الحلقة السابعة والعشرون من السيرة الروائية “عيطة دموع الخيل” لشيخ العيطة الحسين السطاتي 

جسر التواصل19 أبريل 2023آخر تحديث :
 الحلقة السابعة والعشرون من السيرة الروائية “عيطة دموع الخيل” لشيخ العيطة الحسين السطاتي 

شيخ العيطة الحسين السطاتي 

الدرك الملكــــي ( الفصل الثاني)
“حين لا تحب المكان استبدله، وحين يؤذيك الأشخاص غادرهم، وحين تمل ابتكر فكرة جديدة، وحين تحبط اقرأ بشغف..المهم في الحياة ألا تقف متفرجا”.
الفيلسوف أنطون تشيخوف


خلال شهر شتنبر سنة ألف وتسعمائة وثلاثة وتسعون، ولجت صفوف التكوين المهني، ودخلت أدرس وأتدرب بمعهد التيكنولوجيا التطبيقية بمدينة “سطات” شعبة التبريد والتكييف، إذ تدربت هناك إلى غاية شهر أبريل سنة 1994، وبالموازاة مع التكوين المهني كنت أقوم بين الفينة والأخرى بإحياء الحفلات والأعراس بصفتي فنان شعبي مغني وعازف كمنجة، إذ كنت في ريعان شبابي وفي أوج مراهقتي، وقد بدأت تبتسم لي الحياة..
في ذلك اليوم الربيعي الرائع ، كان الجو معتدلا والطقس جميلا، وكان يومه الخميس حيث لا أتذكر التاريخ بالتحديد، وحوالي الساعة الحادية عشر صباحا، كنت أقوم بتلحيم صندوق ثلاجة داخل القسم، فقدم عندي أحد أصدقائي، وأخبرني أن أبي ينتظرني في زيارة أمام باب المعهد، أخذت الإذن من الأستاذ المكون “سي عبد الخالق مجيد”، وخرجت عند أبي رحمه الله، والذي وجدته في كامل أناقته بزيه التقليدي المغربي، الجلباب والبلغة والعمامة الصفراء.

وبعد التحية والسلام أخبرني أنني نجحت في امتحان الدرك الملكي. وسلمني الظرف المرسل إلي، الذي سلمه له البقال “المحلوب نور الدين”، فتحته وقرأته، كان استدعاء من قائد مجموعة مدارس الدرك الملكي بمراكش الكولونيل “أولحاج”، فرحت وحزنت للخبر، فرحت لأنني توفقت في النجاح ضمن المرشحين في الامتحان وهذا شرف لي أمام أصدقائي وأمام أبناء الدوار، وحزنت لأنني سأضيع وقتي وفلوسي القليلة في تجربة فاشلة، حيث كنت أظن أنني لن أنجح في الامتحان البسيكولوجي ولن يتم قبولي، إضافة أنه لو أنني نجحت وتم قبولي، سأغادر الدراسة بمعهد التكنولوجيا التطبيقية، وسأغادر الفن والموسيقى ومتعة السهرات وروعة الحياة الفنية، لكن أبي رحمه الله وأسكنه فسيح جناته، والحقيقة تقال، خيرني بين الأمرين، رغم أنه من خلال كلامه كنت أستشعر أنه يلمح لي بأن أذهب إلى الدرك الملكي، كان يريدني أن أصبح “جدارمي”، فوعدته بأنني سوف أذهب إلى الدرك الملكي ولو للتجربة.
ودعت أبي وعدت إلى القسم وأخبرت أصدقائي وأساتذتي بالموضوع، ففرحوا لي وهنئوني، ولحسن الحظ كان يدرس معي المسمى “القداوي رضوان” في نفس الشعبة، وهو الآخر في يوم الغد توصل باستدعاء الدرك الملكي، أخبرت صديقي “رضوان القداوي” بفكرة تحريرنا لشواهد طبية مدة العجز بها عن العمل عشرة أيام، ونوجهها إلى إدارة المعهد، إذ في حالة ما إذا لم نقبل في الدرك الملكي نعود إلى المعهد نكمل دراستنا وتكويننا المهني، فرحب بالفكرة وتوجهنا إلى إدارة الموسسة للتشاور، وأخبرنا السيد الحارس العام بالحقيقة حينها رخص لنا بأن نذهب بدون تحرير أية شواهد، وفي حالة فشلنا في الامتحان نعود إلى القسم بالمعهد.

