الناقد: ذ كريم القيشوري22- 10 – 2025
بفضاء ” دار كم ” بالعاصمة الرباط /
المغرب .

الجزء الأول :
==========
” سيمفونية بلحن الألم ” مجموعة قصص أو ثلة نصوص حيكت بمغزل التنوع في أجناس تأليفها، حيث السرد شرب من معين الشعر، وحيث التقطيع المشهدي، انتقى الراوي والحوار والتشخيص من المسرح، وحيث التعبير شكل فسيفساء الإبداع عن روح الإنسانية المفتقدة من خلال عرض ثلاثة نماذج/ نصوص عن الهجرة والغربة والمعاناة والاضطهاد..وكل ما لا يمت للإنسانية بصلة.
في نص أول بعنوان : ” نور جان.. رحلة الشقاء “. ونص ثان بعنوان :” نزيف لا يندمج- أرض تأكل بناتها -. ونص ثالث بعنوان : ” رحلة المجهول..حين يصبح الحب موتا.

” سيمفونية بلحن الألم ” من إبداع تاء التأنيث، سفيرة الفعل الجمعوي-الثقافي لمغاربة العالم بالمهجر- ألمانيا – الشاعرة / القاصة المبدعة مماس أمزاوي، بتوطئة منها وإهداء للقارئ.
تصميم غلاف المجموعة من قبل المبدع الشاعر / الزجال محمد الناجح. وبتقديم تعريفي منه لمضمون الكتاب القصصي، كتكريم لكل شخص عاش في ظل الخوف والاضطهاد، ودفع حياته ثمنا للسلام.
المؤسسة المشرفة على طباعة الكتاب : مطبعة الرباط نت .
=====
العتبة الأولى : غلاف المجموعة. حيث في الصورة تتشابه الأسلاك كأنها أوتار آلة موسيقية، تتقاطع في صمت يشبه أنينا مكتوما، تتدلى كأنها خيوط الألم المنسوجة من نبض جريح، تصدر عنها سيمفونية من صدى الوجع الإنساني، لا تسمع بالأذن بل تحس بالقلب.
اللون الرمادي يهيمن على المشهد، رمزا للتيه والجمود، بينما تتسلل خيوط ضوء خافتة كأنها نغمة أمل تحاول النجاة من بين تشابك الأسلاك.
يقدم إذن الملصق غلافا فنيا، يتوسطه مشهد لفرقة موسيقية، تحت قيادة مايسترو، تعزف آلاتها بانسجام بصري يشي بجمال النغم وتآلف الإيقاع.
تتناغم الألوان والظلال في الصورة لتعكس روح الموسيقى بوصفها لغة كونية تترجم المشاعر الإنسانية إلى لحن بصري مؤثر.
أما العنوان فيحمل في ذاته دلالة رمزية عميقة، فهو لا يشير فقط إلى العمل الموسيقي المتكامل ، بل إلى تآلف الأصوات/ القصص في هذه المجموعة لتكون عملا أدبيا موحدا في تنوعه.
النص المثبت بخلفية الكتاب” المجموعة القصصية ” يتخذ شكل نص تأملي- رمزي- إنساني. يلتقي فيه البعد الذاتي بالبعد الجمعي، في لغة مكثفة ومشحونة بالدلالات ( وجوه لا تصرخ.. لكنها تقول كل شيء ). تعبير يمهد لثنائية أساسية في النص وهي : الصمت / القول – الغياب/ الحضور – الألم/ التعبير – هذه الثنائيات تخلق توترا جماليا يجعل النص يشتغل في منطقة الحد بين الأدب والشهادة، بين الشعر والتوثيق الإنساني.
1- على مستوى الدلالة : يبدأ النص بصورة بصرية – صوتية :
” مكالمة عالقة بين وطن لا يجيب ،
وصوت يرتجف في زحمة المجهول ” هذه الجملة/ الفقرة تشخصن الوطن وتمنحه صفات كائن غائب، صامت، لا يجيب، بينما يجسد الصوت الإنساني مركز للبحث عن انتماء أو استغاثة. المفارقة بين ” وطن لا يجيب” و ” صوت يرتجف في زحمة المجهول ” تختصر مأساة المنفى أو الاغتراب. وطن أصم، وإنسان متكلم لا يُسمع. ثم تأتي الفقرة التالية :” في كل قصة هنا، أنفاس خبأها اللاجئون في الحناجر، وصمت طويل..يشبه هذا الوجه”.
الصورة تنتقل من المستوى المجازي إلى الملموس البصري.[ صورة الكاتبة بوجه متعب قلق، يتجسد كمرآة للمعاناة الجماعية، وكتعبير عن الصمت كأيقونة.
2 – على مستوى الأسلوب : اللغة في النص إيقاعية- شعرية رغم كونها نثرية. نلمس فيها الانزياح البلاغي ” كعزف مكسور في سيمفونية الغياب ” حيث تتجاوز الموسيقى والغياب والكتابة في استعارة واحدة.
التكرار والتوازي في الجمل القصيرة ، مما يخلق نغمة داخلية تعمق الشعور بالبطء والحزن.
التكثيف: كل جملة تبدو كفقرة من قصيدة نثر. تقال على مهل لتترك فراغا دلاليا بعد كل نقطة.
3 – الرمزية : الرموز الأساسية في النص :
– الوجه : هو مرآة للوجع والصمت، وهو في نفس الوقت وثيقة إنسانية تتكلم بلا صوت .
المكالمة العالقة: رمز للانقطاع بين الإنسان ووطنه، أو بين الذاكرة والواقع.
السيمفونية المكسورة : تمثل الخيبة الجماعية، حيث الجمال موجود لكنه ناقص، مهدود.
4 – البعد الإنساني/ الفلسفي : النص/ النصوص. تعبر انتقاليا من الأنا الفردي إلى النحن الإنساني الجمعي.” اللاجئون..” ليسوا فقط بمعناهم السياسي، بل هم رمز لكل من نفي صوته أو تعطلت قدرته على التواصل. الكتابة نفسها تصبح فعل مقاومة.
” هي ليست حكايات، بل نداءات لم يسمعها أحد، ونحن نكتبها الآن “
الكاتبة تعلن هنا الكتابة بوصفها فعل إنقاذ للذاكرة، وترميم للصوت المبحوح.
== ==////====
السيمفونية هنا ليست مجرد موسيقى، بل استعارة للحياة، للألم، للحب، ولتجارب الإنسان المتعددة التي تشكل نسيج الوجود.
هكذا تقدم هذه السيمفونية ليس بوصفها مرثية، بل شهادة على أن الجمال يمكن أن يولد من الألم، وأن الإنسان رغم هشاشته، يظل قادرا على أن يصوغ من وجعه لحنا للحياة.
… ( يتبع)
Views: 29
























