قراءة في كتاب :من كتاب قرية غاروزيم المحاذية لشفشاون من خلال سواقيها و بعض رموزها…

جسر التواصل19 مارس 2026آخر تحديث :
قراءة في كتاب :من كتاب قرية غاروزيم المحاذية لشفشاون من خلال سواقيها و بعض رموزها…

الوافي الرحموني 

  الحلقة الثامنة والعشرون 

المعابر الأساسية من غاروزيم في اتجاه شفشاون :
لم ينقطع التواصل بين سكان غاروزيم، و حاضرة شفشاون منذ أن نقل الأمير مولاي علي بن راشد مكانها من العُدوة إلى الضفة الأخرى … فأواصر القرابة و المصالح المتبادلة ظلت نشيطة و ثابتة بين الضفتين؛ لقد ازدهرت بالمدينة التجارة و الصناعة التقليدية ، والمعمار والثقافة … خصوصا بعد هجرة عدد كبير من الأندلسيين إليها خلال مراحل متفاوتة عن بعضها زمانيا، وشكلوا بها عدة أحياء (حي ريف اندلس ، حي الخرازين ، حي باب السوق )، مثلما ازدهرت غاروزيم بمحاصيلها الفلاحية ، وأضحت تروجها أيامئذ بسوق المدينة الذي كان يقام بدمنة المخزن ، ثم ساحة وطاء الحمام …
كان أهل غاروزيم يسلكون عدة طرق ، و معابر للوصول إلى ذويهم و إلى تلك الأسواق ، ولا بأس أن أبين أهمها .
– المعبر الأول يسمى معبر الفواراة ، و لعله المعبر الذي سلكه مولاي على بن راشد حينما نقل المدينة من العدوة إلى الجهة الشمالية للنهر، و هناك شيد رجالُه حي السويقة ، الذي لا تزال دروبه شاهدة على هذه العوائل ، منها درب شرفاء القوس ، و درب الرحموني … وهم أسر كبيرة بغاروزيم . كان هذا المعبر صلة وصل بين المدينة، و بين سكان حي بني عمران وحي الملعب ، و حي ريف القصبة، مرورا بالصُّفاح ، وصولا إلى العُدوة ومنها إلى معبر الفواراة ، ثم يعرجون على مرتفع به عين جارية يطلق عليها عين سيدي الحاج أقطران، نسبة إلى أحد شيوخ المولى عبد السلام بن مشيش دفين قرية أبروج بقبيلة الأخماس العليا ؛ كانوا يغرفون منها غرفاتٍ لإرواء عطشهم، و التبرك من كرامات الولي الصالح أقطران ، بصفته شيخا للقطب ابن مشيش، بيد أنه بعد تدفـــق و تشتت المياه العادمة على جنباتها في العقود الأخيرة من القرن العشرين، لحقها التلوث، فتم إهمالها تماما .
– المعبر الثاني يسمى مْجاز الترغي، يوجد على رأس الساقية الوسطى، كان مسلكه مرافقا لمجرها، يمر عبره راغبو تقليص مسافة المسلك السابق و مُلاك الحقول المستفيدة من الساقية، بمجرد عبورهم النهر في اتجاه المدينة تستقبلهم عين جارية تتدفق من تحت صخور صوان لا يمل العطشى من مائها الفضي شربا و توضؤا (عنصر الترغي )، بفضلها اكتظ هذا المكان بالسكان ، حتى سمي بحي الترغي ، بل كانوا سببا مباشرا في توقف الساقية بعدما بنوا بيوتهم على صدرها ،غير أنها هي الأخرى تعرضت للتلوث ، بسبب تدلي العمران الجديد على مشارفها . على بعد منها بعشرات الأمطار يمرون على عين أخرى تتدلى من أرض ريان ، غير أنها أقل من الأولى تدفقا ، ثم ينتهون إلى ساحة مولاي عبد الرحمان الشريف .