وبتاريخ 23 أبريل سنة 1994، انتقلت رفقة صديقي “القداوي رضوان” إلى مدينة “بن جرير” حيث نزلنا بفندق “ميلانو” المتواجد بشارع محمد الخامس قرب محطة القطار، فندق بسيط غير مصنف مطل على السوق الأسبوعي، وقد أدينا للمرأة المكلفة بالاستقبال مبلغ ثلاثون درهما للشخص الواحد وبتنا نحن خمسة أفراد كلنا من المرشحين للتجنيد بصفوف الدرك الملكي، داخل غرفة واحدة بها سريرين وافترش بعضنا الأرض، وفي الصباح استيقظنا حوالي الساعة السادسة صباحا، وتوجهنا على مثن سيارة الأجرة إلى الثكنة العسكرية الكبيرة الكائنة على طريق مراكش، وهناك وجدنا عدد كثير من المرشحين وكان أغلبهم مرافق بدويهم وأوليائهم من الميسور عليهم، وذلك واضح من ملابسهم وأنواع السيارات التي كانت تقلهم، فظننت أنا وصديقي رضوان أننا لن نقبل وذلك لما شاهدناه من تدخلات في الباب وتحيز واضح، لكننا عزمنا أن ندخل الثكنة ونجرب حظنا، وليس لدينا ما نخسره.
في ذلك الصباح ( يوم 24 ابريل 1994)، حوالي الساعة السابعة صباحا وبباب القاعدة العسكرية وجدنا في انتظارنا المدربين العسكريين الدركيين من مختلف الرتب، الذين قاموا بالتأكد من هويتنا، بفحص بطاقة التعريف ووثائق الملف بما فيها استدعاء الدرك الملكي، بعد ذلك انتظمنا في طابور طويل من ثلاثة صفوف، كان عددنا يصل إلى ثلاث مائة مرشح، ثم قادونا مسافة ستة كيلومترات مشيا على الأقدام إلى حين وصولنا مركز التدريب للدرك الملكي وسط القاعدة العسكرية، لأول مرة أعيش ذلك الجو العسكري، حيث كنت أشاهده فقط في الأفلام السينمائية، الباب الرئيسي للتكنة العسكرية الكبير، وجنود بمختلف الرتب، وببذلات عسكرية مختلفة ألوانها، وبنايات تضم مراكز تكوين لوحدات مختلفة؛ المظليين والمشاة والهندسة العسكرية..يتوسطها مركز التكوين للدرك الملكي، هناك وجدنا أفواجا أخرى من المرشحين سبقونا بأيام، ومنهم من أعلنت نتائج قبولهم، تسلموا البذلة الخضراء الحربية، وحلقوا لهم رؤوسهم وبدؤوا في التدريب، في ذلك اليوم وحوالي الساعة العاشرة صباحا، بدأنا في اجتياز الاختبار بداية بالفحص الطبي وبعده الامتحان السيكولوجي، كنت أظن أن نسبة نجاحي ضئيلة جدا نظرا للعدد الكبير للمرشحين وكثرة التدخلات والتمييز والتفاضل الظاهر للعيان.

من خلال اليوم الأول بدت لي تباشير الحياة العسكرية وقسوتها، كان يؤطرنا مدربين دركيين ضباط صف برتب مختلفة، وكان المطبخ تابع لوحدة المشاة للقوات المسلحة الملكية، كان الأكل رديئا والمعاملة قاسية وصارمة، الأكل يوضع في الخبز مباشرة، في وجبة الغداء مرق بلحم الجاموس وصحن فول، وفي وجبة العشاء، خبز وحريرة وبيضة، وفي وجبة الفطور خبز وقهوة ومربى، ونوم في المرقد على أسرة بدون أغطية، سب وشتم واهانة من طرف بعض المدربين بسبب أو بدون سبب رغم أنه لم تعلن نتائج قبولنا بعد، كانت هذه الأيام الثلاثة الأولى كافية لأتخذ قراري بأن أنسحب أو أكمل في هذه الحياة العسكرية المتعبة المقرفة بالنسبة إلي كفنان له إحساس مرهف، ولولا حياتي الريفية البائسة وسنواتي بالقسم الداخلي ما صبرت في هذه المهنة.

وبتاريخ 27/04/1994 حوالي الساعة الثالثة مساءا بأمر من أحد الضباط الدركيين اجتمعنا بساحة المركز، وذلك من أجل الإعلان عن المقبولين منا، حيث شرع الدركي الرقيب أول “محمد جاعوط” في عملية النداء بصوت خشن أجش مرتفع، وكنت من ضمن العشرة الأوائل المقبولين في سريتنا الذين تمت المناداة عليهم، كما ثم قبول صديقي القداوي رضوان.
تم إخراج المرشحين غير المقبولين خارج القاعدة العسكرية منهم من يبكي ومنهم من يسب ويشتم، ومنهم من يدعي أنه سلم رشوة..وبالنسبة لنا بدأت رحلة التدريب العسكري، بل رحلة العذاب، حيث صارت المعاملة عسكرية قاسية ومهينة، عينت بالسرية العاشرة التي كان يترأسها في الأول الدركي الضابط الملازم أول “برامي حسن” ليعوضه بعد ذلك الضابط “الملازم ياسر يعلى” وضباط صف منهم: (برتبة مساعد بوغانيم وبرتبة رقيب أول: (العوني كريم، محمد جاعوط، محمد سجيع، حمزة، الداجي، عليلو، الصغير، لمخنتر، العماري)، وبرتبة رقيب: الصنيعي، بركان..).

