الحلقة السابعة

جسر التواصل: الحسين السطاتي كشيخ لفن العيطة ما الفرق بين شيخات الأمس وشيخات اليوم؟
الحسين السطاتي: دائما هناك خلف للسلف والحياة تستمر، والشيء الراكد يموت، والعيطة تتجدد وتتطور، وتسير من حسن لأحسن، فالعيطة تمرض وتتعافى، وقد تقتل لكن لا تموت، ولكل عصر عيطته وشيخاته وأشياخه وجمهوره، وبصفتي ممارس وشيخ نشيط في هذا الفن، أجد أن العيطة تسير إلى الأمام، تسير من حسن إلى أحسن، بفضل التطور التكنولوجي من رقمنة ومكننة، فالآلة لعبت دورا مهما في الفن بصفة عامة، بما في ذلك تطور الآلات الموسيقية ومعدات الصوت ومعدلاته، واستعمال تقنية الذكاء الاصطناعي، والتطور مس حتى الأزياء، كل شيء يتطور إلى الأحسن، فشيخات الأمس كان همهن الأكبر هو الفن، وكن ذوات مستوى دراسي وثقافي متوسط إلى ضعيف، لذلك نجد أغلبهن متن وهن يعانين العوز والحاجة، وساءت حالتهن المادية وصحية ونفرهن الجميع، وتنكر المجتمع لهن في آخر أيامهن، أما شيخات اليوم فأغلبهن ذكيات ولديهن دراية بما ينتظرهن في المستقبل، وقد استفدن من تجارب جداتهن الشيخات السالفات، ومن بينهن كن رائدات في الساحة الفنية العيطية ودار بهن الزمن في الأخير، و”شيخات اليوم” كثيرات منهن دارسات متعلمات وحاصلات على شواهد جامعية ولهن ثقافة لا بأس بها إلى جيدة، ويعرفن الطريق الذي يسرن فيه، منهن المتزوجات برجال أعمال أثرياء، وشخصيات وازنة..ومنهن من يسيرن مشاريع تجارية كبرى.. أما من الناحية الفنية فنحن نختلف في نبرة الصوت، لكل فنان بحته الصوتية وطريقة تعامله مع الجمهور ولكل عصر شيخاته وأشياخه، كما لكل عصر عيطاته، كل شيء يتغير ولا شيء تابت.

جسر التواصل: بقيت وفيا لفن العيطة رغم انقطاعك عليه لمدة تزيد على عقدين من الزمن، ما السر في ذلك؟
الحسين السطاتي: فن العيطة هوايتي أجد فيها راحتي وسلوتي، ويمكنني القول بان فن العيطة يوجد في جيناتي ويسري في عروقي، وهي هوايتي ونقطة قوتي، قوة شخصيتي وأمتعتني في سن المراهقة وفي سن الشباب، ورافقتني حتى في مساري المهني الدركي، حيث كانت العيطة حديقتي التي أرتاح فيها كلما ضاقت بي الدنيا، وكلما تكالبت علي الأيام المهنية، وتساعدني على تجاوز الصعوبات التي كانت تصادفني في عالم الإجرام بصفتي كنت دركيا ضابط للشرطة القضائية نشيطا في عالم محاربة الجريمة، وباحث جنائي في حقل الضابطة القضائية، وكانت “الشيخة” حاضرة في عدد من أبحاثي القضائية الجنائية، وساهمت معي في إنجاح العديد من القضايا، لذلك أقول أن فن العيطة أعطاني الكثير، ولهذا كنت ومازلت وسأبقى وفيا ومخلصا لهذا الفن، وقد عدت إليه بعد تقاعدي من سلك الوظيفة العمومية، لأنني أجد فيه متعة وراحة نفسية، كما أجني منه دخلا ماديا وعملا يناسب عمري، ويتلاءم مع قدراتي الجسدية والنفسية..
