سعيد غزالة

الحلم…
شيء يحفر في الذاكرة كنقش بابلي مبهم الرموز عميق القراءات، يبقى لا يبارح المخيلة كلما حن الخاطر للطفولة… كان يزورني، يعيدني إلى حنين جميل مرتبط بلقطة من مسلسل لا أتذكر عنوانه لكنه يعرض للقاء حبيبين أحدها جاء على حصان في موعد اللقاء قرب نبع ماء لكنه لم يجد حبيبه في انتظاره ليعلم خبر قضاء محبوبه بحمى الفراق… يتملص الحصان كأنه خبِر الحدث فيعدو مبتعدا أو قاصدا قبر القاضي بلا وداع. لقطة غروب كانت أجمل وقت للقاء، لكنه صار غروبا جر معه روحا كانت هي كل اللقاء… كان تلاشي الحصان في غبش الغروب مرتبط بضياع ما. زرع في نفسي حاجة دائمة لبكاء غير مبرر على فقدان شيء لا أدرك كنهه يعتمل في داخلي. عنف. خوف. ضياع. لا أدري كيف أفسره أو أجد له كلمات تعبر عنه. لكنه حلم تدخّل في تصميم حياتي المابعدية!
وتبقى الأحلام وأضغاثها تختلط بحقائق ورغائب عجزنا عنها ونحن أطفالا… فلربما عجز الصغار مشفوع بقلة الحيلة، لكن هذا العجز سيلازمنا حتى ونحن كبارا. فما شفيع عجز الكبار!؟… لم نستطع أن نكبر، رغم السنين، لأن أقدارنا ارتبطت بهذه الأرض ومالكيها ومالكي مصائر أهالها… الذين وزعوا الكعكة بالقسطاس المبين فيما بينهم، وبقي للبقية ممن ذاقت الويلات، من أجل وطن، فتات هم فيه مستصرخون!
كلما أعاود عد صفحات طفولتي أجدني عاجزا على ترتيبها أو تصنيفها. فكثير من ذكرياتي كانت كشهاب راجم وبعضها استعصى عليها حتى الزحف على بساط لين.
صفحات ارتبطت بمسيرة تعطيلات وتعديلات لا منهجية، فكنا جيلا أجريت عليه كل التجارب المخبرية من أجل صناعة وطن أو شبه وطن بحصيلة بضع سنين هي عمر استقلال يراوح مكانه ويحاول أن يرتدي حلله التي أضاعت مقاساتها التي كانت سلسلة أحلام محا ألقها واقع سفه كل النضالات.
كانت البدايات متعثرة اختلط فيها الصدق بالكذب والأماني العِذاب بالمرارات المتلاحقة… كان صعب علينا ونحن نتلمس البدايات أن نعلن النهايات أو نجيب على أسئلة لم تطرح لكنها كانت أسئلة كامنة وحارقة. لربما هي هذه الأنا ما تنضح بهذا السيل من السوداوية والتحيز للتذمر والسخط. إنها تتسلل بمكر وخبث فتنطق فيَّ مسكوتا منهزما وخوفا مرعبا… نوع من التماهي المفرط في التوهم. فتبقى الأحلام عزاء ما لا عزاء له وملجئا لقلة حيلتنا نعوض بها، وإن وهما، بعض الرغائب كما العادة السرية.
حياتنا عبارة عن سلسلة أحداث يومية تعاود نفسها ليلا بشكل مغاير كتعويض عن إخفاقات بالجملة إلى تماهيات لسعادة مؤقتة يقطعها استيقاظ قسري.
“شفت خِيرْ وْسْلامْ ف لَمْنام بْحال إلى…”(9)
فتبدع التفاسير، التي تزرع بعض الأمل في القلوب، وتحذر بعضها من مغبة أو مصير مكتوب… (ترغيب وترهيب)، إلى صناعة شكل حياة موازي لمعيش هو دخول إلى نفق مظلم بلا مخرج. كان الحلم ملجأنا كما الخمر والميسر والأنصاب… والأعشاب! ملجأنا للتخفيف من قساوة الفشل والحرمان، معيننا على الأمل والانتظار… انتظار ما لا ينتظر. كان الحلم كخرافة “سيدنا قدر” ذلك الضياء الذي يشق ليل سماء ليلة القدر وما على الساهر المنتظر إلا أن يطلب عند تلك اللحظة فيستجيب له الله لكل دعواته… لكن لا ضياء يشق سماء ولا دعاء استجاب له إله… عبث المخيال. وتتوالى ليالي القدر وتتنوع حكايا المعجزات المُفترى علينا بها بلا أمل…
“عِيشة حارة وْتابعاها الموت”(10)
جملة لم تكن تفارق لسان أمي، لصقت بذاكرتي تحمل معاني من الحكمة اختصرت كل واقعنا، نعم، وأجملت بقساوتها عبثية هذه الحياة التي تسحقنا وتستعبدنا وتجعلنا قطيعا لا حول له ولا قوة تابعا لجزرة الحمار… كانت كلما تضيق بها الحياة وتعتصر قلبها المشاكل تتكلم بحرقة بصوت مسموع تعدد فيه تراكما من البؤس والحرمان وتختم بالجملة السالفة الذكر. لم يتحقق شيء من أحلامنا إلا أفراحا قصيرة المدى نقتطف منها بعض سعادة.
