حديث الاثنين: هل الحياد نوع من أنواع الجبن و الضعف و التخاذل ؟

جسر التواصل6 سبتمبر 2020آخر تحديث :
حديث الاثنين: هل الحياد نوع من أنواع الجبن و الضعف و التخاذل ؟

طارق المعروفي

ليس للمحايد موقف واضح ، فلا هو مع الانتقائي، و لا هو مع المناصر اتجاه موضوع ما أو إشكالية ما. المناصر يكون مع الفرضية و الأطروحة يؤيدها و موقفه واضح . أما الانتقائي فإنه يميز بين الأطروحة و ضدها و يخرج بنتائج. بينما المحايد يرفض أن يكون طرفا في الموضوع من الأساس . لا هو مع هذا و لا هو مع ذلك. لا هو مع الاشتراكيين و لا هو مع الرأسماليين. لا هو مع الإسلاميين و لا هو مع العلمانيين. موقفه متفرج لا يستطيع أن يميز، أو هو خائف من عواقب نظريته . هناك عدة أمثلة يمكن أن نتطرق إليها بخصوص المحايد السلبي ،الذي يقف أمام حادثة سير مثلا أو سرقة أو مخالفة أو حريق تجرى أحداثه أمامه، فلا يقوم بأي إجراء و لو بسيط ،لأن الأمر بالنسبة إليه لا يهمه مباشرة بل يهم الآخرين. هناك من يرى يوميا التلاميذ المحظوظين تقلهم سيارات الدولة من و إلى المدرسة أمام أعين الناس، أو يستعمل ذلك الموظف تلك السيارة للأغراض الشخصية ، فلا يتدخل أي مواطن للتنبيه بأن تلك السيارة هي في خدمة المصلحة العامة و لا الخاصة.
إذا وقف الإنسان على خروقات قانونية بدون أن يكون له موقف منها ،فإن الحياد هنا ليس بشجاعة و لا بفضيلة و لا بقوة ،إنه بكل بساطة تواطؤ و مساندة ، بل جبن و ضعف .
كل مرة نرمي المسؤولية على الآخر، و الآخر يرمي المسؤولية على فئة أخرى، و هكذا …و الأمر يتعلق فقط بظاهرة حب الذات و الأنانية، و عدم الاهتمام بالمجتمع و الوطن الذي نعيش فيه جميعا .
لقد علمونا عبر عدة وسائل لكي نتمسك بالحياد، و الابتعاد عن الغوص في المشاكل المطرحة في المجتمع، باعتبار أن الحياد هو حكمة التعقل و التبصر و أخذ الحيطة و الحذر . علمونا أن الحياد يمكن أن يكون وقاية من الانتقام و المواجهة ،و يحقق بالتالي السلام المنشود و السكينة و الاستقرار.
فهل هذا صحيح؟
أليس الحياد يخفي بين طياته الجبن و الضعف في اتخاذ القرارات و التخاذل و عدم المشاركة في اتخاذ القرارات ؟
و لهذا فمن غير المعقول أن يبقى الإنسان دائما في موقف الحياد إزاء نزاع أو قرار يتحتم اتخاذه .
فعلا ، يتم تلقين الحياد للفرد من أجل الدفاع عن قضية مطروحة ،حتى يظل بعيدا عنها، تاركا المجال مفتوح للمستفيدين ،وهكذا يصبح الحياد موجودا في الخطابات فقط و لا يوجد في عقول الناس.
الحياد أدى إلى ظاهرة ما يعرف بلغة الخشب الذي امتهنها السياسيون و أصحاب القرار بإتقان.
يقولون للبعض: الحق معكم ،و يلتفتون للآخرين ليقولون لهم:
لستم خاطئين .
إذا اختار الإنسان موقف الحياد أمام الطغاة، فإنه يكون متواطئا معهم و مساندا لهم ،لأن الحياد يساعد الطغاة و الفاسدين ،و يحفزهم للمزيد من طغيانهم الذي ينخر المجتمع لأن الحياد لا يساعد الضحية .
هناك العديد من المآسي التي يعرفها العالم، و بلدنا ضمن تلك السلسلة، و يقف الفرد و المجتمع في بعض الأحيان في حياد سلبي .
و في العلاقات الدولية، فإن حياد الدول اتجاه غزوات و حروب مفتعلة، أدى إلى التمادي في الغطرسة و الهيمنة .
أليس هذا من مميزات الحياد ؟ أن يظل الفرد مكفوف الأيدي ينظر بدون أن يتدخل، إلى أن أصبح خرق القانون هو القاعدة داخل المجتمع ، و خرق القانون الدولي مباحا “للدول العظمى” ، و جريمة بالنسبة للدول الأخرى؟

أتركوني و شأني فإنني لا زلت أحلم .

Views: 5

الاخبار العاجلة