جسر التواصل: بصفتك مزاول ميداني في المجال الغنائي، كيف هو حال العيطة المغربية الآن؟
الحسين السطاتي: العيطة كانت ومازالت وستظل فنا أصيلا راقيا ناجحا، في أحسن حال، بصفتها فن الحب والحرب، دائما بخير وفي تحسن مستمر، ولها حضور وازن وإشعاع قوي، وكما قلت وسأقول وسأظل أقول “العيطة تمرض وتتعافى، وقد تقتل لكن لا تموت”، وهي حاليا في نظري سلطانة تجلس على عرش الفنون الموسيقية المغربية الأخرى، ومكتسحة للساحة الفنية، سواء على أرض الواقع أو على المواقع الاجتماعية، فهي تؤثث وتنشط فضاءات متنوعة، حاضرة في جميع المناسبات؛ في الأعياد الوطنية والدينية، وحاضرة في حفلات الزواج وحفلات النجاح، وحاضرة في أعياد الميلاد، وحفلات العقيقة وأعياد الزواج وحتى في مناسبات الطلاق، وحاضرة في ليالي الأنس “القصارة”، وحاضرة في وسائل النقل العمومي بما فيها الحافلات وسيارات الأجرة وفي القطارات..وتحت خيام الشواء ووسط الرحابي بالأسواق الأسبوعية، وفي الحلقة، وفي الغابة، وعلى شواطئ البحر، وفي الساحات العمومية في المدن، وفي مواسيم الفروسية “التبوريدة”، وفي ملاعب كرة القدم، والمدرجات الرياضية والثقافية، وفي الصالونات الأدبية، وفي المهرجانات وعلى الشواطئ وحتى في مناسبات الاحتفال بالحجاج العائدين من أداء مناسك الحج، وصرنا نجد العيطة حاضرة في كبريات المسارح الوطنية والعالمية، ونجدها حاضرة في المقدس والمدنس، حاضرة في البحر والبر وفي المدشر والقصر، محبوبة الكل يعشقها الصغير والكبير، يستهلكها الفقير والوزير والأمير، تستهلك في السر أكثر مما تستهلك في العلن، وهي فن السلاطين والملوك والأمراء..وفن الأشرار والأخيار.. إذا لا خوف على العيطة فهي أغنية الحب، الحب الجمالي، تلك العلاقة التي تسمي العلاقة الحميمية في بعدها الإنساني، تتسامى بنا إلى الجمال، وإذ صح التعبير بالنسبة إلي كشيخ للعيطة هي أغنية الجنس أردنا أم أبينا، تحتوي على إيحاءات حميمية من خلال الصور الشعرية واللوحات الرقصية تستفز المتلقي من خلال أداء فني عيطي مبهر وجذاب، بعيدا عن الشهوة الغرائزية والاباحية، أجد نفسي فنان أبدع أستمتع وأمتع، وأنت تعرف دور الجنس في حياة الانسان، الانسان متعطش للجنس لذلك سيبقى الجمهور المتلقي والممارس متعطش لفن العيطة، ومهما شرب منه لا يصل إلى حد الارتواء، فللعيطة سلطان، الحمد لله نحن في البلد لا نعيش حربا لكننا نعيش الحب والسلام والأمان، ونعيش فورة وثورة الجنس، لذلك نجد سواء الفنان أو الجمهور يتفاعل مع القصائد العيطية العاطفية، ولا يتفاعل جيدا مع القصائد العيطية الحربية التي تخلد للمعارك والحروب التي خاضها أجدادنا مع العدو ومع المستعمر، لما سبق ذكره فالعيطة لا أخاف عليها بقدر ما أخاف على ممتهنيها وعلى عشاقها والمولعين بها.