– المعبر الثالث يُسمى مجاز د حْبَرَّة وهو الطريق الذي يسلكه سكان حي علالش وملاكي اكرينسف السفلي ومرافقيهم ، ينطلق من الحي نفسه مرورا بجنان الكويشة و الرِّحي المخربة بقاع اكرينسف ( خندق الرِّحي )، ثم تعبر بملك ورثة سِّي احمد بن الحاج محمد، و أرض المزروب التي وهبها صاحبها صدقة جارية للحبوس، ثم تصل على معبر احبرة . فتنطلق صعودا بارض حبوس تنسب لبنريسون ، وعلى يمينها عين جارية تنبع من أرض بنطاهر العلمي ، هي الأخرى تغري المارين بصفاء وعذوبة مائها ، فيتوقفون عندها لإرواء عطشهم وتنظيف أحذيتهم من الغبار، أو الأوحال التي تعلق بها قبل مواصلة السير صعدا بجنان( كرباش) المغطى بظلال أشجار اللوز والتين والزيتون ، ثم يصلون إلى منتزه الحافة المنفتح على أغراس أولاد بالأمين العلمي ، و أغراس أولاد بنعلال ؛ لقد غزاها المعمار الجديد ، إذ أصبحت جميع الحقول هناك عين على أثر، رٌفعت على جباه دروبها أسماء غريبة عن المكان باستثناء عنوان الحي الذي احتفظ باسمه القديم ” حي الحافة ” .
– المعبر الرابع يسمى مْجاز زيتونة القنديل ( و هي شجرة موقوف زيتهاعلى قنديل مسجد سيدي السبع ) : وهو الطريق الذي يسلكه سكان غاروزيم السفلي و المؤلفة من عدة أحياء : حي الحجرة، و حي الطوالبة، و حي المرْبعة ، والريف السفلي . تشكل هذه الأحياء الكفة الثقيلة من القرية، لكون ثراها يستضيء بمسجدين قديمين ، هما مسجد سيدي السبع و مسجد العرب . تنطلق الطريق من محيط حجرة مولاي عبد السلام، و مسجد سيدي السبع و المربعة، ثم مسجد العرب ، فتعبر بين مقبرة سيدي احمد بنخلفون و بين مقبرة مرفاعة .. إلى جنان الفاسي و دمنة بنجبور وصولا إلى مجاز زيتونة القنديل ؛ هناك خلف النهر على جزء من دمنة بنجبور تتدفق عين فوارة يطلق عليها (عنصر د الكروم )، ماؤها دافئ في فصل الشتاء و بارد في فصل الصيف ؛ تقصدها النسوان باستمرار لغسل الملابس وأغطية النوم … فضلا عن ملء قُلَل الماء، و حملها على الدواب إلى بيوتهن ؛ وعلى بعد عشرات الأمتار منها تتدفق عين أخرى على رأس غرسة بندريس المحيطة بسور عال، و بداخلها مختلف المغروسات، وكأنها جُنَيْنَةٌ على الأرض. يلاحظ على المساحة الفاصلة بين النهر والمدينة أنها تفيض بعشرات العيون، هنا و هناك، لا شك أنها متنفس للأمطار و الثلوج التي تُخزنها الجبال الشاهقة المطلة على شفشاون . ينطلق الطريق المرصوص بالحجارة صعودا بين ملك أولاد البشير العلمي ، ومِلك القوطي و بندريس العلمي ، واولاد أجبار وصولا إلى حي الحافة .
جراء تغول النهر و تسلطه على السكان في فصل الشتاء خصوصا في السنوات الممطرة ، اضطرت الجماعة القروية أن تشيد قنطرة بالقرب من هذا المعبر لفك الحصار على أبنائها الذي دام ردحا من الزمن، و لم يتأت ذلك إلا في مطلع سبعينيات القرن الماضي ، إنها الآن آيلة للسقوط ؛ لقد استفاق الأهالي أكثر من مرة على فجائع بسبب خطف السيل العرمرم لأطفال أو نساء .. من أحد هذه المعابر. لقد كنتُ أحدَ الناجين بقدرة قادر من براثن تلك السيول الجارفة بمجاز الترغي، بسبب ارتفاع منسوب النهر في يوم داجن وأنا في العاشرة من عمري عند اذان المغرب، حالما كنت عائدا من مدرسة الحسن أبي جمعة إلى البيت ، وذلك سنة 1972 …

***

Views: 66

الاخبار العاجلة