وفي كل هذا تفارس تلك الأنا في ميداني تسابق طموحاتي وتنادد رغباتي البسيطة كنوع من تأنيب ضمير منفصل.
ما أزال أحاول أن أتذكر تلك المرحلة الرمادية من ذاكرتي، مرحلة الانتقال من طفولة مستلبة إلى مراهقة مرتبكة… مرحلة غارقة في بئر مظلمة من الغموض كانسلاخ ليل من نهار لا نعيره كبير اهتمام، ولا أوفق. أضيع في حزن عميق صار حالةٌ أوصف بها تلازمني تخيط أثوابها الكئيبة عليّ فترافق بخبث نادر آرائي وتعليقاتي وحتى لحظاتي الحميمة… نادرا ما كنت أغنم بعض الفرح المنفلت في سباق الحياة، حياتي الواجمة.
الخوف، هذا الإحساس الذي لازمني كمغص مزمن، كان سمة ارتيابية في مجابهتي لكثير من المواقف والمواجهات، ولم أكن أجد مناصا من إبدائه وجعله وسيلة للخلاص، وسيلة كانت سببا في تجرأ البعض على استقصاد مضايقتي أو الاستخفاف مني.
الخوف…
نعم، إنه سم زعاف، زحف سحالي في ممرات لزجة مظلمة، وسكون مريب في ليلة ظلماء لا تنتهي… كانت كل الأشياء التي تحيط بنا محيكة بمسميات أو رموز من مظاهر هذا الخوف العتيد، أو تقترن بحكايا تبعث عليه أو تمهد لتجلياته المرعبة… لكنه هو هو، سلاح مجاني سلكه معنا مُربونا حتى يضمنوا لهم بعض الامتياز في ممارسة الحكم والتسلط والإذلال لمن دونهم والذين، غالبا، ما يكونون في حاجة لهم وبدونهم تعتل العلاقات وتختل الميازين.
وكنت أحسني وأنا ما أزال طفلا، كأغلبية أطفال جيلي، مستقصدا بهذا الإرهاب في إفزاعي وإدخالي في دروب الرهاب والارتعاب.
لكن، وفي معزل قصي بعيد عن متناول الأهل، كنت ألجأ إلى مخبئي (وهو عبارة عن فج فوق باب مدخل الدار كان يسعني لوحدي لم يخطر على أحد أو كان مهملا لعدم أهميته لا في التخزين أو غيره من الاستعمالات) الذي كان يحتضن حاجتي للأمان والهدوء… أثثته بمعرفتي البسيطة مما سهت عنه والدتي من أفرشة ووسائد وقطع من “الكارطون” (صفائح من الورق المقوى خاصة بتغليف الأثاث المنزلي وغيرها…)، هناك كنت أراقب الخوف، أتلصص على مخابئه الممكنة أو المتخيلة… كنت أتحرر منه لبعض الوقت لكن لا أستطيع أن أجد منه مهربا عند العودة إلى أحضان الحياة الطبيعية فأغرق في لجه مستسلما لأوهامه، راتعا هو في نفسيتي بلا وازع أو اختيار… وكيف له أن يختار!
كان الخوف في حياتنا الطفولية كما قصصنا المتخيلة ورسوماتنا الغريبة يحمل أكثر من اسم ومن شخصية، فكانت أسماؤه تختلف من مكان لآخر ومن ثقافة لأخرى: بو خنشة، سيدي مسعود، الغول، بو جلود، بو لبطاين، بوعّو… وهذه أسماء ذكورية. أما أسماؤه الأنثوية أشكال وألوان: مولات الواد، قنديشة، خطافت الصبيان، لالة سلامة… هذا عندما يكون متخيلا أو مبتدعا، أما عندما ينتقل إلى أفعال أو يحصل أن يقحم بنا في مشاهدة بعض أشكاله، من ارتداء أقنعة مفزعة لا علم لنا بها، أو أفلام رعب عبر شاشة التلفاز أو السينما أو رسومات… كل أمور تعد من مبتدعات الإنسان الذي نفسه لا تستقر على حال، بل تدعوه دائما إلى افتعال أمور تنبئ عن شر دفين هو من طبعه وإن تطبّع بخلافه.
