“اعلام من بلادي: عبد اللطيف البياتي مطرب النبلاء والاسر الوجيهة” للاعلامي أحمد رمزي الغضبان

جسر التواصل4 مارس 2025آخر تحديث :
“اعلام من بلادي: عبد اللطيف البياتي مطرب النبلاء والاسر الوجيهة” للاعلامي أحمد رمزي الغضبان

الحلقة الثالثة 

احمد رمزي الغضبان/جسر التواصل

ولد الفنان والاديب عبد اللطيف البياتي السرغيني بمدينة قلعة السراغنة الا ان مسقط القلب والوجدان كان بمدينة مراكش التي عشقها واحب اهلها وعاش معهم ردحا من الزمن، وقد اصيب بكف بصره وهو دون العاشرة من العمر،فعاش طفولة صعبة للغاية.
كان حلم عبد اللطيف ان يواصل تعليمه في المدرسة وهو نفس حلم والدته التي سهرت على تربيته بعد انفصالها عن والده، فكانت ترى في المدرسة تلك المؤسسة التي ستؤهل وحيدها ان يتسنم المكانة اللائقة في المجتمع وبهذا سيتمكن من تعويض ما ضاع منه وما يضيع، كما كان حلم عبد اللطيف ايضا ان يتعلم فن الموسيقى التي كانت منذ صباه تملا كيانه واسعد نفسه الحزينة، وبعد ان اتم دراسته انخرط في سلك التربية والتعليم بمدينة اسفي تم تعيينه باحدى مؤسساتها التعليمية، وجاء في كتاب ( الليالي) للاستاذ عبد اللطيف البياتي حيث يسرد سيرته الذاتية بالدقائق والتفاصيل ان بداية هذا الفنان العصامي الكفيف كانت من شاطيء سيدي بوزيد وذلك عندما اصطحبه معه رفيقه الودود السيد (عبد الرحمان المطرح) الذي كان يعمل باحدى شركات الحبوب بمدينة اسفي، وذلك لحضور حفل نظمته هذه الشركة لفائدة مستخدميها، فكانت فرحة عبد اللطيف لا توصف بهذه الدعوة، لقد اخذ بلبه حضور جوقة موسيقية كاملة ترافق مطربا مغربيا هاويا يدعى عبد القادر الحكيم الذي ابدع في اداءئه لاغنية الموسيقار فريد الاطرش :
خليها على الله * مشيها وياالله*

