الحلقة التاسعة والعشرون

جريدة جسر التواصل: منذ بدايتك اعتمدت خط الطرب الشعبي باختيارك فن العيطة ولم تحد عنه، فهل ستبقى محصورا لهذا اللون الغنائي، أم ستجرب ألوان غنائية أخرى مثلا أغاني شبابية؟
الحسين السطاتي فن العيطة هو فن تراثي أصيل ويشكل جزءا من هويتنا المغربية، والجميل أنه يندرج ضمن فن الأغنية الشعبية، وله إشعاع كبير وجمهور عريض، لهذا سأظل مخلصا لفن العيطة، ومن أهدافي الحفاظ على هذا التراث الأصيل والتجديد فيه، وغناء كل ماهو نابع من إحساسي وأعماقي، وخصوصا أن صوتي يساعدني على أداء لون العيطة الذي يرضي قناعاتي، هذا إضافة أنني أكتب وألحن وأغني أغاني شعبية ذات مواضيع عاطفية واجتماعية وهذا ما دأب عليه فنانو العيطة من “اشياخ وشيخات. وأنا جد فخور بما أقدم من فن تراثي أصيل وأجدد فيه سواء من ناحية الجانب الفني الغنائي أو من ناحية الجانب الأدبي.

جريدة جسر التواصل: ما هي أوجه أزمة الأغنية الشعبية المغربية ومنها العيطية؟ وكيف ترى الحلول المناسبة لها؟
الحسين السطاتي: لكل عصر أغانيه الشعبية، تماشيا مع روح العصر والتطور التكنولوجي، نحن دائما نتطور ونتجدد، والفن الذي لا يتطور يموت، كذلك الشأن بالنسبة لفن العيطة الذي نمارسه، دائما هناك عقبات وحواجز، وبالنسبة للأغنية العيطية فهذه الأغنية التراثية كانت ومازالت وستظل حاضرة في كل المحافل الفنية،بما في ذلك :الأعراس، والمناسبات الوطنية، وحفلات العقيقة، وفي الملتقيات الأدبية، وفي المهرجانات والمسرح وحتى في ساحات الشوارع “الحلقة”…وبالنسبة للحلول أقترح جعل أجنحة ملحقة بمعاهد الموسيقى تهتم بالتراث الموسيقي ومنه فن العيطة، خلق فضاءات فرجوية مهرجانات ومواسم عبر قرى ومدن المملكة، دمج التراث العيطي ضمن ملتقيات أدبية، توقيعات كتب، وصالونات أدبية، إدراج موسيقى العيطة ضمن برنامج التربية الفنية في المدارس، دعم البحوث الأكاديمية المتعلقة بهذا الفن التراثي، إدخال العيطة ضمن الأعمال السردية من قصة ورواية ومسرح وسينما، الدعم المادي للفناني المجددين والمبدعين في الأغنية العيطية.
جريدة جسر التواصل: ماذا أضاف الفنان الحسين السطاتي لفن العيطة؟ وماذا أضافت العيطة للحسين السطاتي؟
– الحسين السطاتي: الفنان الحقيقي هو الذي يضيف إلى فنه، إذ لا يمكننا أن نركن إلى التقليد والتمجيد من أجل التخليد، فلابد لنا من الخلق والإبداع و التجديد إذا أرضنا أن نذهب بهذا الفن إلى بعيد، نحن نغني من تراث الأجداد نغني قصائد الأمس، تلك الروائع الخالدة، وإذا اكتفينا بالتقليد فماذا ستغني الأجيال القادمة، إذا نحن لم نطور أنفسنا ونضيف إلى هذا التراث مع الحفاظ على هويته الطربية العيطية سيندثر هذا الفن، والتراث الذي لا يتطور يموت، قمت بالبحث عن بعض العيوط الغابرة من تراث العيطة المرساوية وتراث العيطة البلدية الفيلالية، وأضفت إليها الكلمات والألحان بعد حذف كلمات بدت لي أنها كانت دخيلة على النص الأصلي للقصيدة، وطرحتها للسوق الفني بحلة جديدة أمثال: عيطة البيضة، وعيطة العين، وعيطة ألباس، وعيطة ركوب الخيل” حيث صار النص مكتملا والصور الشعرية به واضحة. كما قمت بتجديد في الكلمات لعيطة الساكن مع الحفاظ على اللحن، وذلك لإخراجها من طابع النمطية، كما هو الحال في عيطة “العلوة” وعيطة “زمران”، التي كانت قصائدهما تحمل أبياتا شعرية تدخل في خانة الشرك بالله واعتاد الجمهور على سماعها وكأنها تدخل ضمن النص الأصلي للقصيدة العيطية..