وسيبقى هذا الخوف ملازمي، وإن تبددت بعض أوهامه وتهيئاته في المخيلة.
كيف كانت تلك الخطوة التائهة التي ولجت بي عالم مراهقتي؟ لا أستطيع أن أجد لها وصفا مناسبا يعطيني الحق في سرد هذه المرحلة، لكن هو أمر واحد لا أكثر من يعزو هذا الولوج المبكر لها. الولع.
كنت مولعا بالجنس الآخر، نعم، أو هكذا حصل… لا أدري لكني منذ حادثة ضبطي مع بنت الجيران بدأت ملامح نزوعي لهذا الأمر تطفو على السطح، بالإضافة إلى شغف بعض نساء العائلة أو صديقات الوالدة بجمالي ولطافتي… (الكيوت) بلغة هذا الوقت. كانت علاقة مبكرة جدا بهذا الأمر، ولم أكن إلا ذاك الكازانوفي الصغير الذي يعد بمستقبل مريب! هذا الولع الجيني كان يؤرقني ويجعلني شغوفا بما لي أكثر من شغف الآخر بي فلا أفوت فرصة سهو لأستغلها في الانشغال بهذا الورم النفسي الذي شغل بال الناس وأرقَّ حاجتهم له بكل المسميات… لكنه واقع قاهر مستبد بلا وازع وإن خندقوه بقوانين وعادات يبقى عند الخلوة داعرا منحطا، سافلا منحلا… هو ولع أيقظ فيّ أولى “دويدات” الكتابة ولعي الثاني الذي لا يقل استبدادا وقهرا عن ولعي الأول… ولا أدري كيف احتفظت بأولى مسوداتي في طرح الغرام والوصف والتي بقيت تتوارى في أشيائي الصغيرة ومهملاتي فلم تمسسها أيادي التمزيق أو تلتهمها نيران لاهبة أكلت كثيرا من مذكراتي وحماقاتي المخطوطة:
“كانت صغيرة كبرعم ندي في بدايات الربيع… وكنت صغيرا كذلك. كدت أن أقطفها قبل أوانها، قبل أوان نمو أوراقها وأوان فوحان عطرها، واكتمال ألوانها النهائية؛ لكني انتظرت قطرات المطر وأشعة الشمس وريح الشمال الباردة، انتظرتها حتى تنمو أمام عيني فأرعاها وأحميها مني قبل أي أحد… أراها تتكامل في رونقها وجمالها، تتناسق حد الاشتهاء وتتماوج خصلات شعرها الناعمة حد الاهتبال… كنت مفتونا بذاك الفيض من الجمال والإغراء، مغرما إلى حد الجنون بها وهي تكتسح خلايا الرغبة الناعمة في، مخضخضة كل رغباتي النائمة والحديثة النمو، العاجزة عن التعبير أو الإفصاح… هي الشمس لما تشرق بعد شهور من اغتمام استوطن في العظام برودة عواطف جليدية… نعم، كانت هي من ولدتني من جديد دون رضاعة ولا فطام، ولم تذق للسهر عناء أو كان لها خبر بأنيني… كنت وليدها لقيط حبها ضحية عشق لا علم لي به ولا لقوانينه المتحولة! وهل كانت تخضع بعنفوانها لأي قانون؟”
أستغرب كيف كان لي، وأنا في بداياتي الأولى لمغازلة اللغة، أن أسود مثل هذه القصاصة بهذا الوابل من المشاعر المترجرجة والغارقة في الهبل؟ لكنها كانت كذلك. ولو أني احتفظت بقصاصات من زمنها لكنت من الأوائل في جيلي لصناعة لغة عشق جديدة بكل جملها المستحدثة وتعابيرها النابضة أحاسيسا بطعم الطفولة والطبيعة. لم تكن هذه القصاصة إلا البدايات الخجلى لاجتراء أولى خطاباتي المهربة مني لها… خطابات كان لها حظ في بقاء ملغوم بالارتياب. وسأرغمك أيتها الأنا الحاقدة على إطلاق سراح واحدة من خطاباتي:
خطاب بلا تاريخ، رسالة عشق بريئة.
