الكاتب والباحث طارق المعروفي يكتب :”الذكاء الاصطناعي : بين المساعدة والاتكالية.”

جسر التواصل22 يونيو 2026آخر تحديث :
الكاتب والباحث طارق المعروفي يكتب :”الذكاء الاصطناعي : بين المساعدة والاتكالية.”

طارق المعروفي
حضرت يوم الاثنين الماضي لقاء ثقافيا نظمته إحدى الجمعيات تحت عنوان ” الكتاب وتحديات الرقمنة “. وقد تناول العرضان المقدمان خلال اللقاء، واقع الكتاب في ظل التحولات الرقمية المتسارعة، وما تطرحه من فرص وتحديات أمام القراءة والنشر والمعرفة. غير أن النقاش الذي أعقب العرضين اتخذ منحى آخر، إذ انصب اهتمام أغلب المتدخلين على الذكاء الاصطناعي، وما يثيره من تخوفات وتساؤلات بشأن تأثيره في مستقبل الإنسان والعمل والإبداع.
وقد استرعى انتباهي هذا التحول في مسار النقاش، لأن موضوع الكتاب والرقمنة سرعان ما تراجع أمام الحضور القوي للذكاء الاصطناعي في النقاشات الثقافية والفكرية المعاصرة. ولأنني سبق أن تناولت هذا الموضوع في أكثر من مناسبة، متحدثا عن فوائده وإمكاناته وآفاقه المختلفة، رأيت أن أعود إليه من جديد، خاصة في ظل تزايد الحديث عنه بين من يراه ثورة تقنية واعدة، ومن ينظر إليه بعين الحذر والتخوف.
لقد أصبح الذكاء الاصطناعي في السنوات الأخيرة موضوع الساعة، إذ لا يكاد يمر يوم دون الحديث عن تطبيقاته وتأثيره في مختلف مجالات الحياة. غير أن تسمية ” الذكاء الاصطناعي” تثير أحيانا نقاشا واسعا، لأن الذكاء الحقيقي يبقى صفة إنسانية مرتبطة بالوعي والإبداع والقدرة على التفكير النقدي. أما ما يسمى بالذكاء الاصطناعي، فهو في الحقيقة مجموعة من التقنيات والبرامج التي ابتكرها الإنسان لتسهيل إنجاز مهام معينة بسرعة ودقة.
ففي الماضي لم يكن الناس يتحدثون كثيرا عن آلة الحساب السريعة، رغم أنها أحدثت ثورة في مجال العمليات الحسابية. وقد كانت مجرد أداة صنعها الإنسان لمساعدته على الحساب بسرعة أكبر. وبالمثل، فإن ما يسمى اليوم بالذكاء الاصطناعي ليس سوى وسيلة متطورة ، تساعد على معالجة المعلومات والبحث عنها وتحليلها في وقت قياسي.
ولا شك أن لهذه التقنية فوائد عديدة، فهي تساهم في تسهيل الوصول إلى المعلومة، وتحسين جودة العمل، وتوفير الوقت والجهد في مجالات التعليم والطب والصناعة وغيرها. كما تمكن الأفراد من إنجاز مهام كانت تتطلب ساعات طويلة من البحث والتفكير.
ومع ذلك، ينبغي التأكيد على أن هذه التقنية، مهما بلغت درجة تطورها، لا يمكن أن تحل محل الكتاب أو القراءة أو الإبداع الإنساني. فالكتاب ليس مجرد وعاء للمعلومات، بل هو وسيلة لبناء الفكر وتنمية الخيال وصقل الشخصية. كما أن الإبداع الحقيقي يولد من التجربة الإنسانية ومن المشاعر والتأمل والقدرة على الابتكار، وهي أمور لا تمتلكها الآلة. لذلك يبقى دور هذه التقنية مقتصرا على المساعدة وتقديم بعض الحلول والمعلومات، دون أن تكون بديلا عن العقل البشري أو عن الإنتاج الفكري والثقافي للإنسان.
لكن في المقابل، قد يؤدي الاعتماد المفرط على هذه التقنية إلى نتائج سلبية. فإذا اعتاد الفرد على ترك كل شيء لها، فقد يصبح أقل قدرة على التفكير بنفسه، وأقل رغبة في القراءة والبحث والكتابة. ومن هنا تظهر خطورة الاتكالية، التي قد تضعف مهارات الإنسان العقلية والإبداعية مع مرور الوقت
لذلك، ينبغي النظر إلى هذه التقنية باعتبارها أداة مساعدة لا بديلا عن العقل البشري. فالإنسان هو من اخترعها وهو المسؤول عن توجيه استخدامها بما يخدم المعرفة والتقدم. وعندما يتم استعمالها بطريقة متوازنة، يمكن أن تكون وسيلة فعالة لتطوير القدرات البشرية بدل أن تحل محلها.
وفي الختام، يبقى ما يسمى بالذكاء الاصطناعي إنجازا تقنيا مهما، لكنه لا يغني عن التفكير والإبداع والجهد الشخصي. فالتحدي الحقيقي ليس في وجود هذه التقنية، بل في كيفية استخدامها بحكمة حتى تظل في خدمة الإنسان، لأن الإنسان يبدع ويفكر ويبتكر، أما الآلة فلا تفعل سوى تنفيذ ما صُممت وبرمجت من أجله.
Bouchra Bouchra
ما يثير التأمل في هذا الموضوع أن النقاش حول الذكاء الاصطناعي لا يكشف في الحقيقة حدود الآلة بقدر ما يكشف علاقتنا نحن بالمعرفة.
فالإنسان لم يتقدم عبر التاريخ لأنه امتلك الأجوبة فقط، بل لأنه امتلك القدرة على السؤال. و لم تُبنَ الحضارات بكثرة المعلومات، و إنما بعمق الفهم، و بذلك القلق المعرفي الخلّاق الذي يدفع العقل إلى البحث و التأمل و المراجعة و الاكتشاف.
صحيح أن الإنسان استطاع أن يبتكر أدوات مدهشة تختصر الزمن و تقرّب المعلومة و توسع إمكانات الوصول إلى المعرفة، لكن الثقافة في جوهرها لم تكن يوماً مجرد امتلاك للمعلومة. فالمعلومة قد تُخزَّن في كتاب أو في ذاكرة إلكترونية، أما الثقافة فهي ما يحدث داخل الإنسان عندما يحاور تلك المعلومة و يعيد التفكير فيها و يمنحها معنى.
و لهذا يبقى الفرق كبيراً بين من يملك معارف كثيرة، و من امتلك عقلاً قادراً على فهمها و ترتيبها و نقدها و ربط بعضها ببعض. فالثقافة ليست تراكم معلومات، بل بناء رؤية. و العلم ليس حفظ أجوبة، بل تربية مستمرة على التساؤل.
و لعل ما ينبغي أن نستحضره اليوم هو أن أعظم ما يميز الإنسان ليس سرعة الحساب، و لا القدرة على الاسترجاع، و لا معالجة البيانات، بل ذلك المزيج الفريد من الوعي و الخيال و الحدس و الوجدان و التجربة الحياتية. فمن رحم المعاناة يولد الإبداع، و من التأمل تولد الحكمة، و من الاحتكاك بالحياة تتشكل الرؤية. و هذه كلها مجالات لا تُقاس بمنطق الخوارزميات وحده.
و لذلك تعمدت في بعض المواضع ألا أجعل «الذكاء الاصطناعي» محور الحديث أو عنوانه الوحيد؛ لأن القضية أوسع من تقنية جديدة أو أداة متقدمة. إنها في جوهرها سؤال قديم يتجدد مع كل عصر: ما الذي يجعل الإنسان إنساناً؟ و ما الذي يبقى له حين تتسع قدرات أدواته؟
إن الخوف الحقيقي ليس أن تصبح الآلات أكثر قدرة على المساعدة، بل أن يرضى الإنسان لنفسه بدور المتلقي الكسول، فيتخلى طوعاً عن فضيلة القراءة، و متعة البحث، و مشقة التفكير؛ لأن الأمم لا ترتقي بما تملكه من أدوات فحسب، بل بما تملكه من عقول قادرة على توجيه تلك الأدوات.
و من هنا تظل الثقافة خط الدفاع الأول عن إنسانية الإنسان. فهي التي تمنحه القدرة على التمييز بين المعرفة و الحكمة، و بين المعلومة و الفهم، و بين سرعة الوصول إلى الجواب و عمق إدراك معناه.
فقد تستطيع الآلة أن تجمع آلاف الصفحات في لحظات، لكنها لا تستطيع أن تعيش تجربة إنسانية واحدة. و قد تستطيع أن تصف المشاعر، لكنها لا تستطيع أن تشعر بها. و قد تنتج نصوصاً كثيرة، لكنها لا تعرف معنى أن يخرج الفكر من معاناة صاحبه أو أن تولد الكلمة من صدق التجربة.
و لهذا سيبقى مستقبل الإنسان رهيناً بما يحفظه من مساحة للتأمل الحر، و للقراءة العميقة، و للعلم الذي ينير العقل، و للثقافة التي تهذب الروح.
فالذكاء الاصطناعي، مهما بلغ من تطور، يظل شاهداً على عبقرية الإنسان لا منافساً لها؛ لأنه ثمرة من ثمار العقل البشري، و صدى لقدراته الخلّاقة.
و من هنا يمكن القول:
«الذكاء الاصطناعي شاهد على عبقرية الإنسان، لا دليل على تفوق الآلة عليه؛ لأن المخلوق لا يسمو على من أبدعه، و الأداة لا تتجاوز العقل الذي صنعها.»
و كلما ازدادت الأدوات ذكاءً، ازدادت حاجة الإنسان إلى أن يكون أكثر وعياً؛ لأن قيمة الحضارة لا تُقاس بما تصنعه الآلات، بل بما يبقى حياً في العقل و الروح و الضمير الإنساني.
 

Views: 21

الاخبار العاجلة