جسر التواصل: هناك بعض الباحثين الأكادميين، يؤكدون على أن الشيخة ستختفي وستنقرض، ما جوابك عن هذا؟
الحسين السطاتي: لا أعتقد ذلك هم يبنون أقوالهم عن الملاحظة من بعيد وعلى البحث الذي يجرونه مع الفنانين “شيخات وأشياخ” وعلى استنتاجاتهم، ولا يعرفون بالضبط ما يروج في الكواليس العيطية، فبصفتي فنان شعبي “شيخ للعيطة” وممارس في ميدان “الشيخات”، أقول أنه واهم من يظن أن “الشيخة” ستنقرض، الشيخة ليست فنانة شعبية مغنية وراقصة فحسب، بل هي ظاهرة فنية مغربية اجتماعية عصية على الفهم، إذ لا يمكن تكوين الشيخات بمدارس أو معاهد موسيقية.. الشيخة هي خليط متجانس من هذا وذاك، خليط من الموهبة الفنية الغنائية، التي اكتسبتها بالفطرة، وامتزاجها مع القهر، والدكتاتورية الذكورية، والحرمان من الدراسة، وتزويج القاصرة، وعدم الاستقلال المالي للمرأة، والميز المجحف بين الذكر والأنثى، والاستغلال بكل أنواعه ومنه الجنسي.. هذا الخليط هو الخلطة السحرية التي تنتج لنا الشيخة، هو الذي يجعل الفتاة المغربية وخاصة البدوية تتمرد وتحتج بهذه الطريقة الفنية، فبما أنه مازال هناك بالبادية المغربية استغلال للمرأة والحد من حريتها وحرمانها من العلم والعمل، وقهرها واستعبادها، وتزويجها قاصرة أو بالغة بمن لا ترتضيه زوجا لها، ستظل هذه المرأة تحتج وتصرخ وتنادي وتستنجد وستبقى “تعيط”، لذلك سنظل ننتج الشيخة مادام المجتمع يحتقرها ولم ينصفها بعد، بل صار لدينا الفائض منها، وقد أضعاف مضاعفة مما كان في السابق، بل الأكثر من ذلك صرنا نصدر الفنانات “الشيخات” إلى الخارج بما في ذلك إلى دول الخليج وأوربا..
جسر التواصل: ما هي المدرسة الأدبية والعيطية التي استفدت منها في بناء تصور لتجربتك الفنية الموسيقية الغنائية والأدبية، بصفتك فنان شعبي “شيخ للعيطة، وكاتب قاص وروائي..؟
الحسين السطاتي: لو طلبا من كل فنان مبدع أن ينطلق بالضرورة من مدرسة أدبية أو فنية موسيقية ما، محترما في ذلك اختياراتها، متقيدا بقواعدها وأساليبها لما كان هناك أصلا أي مبدع، إن المبدع الحقيقي الأصيل بل والعبقري، في تصور الفيلسوف الألماني “كانط” مثلا هو من يصير مدرسة لغيره، منه يستمدون قواعد الخلق والابتكار، ولا أدعي في تجربتي المتواضعة هذه والتي ما تزال في بدايتها أنني انطلقت من فراغ، ولابد أن أكون قد خضعت لتأثير نمط معين، فبالنسبة لفن العيطة تأثرت بفن “العيطة المرساوية” وهو موطن النشأة بسهل الشاوية الكبير وخصوصا بمنطقة “سطات”، وقد تأثرت بمجموعة من الفنانين “الأشياخ والشيخات”؛ ومنهم فنانين تقليديين محليين بقريتي تعلمت منهم مباشرة ومنهم “الشيخ الموحيد عبد الرحيم، ورحال ولد برحال، ولكبير المسكيني،..وهناك فنانين مغاربة تأثرت بهم عن بعد وعن طريق السماع،كالشيخ بوشعيب البيضاوي، والشيخ الماريشال قيبو، والشيخ عبد الله البيضاوي، والشيخ حمو البوفي، والشيخ عبد السلام ولد علو، والشيخ خالد ولد البوعزاوي، والشيخ عبد الحق ولد الحلاوي، والشيخ الأمازيغي لمغاري ميلود والشيخ الستاتي عبد العزيز، والشيخ سعيد ولد الحوات، والشيخ عبد الرزاق لبيشي السطاتي، والشيخ عبد الله الداودي، والشيخ مصطفى بوركَون وغيرهم.. لكني ركزت كثيرا على الشيخ خالد ولد البوعزاوي، الذي أعطيه لقب “شيخ لشياخ”، لأنه هو الذي حافظ على فن “العيطة المرساوية” في حلتها التقليدية بما في ذلك “رباعة الشيخات” والأزياء التقليدية، وعندما أغني فأنا أغني بطريقتي الخاصة وبصوتي ليصل كما هو إلى المتلقي دون أن أقلد أحدا، أما فن الكتابة الأدبية السردية فقد تأثرت بالكتاب الأدباء العرب الكلاسيكيون ومنهم المغاربة؛ نجيب محفوظ، وإحسان عبد القدوس، ونجيب الكيلاني ومحمد شكري ووفيق العلايلي وعبد الرحمان منيف ويحيى حقي ونوال السعداوي وفتيحة مرشيد ولطيفة لبصير ومليكة مستظرف والزهرة رميج وبشرى اجورك وفدوى مساط والكاتبة التركية أليف شافاك، كما تأثرت بالأدب الروسي بكل من “ليو تولستوي وفيودور دوستويفسكي، وتشيكوف، وايفان تورجينيف وغيرهم..وفي الأدب البوليسي تأثرت بالكاتبة الأنجليزية أكاتا كريستي والكاتب فضل أطاع الله وميلود الخمليشي وعبد الإله الحمدوشي..وغيرهم…ولكني وأنا أكتب لا أستحضر في ذهني أي نمط أو أي اتجاه، هاجسي الأول كان وما يزال أن أعبر عن تجربتي الخاصة بما يكفي من الصدق والعمق، وأن لا تشبه كتاباتي غير عمقي الخاص ونوعية التجربة التي اقتضتها.
جسر التواصل: ماذا جنى الفنان الحسين السطاتي من فن العيطة ماديا ومعنويا؟
الحسين السطاتي: سأكون صريحا معك، والله أنني جنيت الكثير ماديا ومعنويا من الكمنجة وفن العيطة، لأنني بدوي ريفي كنت فقيرا معدما وعشت طفولة بائسة قاسية، كبرت كنبتة عذبها الجفاف، حيث وأنا طفل كنت أحيانا أرعى الغنم عند الناس خلال العطلة الصيفية لأساعد والداي وأجمع ما أشتري به الكتب والدفاتر، وأحيانا كنت أمتهن مهنا موسمية بالأسواق الأسبوعية كبيع السجائر بالتقسيط أو بيع الماء في الجرار الطينية “سقاء” أو بيع تمار التين الشوكي “الكرموس”.. لكن الكمنجة كانت بالنسبة لي السلاح الذي أنقدني من الجهل والأمية، ومن تلك النظرة الدونية، لقد ساعدتني في دراستي وأمتعتني، ومنذ أن وصلت سن المراهقة ربما في سن الرابعة عشر من العمر، صرت أعمل خلال الصيف مع “رباعة الشيخات” مقابل أجرة، وأحيانا أتقاضى مبالغ مالية مهمة، كانت مبالغ بسيطة لكنها بالنسبة إلي في ذلك الوقت كنت أعتبرها ثروة، صرت ألبس جيدا وأقتني لباسا على الموضة، صارت لي علاقات اجتماعية وكونت صداقات، وأعادت إلي ثقتي في نفسي، وبفضلها درست حتى توظفت، وحتى وأنا موظف دركي أستاذ ومدرب عسكري، وضابط للشرطة القضائية والعسكرية كانت الكمنجة والعيطة هي نقطة قوتي، حيث كنت أحارب المجرمين والأعداء وأنا مطمئن بأنني فنان شعبي “شيخ للعيطة” لن أخاف من تهديدات بعض رؤسائي الدركيين والقضائيين الفاسدين..وحتى لو تم فصلي أو حكم علي بالسجن، سأخرج وأعمل في نفس الليلة بكباريه، لهذا أقولها دائما الكمنجة مثل أمي أكرمتني وأمتعتني، رافقتني في السراء والضراء، وهي سلاح حقيقي لا يمكنهم تجريدي منه، ومن الناحية المادية فالحمد لله عودتي قصيرة إلى الساحة الفنية العيطية بعد التقاعد المهني، ولم أحضى بعد بتلك الشهرة النجومية، لهذا فأنا راض بما أحصل عليه من دخل مادي من هذا الفن الغنائي، لكن المهم أن الكمنجة حبيبتي الغالية أنا أضربها ولا أشفق عليها وهي تعطيني المال والأنغام، وها هي ترافقني وتؤازرني في سن تقاعدي، لهذا سأظل أحبها ما حييت، ولن أتخلى عنها. لن أكون ناكرا للجميل ولا خائنا لمن ساعدني وأكرمني وأفرحني وأطربني..