وأدخلت فن العيطة في كتاباتي الأدبية في كل من المقالة والقصة والرواية والمسرح..كما أن فن العيطة صار حاضرا معي في لقاءات فنية أدبية وخلال توقيعات كتب لمؤلفيها، وهذا في حد ذاته يعتبر إضافة نوعية لفن العيطة. أما بالنسبة للشق الثاني من السؤال، ففن العيطة قد أعطاني الكثير، أعطاني حب الجمهور، حب الناس الذي لا يقدر بثمن، وملأ وقتي بصفتي متقاعد، ويشكل مادة أساسية في كتاباتي الأدبية بصفتي كاتب قاص وروائي وشاعر زجال ومسرحي، إضافة أنه يعطيني دخلا ماليا من خلال إحيائي للحفلات والسهرات والمهرجانات..
جريدة جسر التواصل: يلاحظ بين الحين والآخر انتشار تسجيلات فيديوهات على مواقع التواصل الاجتماعي لبعض الفنانين متدمرين ومستائين من إقصائهم وعدم مشاركتهم في المهرجانات الوطنية، ومن الظهور على القنوات العمومية التلفزيونية المغربية، متهمين جهات معينة بالزبونية والمحسوبية والرشوة والسمسرة، في المقابل احتكار أسماء معينة واستفادتها المتكررة بالمشاركة في العديد من المهرجانات، فما رأيك في ذلك بصفتك فنان شعبي؟
الحسين السطاتي: لقد شاهدت مرارا بعض من هذه الفيديوهات، وبعض هذه الخرجات النقدية لبعض الفنانين، لكن بالنسبة لي ليس لذي أي دليل أو برهان أتخذه كمرجع ولا أتوفر على أية حجة أو سند مادي أرتكز عليه لأتهم جهة معينة بالتواطؤ والرشوة والسمسرة.. كل ما يمكنني أن أدلي لكم به أنني شاهدت مرارا وخاصة خلال فترة الصيف أن هناك مجموعة من الفنانين الشعبيين وخاصة المعروفين قد تكرروا عدة مرات في مهرجانات متعددة عبر الوطن، ويظهرون بتكرار على القنوات التلفزيونية المغربية، وفعلا هم فنانون مشهورين لهم شعبية كبيرة ولهم حضور متميز في الساحة الفنية المغربية، ومنهم من له تألق يتعدى ثلاثين سنة، ومن حقهم المشاركة في عدد من المهرجانات لأنهم بكل بساطة مشهورين ومتألقين، ويطلبهم الجمهور المغربي، ومن طبيعة الحال فهم يتوفرون على كل الضمانات القانونية والفنية ليعتلوا منصات المهرجانات الفنية، كما استفاد عدد كبير من الفنانين المبتدئين في الشهرة، واعتقد أنه لا يمكن إرضاء الجميع، بل على الفنان أن يجتهد ويكون ذكيا ليصل إلى هدفه وإلى الجمهور، ويسلك جميع الطرق التي تؤدي إلى منصة المهرجانات كما سلكها الآخرون.
جريدة جسر التواصل: أحيانا في حفلاتك وسهراتك نراك ممسكا وعازفا على آلة الكمنجة وأحيانا نراك بدونها، ما السر في ذلك؟
الحسين السطاتي: ذلك حسب نوعية السهرة والحفلة وطريقة تواصلي مع الجمهور، أدرس الحالة التي أنا فيها والتي ستجعلني أكثر قربا وتفاعلا مع الجمهور، هذا من جهة ومن جهة أخرى إذا كان برفقتي عازف كمان آخر ماهر أتركه يعزف وأمسك أنا بالميكروفون وأتفرغ للغناء والتقرب والتفاعل مع الجمهور أكثر.