فبلغ من عبد اللطيف مبلغه، فتاثر حتى البكاء، فكانت هذه الاغنية كما جاء في سيرته الذاتية ( …. كما لو كانت فالي ولسان حالي، والمغني هو قصدي ومرادي، تفاءلت باسمه المركب من قدرة تسخرها مشيئة الله لحكمة لا يعلمها الا هو)،في هذه الليلة قرر عبد اللطيف ان يستغل الفرصة ليتحدث الى رئيس الجوقة، ومطربها عبد القادر الحكيم، فتقدم منه عبد اللطيف بجراته المعهودة، وحياه في ادب ورقة بعد ان عرفه بنفس، فساله عبد اللطيف في حياء: هل اطمع سيدي في ان تعلمني الموسيقى؟ فاجابه : لقد ذكرتني باخي الكفيف رحمه الله عبد الواحد الحكيم، كان فنانا مشهورا في مدينة اسفي، هو الذي علمني، كنت ارى مواقع انامله على الاوتار في ذراع العود، اما انا فلا ادري ان كنت قادرا ام لا على تعليم مكفوف لا يرى من الالة ما ارى، فاحس عبد اللطيف من جواب الرجل بان اماله قد تبددت،فاصابه حزن شديد للغاية، وفي مساء الغد كانت المفاجاة عندما وجد الفنان عبد القادر الحكيم يزوره في بيته ويقول له ( لا اخفي عليك رؤيا رايتها امس يا ولدي ، لقد زارني اخي المرحوم في منامي ووجدته يوصيني بك قائلا لي (علم المكفوف فهو امانة بين يديك)،وهكذا فقد حدد الرجل لعبد اللطيف يومي الاثنين والخميس من كل اسبوع موعدا ليعلمه اصول الموسيقى وقواعد الغناء، وبعد اربعة اشهر من الدراسة استطاع عبد اللطيف ان يعزف السلم الموسيقي على الة العود، ثم اخذ معلمه الفنان عبد القادر الحكيم يلقي به وسط الجوق في الحفلات الموسيقية التي كانت تعقد في مختلف المناسبات والاعراس والتظاهرات الرسمية، مرة يضع في يده الة ايقاع ومرة اخرى الة وترية كالعود، وبعد ان اتقن عبد اللطيف مباديء العزف اصبح عضوا في هذه الجوقة الموسيقية بمدينة اسفي.
وفي العام 1958 فتحت مدرسة المكفوفين بمدينة مراكش ابوابها فانتقل اليها عبد اللطيف من مدينة اسفي وانخرط في سلك تعليم المكفوفين بطريقة ( برايل) دون ان يودع مدينة اسفي التي كان يربطه بها نشاطه الموسيقي، فكان خلال هذه الفترة يتنقل بين المدينتين فيقيم اربعة ايام بمراكش وثلاثة ايام في اسفي.
الاستاذ عبد اللطيف البياتي احب مدينة مراكش وفيها راوده خاطر داخلي قوي، كان دوما يلح عليه قائلا ( اخرج يا عبد اللطيف، اقتحم بمواهبك المجتمع، واحمل آلتك الموسيقية، واجعل من اوتارها جسورا بين قلبك وعقلك، وقلوب وعقول الناس من حولك، انها الواصلة بينك وبين مبتغاك في عزة وكرامة وحب واحترام)، وفي غمرة هذا الاحساس القوي الصادق، عكف عبد اللطيف على عوده ، ومن اجل تقوية رصيده ، بدا باقتحام الجمعيات الادبية ليسهم معها في اقامة الحفلات والسهرات، وكان هدفه من ذلك ان ينقش اسمه في لائحة الخضم المتنوع من الموسيقيين افرادا واجواقا بمدينة مراكش، وخلال هذه الفترة احيى الفنان عبد اللطيف البياتي اول حفل له، وكان حفلا نسويا بحي ( القصبة) بالمدينة العتيقة، حيث شارك بعوده ضمن جوقة كان كل عضواتها من النساء،وكن بالفعل عازفات ماهرات تتلمذن على ايدي كبار الفنانين المغاربة والمشارقة، وكانت من بينهن سيدة تعزف بمهارة على الة الكمان اسمها ( لالة الكحلة)، واخرى كانت تعزف بمهارة على الة العود اسمها ( سعد السعود)، وقد اتخذته هذه الاخيرة صديقا لها،فكانت ترعاه وتعتني به وتهتم به، وقد تالق الفنان عبد اللطيف البياتي في اول حفل له في مساره الفني، فاصبح بعد ذلك من اشهر الفنانين في مجال اغاني المنوعات بما فيها الشرقي والمغربي، وبدات العروض تنهال عليه ، وبدات الاسر المراكشية تتنافس في دعوته لاحياء افراحها واعراسها، حتى قال فيه الشاعر حسن الهزميري/وهو احد ابرز شعراء مدينة مراكش:
اذا لم تكن منك بعرسي نغمة
تشنف اسماع الحضور تقارع
فليس بعرس ما اقمت وانما
مناسبة فيها تنق الضفادع
بعبد اللطيف نستعيد شبابنا
وتقضى لنا اوطارنا والنوازع
وكثيرة هي المحطات  المضيئة التي تزخر بها حياة هذا المبدع المغربي الكبير الاستاذ عبد اللطيف البياتي، والتي يزخر بها اصداره القيم ( الليالي) الذي وثق من خلاله وبدقة وتفصيل لسيرته الذاتية.
وبعد صراع طويل مع المرض، وفي صباح يوم الاربعاء 25 ابريل عام 2019 لبى الاديب الكبير والفنان الحبيب نداء ربه واسلم الروح لباريها، وقد كان لفقده اثار حزن كبير في قلوب محبيه واصدقاءه واسرته، وقد شيع جثمانه الطاهر في موكب جنائزي مهيب بحي الرياض بمدينة الرباط.

الاخبار العاجلة