت مثيلا لها في حياة سابقة! إنها نفس العروض البهلوانية تتكرر في كل زمان ومكان، هي هي…! تكاد لا تختلف هنا أوهناك.. كما فوق كما تحت.. كما الجوف كما السطح.!
بدأت أتساءل مع نفسي: أليس هؤلاء هم أعمدة المؤسسة الهرمية العابرة للأبعاد تمارس دورها الأزلي في ضبط إيقاع الجماهير الغفيرة من المجتمعات والقبائل والشعوب قبل أن يتولى سيرك “الجنون فنون” زرع أمصال المتعة وشريحة “الجذبة الهستيرية “في شرايين الكينونات القطعانية المتكلسة؟
كان مجرد سؤال بريء براءة ذلك الذئب الذي كان يخطر على بالي!

 

Views: 10

الاخبار العاجلة