جريدة جسر التواصل: ماهي نظرتك إلى الوسط الفني الغنائي الشعبي ؟
الحسين السطاتي: أقول لك بكل صراحة، أنا جد متفائل لما وصل إليه الفن الشعبي المغربي، نجد غزارة في الإنتاج وهناك أصوات جميلة، والأغنية الشعبية لها إشعاع، وتلقى قبولا كبيرا من طرف الجمهور سواء داخل المغرب أو خارجه، لها انتشار واسع، لدينا مواهب كثيرة وصار لدينا حقل إعلامي متنوع بما في ذلك السمعي والبصري والمكتوب وحتى التواصل عبر المواقع الالكترونية، كل هذا زاد من انتشار الفنان وشهرته، فنحن في الثمانينات لم تتح لنا مثل هذه الفرص، وأقول هناك دائما خلف في جميع الميادين الفنية، وأظن أن الخلف سيكون أحسن من السلف، لا أقول صراع أجيال بقدر ما هو تكامل أجيال.
جريدة جسر التواصل: هل يكفي التمتع بصوت متميز والموهبة من أجل تحقيق النجاح؟
الحسين السطاتي: إن الصوت وحده ليس كافيا، لابد أولا من أخلاق الفنان وثقافته، والبحث والاجتهاد، إضافة إلى التواصل مع الجمهور عبر وسائل التواصل الاجتماعي إلى جانب الاستعانة بطاقم يتولى تدبير مجموعة من الأمور المرتبطة بأجندة السهرات، والمشاركة في البرامج التلفزيونية والإذاعية، والإشراف على الدعاية الكبيرة، كلها عوامل ساعدت في انتشار فنانين ليست لهم أغاني أو رصيدا فنيا، وتمكنوا من فرض أنفسهم في الساحة الفنية، أعتقد أن الشكل مهم لكنه لن يضمن استمرارية الفنان.
جريدة جسر التواصل: ما الذي تبحث عنه عند التحضير لأغنية ؟
الحسين السطاتي : بوجه عام لا بد أن أعتمد على الكلمات الهادفة المختلفة التي توصل معاني مهمة بشكل سهل، سواء مواضيع اجتماعية أو عاطفية، والتي تنقل الرسالة التي أود أن أوصلها للمتلقي، وفي الوقت نفسه تكون جديدة ومؤثرة ، وذلك إلى جانب اللحن والتوزيع، كل هذه أساليب صناعة أغنية جديدة ، وهذا ما أبحث عنه، وأسعى أن تتضمن أغنياتي قضايا إنسانية اجتماعية تهم الناس وتعبر عنهم، ليس مجرد كلام ممزوج بموسيقى فقط، .إضافة إلى إعادة تسجيل ” العيوط” الكلاسيكية في حلة منقحة للحفاظ على تراث العيطة، وقد عمدت إلى إضافة الموال وجمع بعض الأبيات المبتورة وتنقيحها لتصير القصيدة العيطية مفهومة من طرف المتلقي.