جسر التواصل: هل الحسين السطاتي يعمل في النوادي الليلية والمطاعم والملاهي والفنادق؟
الحسين السطاتي: طبعا، أعمل أحيانا في هذه الأماكن، لأن جمهور كبير من عشاق فن العيطة يكون في المؤسسات السياحية والمراقص الليلية، وحتى بعض المواضيع التي تعالجها القصيدة العيطية هي مقبولة بل هي المفضلة في هذه الأماكن، كأغاني الغزل والخمريات في فن العيطة إضافة إلى الرقص وخاصة رقصات “عيطة الغابة”، هذا من جهة، أما من جهة أخرى فهي تضمن لي دخلا ماديا في وقت الحاجة، وتؤمن لي اللقاء مع الجمهور، إضافة أنها تشكل لي مادة دسمة في كتاباتي السردية الأدبية، بما في ذلك كتابة المقالة والقصة والرواية والمسرحية..وبهذه الفضاءات ألتقي مع شرائح مختلفة من المجتمع..صراحة أجد متعة وأنا أعمل في هذه الأماكن، وإن الاشتغال في هذه الفضاءات لا يلغي ثقافتي ولا إنسانيتي ولا مبادئي أو أخلاقي ولا مواقفي الشخصية التي أدافع عنها، بحكم تجربتي الحياتية ومهنتي الدركية السابقة أعرف جيدا أن هذه الأماكن مثل كافة الأماكن الأخرى، بل أجدها أحيانا أنظف وأطهر من أماكن أخرى يظنها البعض أنها أماكن طاهرة ومحترمة ومنها بعض الإدارات العمومية، المهم أحترم فني وأحترم جمهوري، فهذه الأماكن الفنادق والحانات والملاهي الليلية..هي عزاء للفنان المعطل، فالفنان الشعبي المغربي في شبه عطالة دائمة، وعلى الأقل في هذه الأماكن يمرن صوته ويغني ويلتقي بالجمهور ويشحن بطاريته الفنية، لأن الغناء بالنسبة للفنان كالهواء والأكل والشرب من الضروريات، الغناء في الملاهي الليلية هو واقع وظاهرة اجتماعية شأنها في ذلك شأن القضايا الاجتماعية الأخرى، ويجب الفصل بين الثقافة الفنية والأخلاق، فهناك نواد ليلية مختلفة ومتنوعة خدماتها راقية، وتوجد هذه الأماكن بمناطق مختلفة عبر ربوع المملكة.
جسر التواصل: في حال قرر أحد أبنائك دخول المجال الفني الموسيقي الشعبي فهل ستوافق أو تمانع؟
الحسين السطاتي: لدي ثلاثة أبناء؛ بنثين “بذرة وريحانة” وولد “محمد”، وكلهم بالغين راشدين، درسوا وتعلموا وتكونوا كل واحد في مجاله، لقد أدخلتهم للمعاهد الموسيقية منذ صغرهم درسوا الصولفيج والموسيقى، وتخصصت ابنتي الكبرى “بذرة” في الكمان، وكل من ريحانة ومحمد في آلة البيانو، لكنهم فضلوا أن يمارسوا الموسيقى كهواية، ورفضوا أن يدخلوا المجال الفني الغنائي كمغنيين محترفين، فتركت لهم حرية اختياراتهم ولا أتدخل في قراراتهم، وللناس فيما يعشقون مذاهب.