“أحب الصباح. أحب ألوان قوس قزح الصافية. أحب قطرات الندى البهية. أحب سكون الليل في ليالي الصيف الندية. أحب شذى ربيع الحقول السخية. أحب تفتح الزهور المخملية. أحب ضحكات الصبايا الشجية. أحب عيون العذارى الشبقية. أحب شفاه الأبكار الشهية. كل هذا الحب الصارخ والمارق والناضح بالتوسل والجمال، أفتتح به هذا الخطاب، أفتتح بهذا الجمال كلاما نضج في مكامن القلب وانتفض معلنا تحرره من خجلي وضعفي. أفتتح خطابي هذا وفرائصي ترتعد وجلا وخوفا أن أخطئ تدبيج صدق مشاعري بكلام يليق بفردوس عينيك اللتان خربتا كل دفاعاتي، وهدمتا كل حصوني، وعرتا كل أستاري وانكفاءاتي… نعم، أيتها الطاغية نورا، والظالمة حسنا، والمتجبرة قدا ودلالا… أيتها الإشراق الفضاح والنهار الوضاح وتجلي البراح. أيتها الفاتنة المنفلتة من قبح اكتسح المعمور، وظلام أعمى الأبصار وأعشى النظر… كيف للعالم أن يصدق أن من الفراغ يولد الإمتلاء، ومن الصدى يخرج الصوت والغناء، ومن الضوضاء ينساب الطرب فيصمت الكون هنيهة كنت أنا فيها كيوبيدي الذي أرشق في قلبي كل سهامه الممهورة عشقا ورعبا! عندما انغرست نظراتك في عيني كانت قد جمعت كل منظور العالم في نظرة واحدة ثم تواريتي بعدها عني متوشحة ب”شال” من حرير فستقي، وتواريتي في خضم من أدغال بشرية بلا ملامح ولا جمال، هي أحراش غابات أمازونية. لحظتها كنت صنما بلا روح يقف مشلول التفكير فاقدا لبوصلة تعيده له… لولا صوت صاحب عربة مجرورة “بالااااك” ما كنت لأبارح انغراسي اللاإرادي أو أتزحزح قيد أنملة. نعم، توقف الزمن وأصبح أوكسجين الحياة في شراييني يصارع من أجل أن يؤدي وظيفته بعيدا عن رعونة هذا الانخطاف الفجائي. هو العشق عندنا يخلخلك من العمق وينفجر من داخلك دون إعلان وبلا مقدمات. هو العشق هذا الزائر الماكث والضيف الطريف الذي يحل عليك فيقلب حياتك رأسا على عقب دون أن تجد له رادعا أو ناصحا، حتى أنك تشل وتصير شيئا تابعا فاغرا فاك بلا حول ولا قوة. هو لحظة الصمت الكونية عندما تصدم أو يغمى عليك… سهوم! قبل أن تعود إليك وقد ولدت بشرا آخر بلا ماضي بلا مستقبل غارقا في دوامة حاضر ندية بذاك العشق، تكون قد أعلنت تلك الولادة المنتظرة. فكنت أنتِ. أنتِ ذاك النور الذي يجد له المنافذ الممكنة كلما عنت له رغبة إنارة قلب مكلوم أو تدفئة فؤاد معلول. أنتِ ذاك العشق الذي أعاد خلقي من جديد حتى ما عاد يهمني من أكون وأين أنا ومع من كنت أو سأكون!!
لا تستغربي إغراقي في جمل ومعاني أتعمد تنميقها واستعراض عضلاتي الأدبية فيها، لكنها صادقة كالصرخة الأولى… لا أدري إن كنت جريئا كما أسلوبي حتى أعترف لك بعشقي لتينك العينين اللتين مرغت بروحي كل ممرغ، وحفرت فيها أخاديد غائرة؟ أعترف لك بأنني قد علقت بشباكك وصرت طعاما لغواياتك، وشريد عطائك، وحارس أحلامك، وأسير عطفك ورضاك. أعلم أن هذا الاستجداء قد يقلل من قيمة ما قد تتخيلينها لدي! لكن لا أجد مناصا من أن أطلق لتعابيري العنان لتفصح عنها دون قيد ودون تفكير. فالعقل، في الكثير من الأحيان، يكون قيدا لعواطفنا، كابحا لمشاعرنا… وأنا هنا وعبر كلماتي الوجلة في العمق أطارحك حبي البريء الطري الغر. أطارحك عشقي الجافل والحافل بكل معاني الصدق الممكنة والتي أجدني فيها أنا بكل ما أملك، أحملق ببلاهة إلى بهائك مستسلما إلى جبروتك الفردوسي. لا أملك إلا أن أقول لك: أعشقك.”
Views: 19
