جريدة جسر التواصل: يقول البعض أن فن العيطة به كلمات ساقطة ومبتذلة يعني كلمات “عيب ” وحشومة”، يخجل أن يسمعها الأشخاص أمام العائلة مجتمعة، ما رد الحسين السطاتي عن هذا؟
الحسين السطاتي: هناك من الأشخاص من لا يميز بين الأغنية العيطية والأغنية الشعبية، لأن العيطة هي نوع من الأغنية الشعبية، لكن العيطة هي فن موسيقي غنائي تراثي، توارثناه من الأجداد عبر التواتر بالشفوي، وكل شيء شفوي تكون فيه الزيادة والنقصان، إضافة أنه أي إبداع فني كيفما كان نوعه سواء تشكيل أو رسم أو نحث.. تجد فيه العمل الجيد والعمل الرديء، وبصفتي كفنان شعبي “شيخ للعيطة” لقد أضفت وحذفت من العيطة حسب رغبتي، إذن هو اجتهاد شخصي مني، ولا لوم لفن العيطة في ذلك، أما من ناحية الإيحاءات الجنسية في الرقصات فالمتلقي هو الذي يترجم ما يسمعه وما يشاهده حسب تصوره وفهمه، فنحن “رباعة الشيخات” نكون حينها في عرض فني، يعني لحظة ابداع فمثلا رقصة القردة “شطحة لقرودة” في عيطة الغابة من العيطة الغرباوية تكاحي فيها الراقصات”الشيخات” حركات القردة ذاخل الغابة بما في ذلك من تعاركهم وشغبهم ولهوهم.. أما من ناحية شعر القصيدة العيطية فلا أعتقد أنه به كلمات إباحية أو بورنوغرافية، لعدة أسباب أولا لأن المجتمع كان مجتمعا جد محافظ في الفترة التي ظهر فيها فن العيطة، ومن جهة أخرى كانت العقوبات رادعة للفنانين وهي عقوبات قاسية قد تصل إلى الإعدام بأبشع الطرق كدفن الشيخة وهي حية، فالقصيدة العيطية تتناول مواضيع عاطفية ايروتيكية، وليست إباحية فهي تسمي العلاقة الحميمية بين الرجل والمرأة في بعدها الجمالي، في بعدها الإنساني، كما نجد هذا في الشعر اليوناني القديم وكذا في شعر دول أمريكا اللاتيني وحتى في الشعر الجاهلي والشعر العباسي.
جريدة جسر التواصل: ما هي الأسس التي ركزت عليها في بناء مسارك الفني والأدبي؟ وما الرسالة التي تسعى إلى تحقيقها؟
الحسين السطاتي : أول شيء هو حب الفن الذي أمارسه، فأنا أعشق فن العيطة بكل ألوانه وستجده حاضرا دائما في كل أعمالي سواء منها الأعمال الفنية الغنائية أو الأدبية السردية من مقالة وقصة ورواية ومسرح.، وثانيا حب الجمهور فهو دعامة أساسية لتحقيق نجاح الفنان، إضافة إلى التحلي بالأخلاق والثقافة المتنوعة.. لقد بدلت جهدا وطورت من إمكانياتي المادية والمعرفية الفنية، وإني أشتغل على مساري الفني الموسيقي والأدبي بشكل متواصل، أما عن رسالتي فهي بالأساس إدخال البهجة والسرور إلى قلب الغير ومشاركتهم الأفراح، وجميل أن أكون مساهما بل صانعا للفرجة وخلق الفرحة والسعادة للآخر، وأجد نفسي فرحا مسرورا وأنا أجلب قسطا من الفرح ولو مؤقتا للجمهور منه المستمع لي كشيخ للعيطة وللقارئ لكتاباتي بصفتي كاتب، وأجد متعة وسعادة وأنا أساهم في إسعاد الآخر، لهذا تجدني أحيانا أنخرط في الأعمال الخيرية والاجتماعية. إنني كفنان شعبي “شيخ للعيطة” وككاتب قاص وروائي أبحث عن الآخر ليشاركني الفرح والسعادة وأشاركه فيها، لأننا بشر لدينا فرحنا وحزننا، ما فائدة كل الفرح في الكون إذا لم يشاركنا أحد فيه، وما قيمة الضحك إذا كنت وحدك في مكان خالي من الناس، وا قيمة الكتابة إذا لم يكن هناك قارئ.
جريدة جسر التواصل: ما هي التضحيات التي قدمتها والتي تطلبها منك الوصول إلى ما وصلت إليه الآن فنيا؟
الحسين السطاتي: لا أستطيع وصفها بتضحيات لأن التضحية هي التي تقدمها بدون مقابل، أما بالنسبة إلي فمقابل مجهودي واجتهادي في فن العيطة والكتابة الأدبية السردية ووقتي فقد حصلت على حب كثير من الناس، حب كبير من الجمهور الكريم، وحققت اسما أفتخر به ويفتخر به فن العيطة، فلا يمكن التحدث عن تضحية لأني كما قلت لك قدمت الكثير وفي المقابل حصلت على الكثير.جنيت ما زرعت، ماديا ومعنويا، وشرف كبير لي أن أكون واحدا ممن تركوا بصمتهم في تاريخ هذا الفن، فن العيطة المغربي التراثي الأصيل.