جسر التواصل: نلاحظ مؤخرا أن العديد من الفنانين يتعاطون أكثر للأغنية الشعبية والعيطة، لماذا في نظرك؟ وهل يعني أن هناك صراعا أو منافسة مع الأغنية العصرية؟ وما الذي يميز النمطين في نظرك؟
الحسين السطاتي: لا أظن أن هناك صراع بين الأغنية الشعبية والعصرية المغربية بقدر ما هو تكامل بينهما، فأصبحنا الآن نسمع ونشاهد الأغنية الشعبية تعتمد على الآلات الموسيقية العصرية بما فيها الرقمية والالكترونية، واتخذت المجموعة الغنائية الشعبية شكل أروكسترالي وتوزيع موسيقي وألحان عصرية، والعكس صحيح صرنا نجد الأغنية العصرية تدخل آلات موسيقية تقليدية وتتضمن أهازيج وإيقاعات شعبية وعيطية، إذن هناك تكامل بين الأنماط الموسيقية، ولكل فنان اختياراته، كما أن لكل جمهور ذوقه، “وكل تمر عندو كيالو”، أما عن ميل الشباب إلى الأغنية الشعبية فأظن أن أماكن وفرص العمل متوفرة للفنان الشعبي أكثر مما هي متوفرة في نمط العصري، لذلك نجد الفنان يميل إلى النمط الشعبي ليكسب جمهورا أكبر ويحضا بفرص عمل أكثر، ليضمن دخلا ماديا أوفر.
جسر التواصل: هل تتذكر أول أغنية شعبية أو “العيوط” التي كنت تغنيها في عرس أو حفلة رسمية، وكان يطلبها الجمهور كثيرا خلال بدايتك الفنية؟
الحسين السطاتي: أنا مغني شعبي وشيخ للعيطة، وبدأت الفن الشعبي في سن مبكرة، يعني تقريبا في سن الرابعة عشر من عمري، بدأت في إحياء الحفلات والأعراس، وكنا نغني الأغنية الشعبية، بما في ذلك أغاني الشيخات واللعابات وفرق المجموعات الشعبية بما فيها “نجوم بوركَون، ونجوم السمر، وأهل النشاط، ونجوم الفرح، وأهل التراث، وأولاد فضالة، وأولاد العوني وأولاد البوعزاوي”… وفنانين مشهورين من أمثال “الراحلين الفنانين الأمازيغيين لمغاري ميلود ورويشة محمد ونجاة اعتابو، .وأذكر من الأغاني الشعبية التي كان يطلبها الجمهور كثيرا :”شحال تسنيتك ما جيتي، آش نكَول ليك يا حبيبي منين نبدا لحديث، شحال سولت عليه عجبوني عينيه، واش المحبوب كيلوموه الناس، وأغاني الأم والهجرة وغيرها من الأغاني العاطفية والاجتماعية، أما عن فن العيطة فيمكنني أن أقول لك أنني كنت في بدايتي الفنية أغني براويل العيطة الشيظمية، والعيطة المرساوية، وعيطة الساكن، لأنها أغاني عيطية ذات إيقاع خفيف، وبسيطة غير مركبة، وأذكر منها: ساكن العلوة، وبوعبيد الشرقي، ومولاي الطاهر، ومولاي بوشعيب الرداد، وبويا لغليمي وبويا رحال..ومن العيطة المرساوية أذكر عيطة ركوب الخيل ،وعيطة دامي، وعيطة الشاليني، وعيطة ألباس، وعيطة الحساب الزعري، ومن العيطة الملالية كنا نغني عيطة الشجعان ومن العيطة البلدجية الملالية كنا نغني عيطة البيضة وتسمى أيضا “عيطة الحريمية” و أغنية البراد وأغنية العالم التي كنا نسمعها بصوت الفنان الراحل شحرور العيطة الشيخ محمد باعوت…
Views: 50