لقد استقريت خلال فترة التدريب العسكري ماديا لكن ليس معنويا ونفسيا، كان طاقم التدريب قاس جدا ومهين؛ ضرب وسب وشتم وقمع وتفضيل.. والمكافأة في أدنى الأحيان ركلة على المؤخرة حسنة ولطيفة لكن في الوقت نفسه قوية، كان كل ما يحصل من طرف طاقم التدريب العسكري بكل رتبه من تصرفات مهينة ومشينة وحاطة من الكرامة الإنسانية يعزونها إلى التكوين العسكري مؤمنين جد الإيمان بمقولة: “هذا هو العسكر”، كان مدرسونا يسمون “مدربين” والواجب الملقى عليهم هو تعليمنا وتدريبنا وتكويننا عسكريا، وعليهم أن يجعلوا منا مواطنين صالحين مسؤولين حسب مفهومهم، وأن يغرسوا في نفوسنا نوعا من الطاعة العمياء للسلطة، يشبه ما يحاول القادة فرضه على مرؤوسيهم منذ فجر التاريخ، وهناك هدف واحد للعقلية العسكرية يتجلى في جعل العسكريين يستجيبون قدر الإمكان للأوامر بصورة آلية، يريدون من المرء طاعة عمياء كأنه جهاز هاتف أو بندقية آلية، وأن يستجيب الجنود كمجموعة لا كأفراد، وتلك هي الطريقة الوحيدة التي تستطيع من خلالها قيادة جيش بأكمله، وكنت متأثرا بالسينما العسكرية وكان هذا يعجبني كثيرا رغم تضايق أصدقائي من التداريب العسكرية، فأن تنظم الناس وتجعلهم يسيرون بخطوة متزنة وهم يرتدون زيا واحدا وضمن تشكيل واحد أمر يروقني، لذلك كنت أجد متعة وأنا أدرب العسكريين لما صرت مدربا عسكريا.
قضيت مدة أربعة أشهر في التدريب العسكري دون أن أغادر باب الثكنة العسكرية، لم أرى فيها أي شخص من أقاربي أو أصدقائي، ولم يأتي أي أحد لزيارتي، في المقابل كان بعض التلاميذ الدركيين منا يخرجون كل أسبوع، وذلك بطرق ملتوية، إما بدفع رشوة، أو وساطة من ضابط سامي..أما أنا فكنت أكتفي بالتواصل بالرسائل البريدية مع أصدقائي في معهد التكنولوجيا التطبيقية بسطات، وفكرت مرارا أن أغادر الجندية وأعود إلى الحياة المدنية، حياة التكوين المهني والموسيقى والغناء، لكن الفقر والحاجة وسمعتي وسط العائلة، والحالة النفسية لوالداي.. كلها كانت عوامل كانت تدفعني للصبر والمقاومة.

وفي ذلك الأحد من فصل الصيف، كان الجو حارا بالقاعدة العسكرية، مباشرة بعد وجبة الغداء بالمطعم العسكري، ناد علي الرقيب أول المداوم “محمد جاعوط”:
-” المحبوب الحسين عندك زيارة في الباب، مك وباك كيتسناوك في الباب” ديال القاعدة العسكرية.
غمرتني فرحة وسعادة لا توصف، وأنا مرتديا بذلتي العسكرية الخضراء الحربية والحداء العسكري، توجهت مسرعا إلى باب الثكنة، بخطوة رياضية بمسافة ستة كيلومترات، حيث وجدت أبي رحمه الله بجلبابه النحاسي اللون وعمامته الصفراء وبلغته الصفراء، وأمي رحمها الله إلى جانبه بقاعة الانتظار، أديت لأبي التحية العسكرية، فرد علي بأحسن منها باشا فرحا مبتسما، وسلم علي وعانقني، ثم سلمت على الأم التي حضنتني وانهمرت عيناها بالبكاء، تفحصني أبي من تحت إلى فوق كم أعجبه منظر أن يراني بالبذلة العسكرية، لعله تذكر أيامه العسكرية في حرب الهند الصينية إلى جانب الجيوش الفرنسية.. أما أمي فكانت تضمني إليها وتبكي، توجهنا إلى حديقة القاعدة العسكرية المتواجدة أمام الباب، أكلت معهما ما تيسر من الطعام الذي أتت به أمي، وما ألذه من طعام، وأبي يوصيني ويلح علي:
– شوف يا ولدي جمع راسك و كون راجل، عنداك يغرك راسك وتزرطي، ونسى عليك حرفة تشياخت راها حرفة مدلولة، ها أنت بديتي في الحرفة المعقولة، راه السطاج يفوت وتولي راجل بشانك وبقيمتك و كلمتك، الناس راهم عطاو عليها الملاين وملقاوهاش، ايلا هربتي منها قتلتيني وأنا حي.
هذه الجمل كانت بمثابة الزاد والمصل الشافي، فكنت كلما كرهت التدريب العسكري الدركي ومتاعبه، كنت أستحضر وجه أبي وهو يتلوها علي، فأصبر على الاهانة والذل والتمييز علني أحضى بغد مشرق أفضل.
 

الاخبار العاجلة