جريدة جسر التواصل: نلاحظ أن العديد من الفنانين يتعاطون أكثر للأغنية الشعبية، لماذا في نظرك؟ وهل يعني أن هناك صراعا أو منافسة مع الأغنية العصرية؟ وما الذي يميز النمطين في نظرك؟
الحسين السطاتي: لا أظن أن هناك صراع بين الأغنية الشعبية والعصرية بقدر ما هو تكامل بينهما، فأصبحنا الآن نسمع ونشاهد الأغنية الشعبية تعتمد على الآلات الموسيقية العصرية واتخذت شكل أركسترالي وتوزيع موسيقي وألحان عصرية، والعكس صحيح فقد صرنا نجد الأغنية العصرية تُدخل آلات موسيقية تقليدية وتتضمن أهازيج وإيقاعات شعبية، إذن هناك تكامل، ولكل فنان اختياراته، كما أن لكل جمهور ذوقه، “وكل تمر عندو كيالو”، أما عن ميل الشباب إلى الأغنية الشعبية فأظن أن أماكن وفرص العمل متوفرة للفنان الشعبي أكثر ما هي متوفرة في نمط العصري، لذلك نجد الفنان يميل إلى النمط الشعبي ليكسب جمهورا أكثر.
جريدة جسر التواصل:هل يمكننا أن نرى يوما الحسين السطاتي ممثلا في أفلام سينمائية؟
الحسين السطاتي: طبعا هذا من بين أحلامي فأنا أحب السينما وأحب الثمثيل، وقد مارست المسرح على الخشبة وكنت أجد نفسي فيه، سواء في المسرح المدرسي ، أو في “السكيتشات” التي كنت أقوم بها مع أصدقائي، فلو عُرض علي دور في المستوى سأقبله على الفور، ولو من أجل أن أعيش التجربة، وإن شاء الله سوف أمثل أدوارا سينمائية، أنا إنسان طموح وبالعزيمة والإرادة والإسرار سأصل بإذن الله، فمسافة المائة ميل تبدأ بالخطوة، وأنا متفائل خيرا بوصولي إلى السينما لأنني كاتب قاص وروائي ومسرحي، وسأعمل جاهدا حتى تترجم بعض أعمالي الأدبية إلى أفلام ومسلسلات.
جريدة جسر التواصل: وهل ولوج مجال السينما في نظرك سهلا، ولا يتطلب دراسة أكاديمية متخصصة؟
الحسين السطاتي: لا شيء ضد الدراسة، فأي حرفة أو فن أو مهنة مدروسة تكون أكثر مردودية وفاعلية واحترافية، وكذلك بالنسبة للسينما، أنا فنان ومعتاد على مقابلة الجمهور وعلى الخشبة، كما أنني كاتب قاص وروائي، وأعتقد أن الروائي هو أكبر ممثل، وهو ممثل بالفطرة، فالرواية التي يكتبها قد مثل أدوارها وحواراتها قبل أن تصدر في كتاب، إذن إذا كنت كاتبا بارعا فأنا ممثل بارع.
جريدة جسر التواصل: ماذا لو قدر لك أن تكتب سيناريو حياتك، ماذا تحذف وماذا تبقي؟
الحسين السطاتي: لن أحذف من حياتي أي شيء، فمسلسل حياتي متماسك وجميل بصعوباته وعراقيله، بما هو ايجابي وما هو سلبي، وأنا راض عن كل حياتي، أحمد الله وأشكره على كل ما مررت به، وقد كتبت الجزء الأول من حياتي تحت عنوان “عيطة دموع الخيل”، وكتبت الجزء الثاني بعنوان “عيطة الحب وحب العيطة”، وسأجمع بعض حواراتي الصحفية في كتاب، فجزء كبير من حياتي يجده القارىء متفرقا في أعمالي الفنية الغنائية وفي كل أعمالي الأدبية، وهذا شرف لي أن أحيى هده الحياة الرائعة.لولا التعب ماكان للراحة طعم، ولولا الأحزان ما عرفنا لذة ونشوة الفرح.
جريدة جسر التواصل:: نصيحة تقدمها لشاب طموح “فنان شعبي”، في بداية مشواره الفني؟
الحسين السطاتي: أنصحه أن يقرأ ويتعلم، أوجهه أن يحب نفسه ويحب فنه الذي يؤديه، أن يعشق ابداعه، ويتعلم آلة موسيقية وترية أو نقرية، لأن الآلة الموسيقية سلاح فني سيدافع به عن نفسه داخل الساحة الفنية كلما دعت الضرورة لذلك، وعليه أن يكتسب ثقافة فنية في مجال فنه الشعبي، وأن يدرس الموسيقى، إن كان ذلك في استطاعته، والأهم في كل هذا أن لا يثق في الفن وأن يتعلم حرفة أو صنعة أو يمتهن مهنة أخرى موازية لعمله الفني، ويترك الفن الشعبي كهواية وليس كمهنة، كما أنصحه أن يتجنب الثالوث الملوث للفنان وهو عدم التدخين، واجتناب شرب الخمر بكل أنواعه، والابتعاد عن الجنس الحرام، والاعتناء بالصحة الجسدية والنفسية وعدم التفريط في الجانب الروحي .
جريدة جسر التواصل: بصفتك فنان شعبي “شيخ للعيطة” موسيقي عازف كمان” كومنجي” ومغني لفرقة موسيقية غنائية “رباعة الشيخات” وكاتب قاص وروائي، ولك ثقافة بخصوص الفن الذي تمارسه، ما هي مراجعك البحثية ؟ ومن هم الذين تنصح الفنان العيطي أن يقرأ لهم كباحثين في مجال العيطة ؟
الحسين السطاتي: أنصح الفنان المبتدأ وحتى الممارس في مجال فن العيطة، أن يستمع ويتفرج كثيرا في أغاني العيطة، وينتقي الفنانين المعروفين بإتقان هذا الفن وعددهم كثير، ويتدرب كثيرا على الآلة الموسيقية، وإذا كانت لديه الظروف مواتية أنصحه بأن يدخل إلى معهد موسيقي ليتعلم فن الموسيقى والغناء عن دراسة أكاديمية، أما من الناحية الثقافية لمعرفة الكثير عن الفن الذي يمارسه فأنصح الفنانين وغيرهم من الباحثين والمهتمين أن يقرؤوا للباحثين الأكادميين المغاربة والأجانب الذين بحثوا ونقبوا في خبايا فن العيطة وأذكر منهم: الدكتور حسن نجمي، والدكتور محمد شضقير، والدكتور حسن بحراوي، والدكتور عبد الكريم الجويطي، والدكتور سعيد يقطين، والدكتور علال الركوك، والدكتور بوشعيب حليفي، والدكتورة خديجة بن عبد الجليل، والدكتورة الايطالية أليسندرا توتشي..ويبحثوا عن كتابات الراحل الأستاذ محمد بوحميد.
جريدة جسر التواصل: ما أقرب عمل فني إلى قلبك من ابداعك، أغنية غنيتها أو عمل أدبي كتبته؟
الحسين السطاتي: كل أعمالي الفنية الغنائية والأدبية السردية عزيزة علي مثل أبنائي، لكنني أفضل “عيطة العين” لأنني جددتها في الكلمات والألحان وكتبتها قصيدة من أربعين بيتا، ومزجت فيها بين تراث “العيطة المرساوية” وتراث “العيطة البلدية الفيلالية”، وغنيتها مع المجموعة الغنائية “رباعة الشيخات” في الحفلات والأعراس، وأعجب بها الجمهور، وكتبتها رواية، وسأعمل جاهدا بكل ما استطعت حتى تتحول إلى فيلم سينمائي أو مسلسل تلفزيوني.
جريدة جسر التواصل: في خضم انشغالاتك الكثيرة، ودورك كأب بدوام كامل وفنان شيخ للعيطة، هل ما زلت تجد الوقت الكافي للقراءة؟
الحسين السطاتي: لابد من وقت للقراءة رغم كل شيء، فإذا لم أقرأ لن أستطيع أن أولد الأفكار التي تساعدني على الكتابة، والكتابة الجميلة تحتاج إلى قراءة جميلة، ومن يكتب عليه أن يقرأ بالدرجة الأولى كي يكتب، أن يقرأ كثيرا ليكتب قليلا، فالقراءة تبقيني على اطلاع على جديد الحركة الفكرية والثقافية، وتقدم لي خلاصة أفكار الآخرين وتجاربهم، ولغتهم، كما تبقيني على صلة مع الحاضر وكل ما يجري فيه، في الرواية أتعرف إلى شخصيات ابتدعها الكاتب فتغنيني وتساعدني على بناء شخصيات أعمالي، فالتجارب الشخصية وتجارب الآخرين تعطيني زخما للكتابة، والثقافة ضرورية لأنها توسع آفاقنا وتضعنا على تماس مع كل الأفكار الجديدة، لذا أقرأ كلما أتيحت لي الفرصة، في المقهى أو في الحافلة أو في انتظار دوري عند طبيب الأسنان، أو في ملهى ليلي، وحتى في فترة استراحة في عرس، وأنا أنتظر فقرتي “النمرة ديالي” بمعنى أنتظر دوري في الغناء، ، أقرأ للحفاظ على معرفتي باللغة وإبقائها حية فمن دون قراءة تموت اللغة، وأقرأ لأصحح أخطائي وأزداد علما.
جريدة جسر التواصل: لماذا الحسين السطاتي يوجه لوما و نقدا إلى المسؤولين في إبداعاته الموسيقية والأدبية ؟
الحسين السطاتي: أنا فنان سواء بصفتي موسيقيا مغني شيخ للعيطة، أو زجالا أو كاتبا قاصا وروائيا، ولكل فنان رسالة، لذلك أوجه نقدا للفنانين الموسيقيين ولكل مسئول مقصر في مسؤوليته، لأنني أريد مغربا حداتيا ومغرب الديمقراطية، لأنني أريد برنامجا تعليميا جادا ومنتجا للجميع وبالمجان، لأنني أريد منظومة صحية وشروط تضمن سلامة المواطنين، لأنني أريد العدالة الاجتماعية وأريد مجتمع الكرامة وليس مجتمع تلقي الحسنات والاتكالية على الغير، ولأنني أريد أن أُحَاسب وأحاسِب، الأولى بفتحة السين والثانية بكسرها، لأنني أريد المساواة بين الرجل والمرأة، ولأنني أريد شبابا مبدعا وخلاقا وليس مدمنا مخدرات وسموما ولا أريد شبابا مهدما وهداما، ولأنني أريد فضح كل أشكال الفساد، ولأنني أرفض ثقافة الريع.
جريدة جسر التواصل: ما الذي تعتقد سيسجله التاريخ الفني عن الفنان الشيخ الحسين السطاتي؟
الحسين السطاتي: كل شيخ قدم للعيطة ما في وسعه، وأعتقد أنني أعطيت ومازلت أعطي للعيطة ما في وسعي، حافظت على الهوية العيطية المغربية، وحافظت على اللباس التقليدي في المجموعة الغنائية، دونت بعض العيوط في أعمالي السردية والعيطة دائما حاضرة في كتاباتي الأدبية، في المقالة، والقصة والرواية والمسرحية. والعيطة أدخلتها حتى في عتبات مؤلفاتي؛ كتبت مجموعة من المقالات والندوات، وجمعتها في كتاب تحت عنوان ” عيوط زمان قصائد ومقالات، فن العيطة بين نظرة الاحتقار ورد الاعتبار”، وكتبت رواية في أربعة أجزاء تحت عنوان “عيطة بيضاوية”، وكتبت نص مسرحي فردي أعطيته عنوان ” عيطة الكرسي”، وكتبت مجموعة قصصية تحت عنوان “العيطة والغيطة”، وأكتب في رواية تحت عنوان “هيت الشيخات”، وكتبت الجزء الأول من سيرتي الذاتية تحت عنوان “عيطة دموع الخيل” والجزء الثاني من سيرتي الذاتية أعطيته عنوان “عيطة الحب وحب العيطة”.وسأظل وفيا لهذا الفن الأصيل الراقي. وأكيد هذا الفن بدوره سيخلدني عبر التاريخ الفني الموسيقي الغنائي والأدبي.
Views: 18























