الحلقة الرابعة من السيرة الروائية “عيطة دموع الخيل” لشيخ العيطة الحسين السطاتي 

جسر التواصل27 مارس 2023آخر تحديث :
الحلقة الرابعة من السيرة الروائية “عيطة دموع الخيل” لشيخ العيطة الحسين السطاتي 

شيخ العيطة الحسين السطاتي 

“إن أعلى الأشجار وأقواها تنبت شامخة إلى العلا بين الصخور”
الدكتور كمال مكتوم


أمــــي:

“المرشود السعدية بنت محمد” الله يرحمها ويسكنها فسيح جناته، ويجعل قبرها روضة من رياض الجنة، امرأة ريفية من مواليد سنة 1939، تقريبا، (1939-2016)، كانت من عائلة متدينة محافظة، والدها المرحوم “الفقيه سي محمد بن عبد الله”، كان فقيها وإماما لمسجد، وأمها “بذرة بنت محمد”، وإخوتها سبعة ذكور حاملين لكتاب الله، وكانت هي البنت الوحيدة في الأسرة التي لم تقرأ ولم تدخل الكتاب، فقط لأنها امرأة، كانت صبورة لبوءة في بيتها، وديعة ولطيفة عكس أبي تماما، قاست الكثير مع والدي وأسرته وحسب قولها أنها فضلت الصبر والحرمان والفقر والقهر من أجل تربية أبنائها على الطلاق والعودة إلى بيت أهلها بدوار “المهداوة” بنفس القيادة بالمنطقة، كان لباسها كجميع القرويات محتشما محتجبا، كانت طباخة ماهرة حيث كانت تطبخ في المناسبات والحفلات عند الناس لتساعد أبي رحمه الله على مصاريف الحياة، كما كانت تشاركنا في الأعمال الفلاحية بالحقول، وفي صناعة وتجارة الفخار بالخيمة التي ننصبها بالسوق، كان لها تأثيرا قويا ودائما على حياتنا داخل الأسرة بسبب تحملها ومساهمتها في عبء المسؤولية العائلية، كانت رحمها الله رمزا للمرأة المناضلة المحاربة لتكاليف الدهر، كانت هي العاملة الخادمة، الطباخة، الممرضة، والمربية، والساهرة طول الليل إلى أن نشفى، ولروحها السلام، وقد كتبت عنها عدة قصائد زجلية ألقيتها في محافل أدبية وغنيتها في مناسبات هدية مني لأم مناضلة حنونة ومكافحة.كما كتبت قصائد ولحنتها عن الأم وسلمتها لفنانين شعبيين قاموا بتسجيلها..كانت أمي رحمها الله، امرأة رقيقة الإحساس مرحة، وكان لها صوت جميل، وقد تعلمت منها بعض “البراويل العيطية” والقصائد الشعبية والقصص المغناة وأذكر منها: (قصة بوفسيو والسبع، قصة ميلودة، قصة العاشقة منانة وقصة ودكة وقصة الصياد ..وغيرها من القصص الجميلة)، كانت تحكي لنا الحكايات في الليل حتى ننام (هينة والغول، حديدان، الديب والعنزة.. وغيرها من الحكايات المثيرة).كانت تحب كثيرا أغاني الشيخة الحاجة الحامونية وكانت قريبة الشبه منها، وتعجبها أغاني الشيخة الحاجة الحمداوية والشيخة فاطنة بنت الحسين.. كما كانت تعشق أغاني الفنان الكبير نجم المداحين الشعبيين “الحاج عبد الكريم الفيلالي” وقصائده في مدح نبينا محمد (صلى الله عليه وسلم) وقصص الأنبياء.. وقصائد هذا الفنان الشعبي وحكاياته الممزوجة بالواقع الجارح.

كانت أمي رحمها الله وأسكنها فسيح جناته نبع الحنان والرأفة، كانت حليمة متسامحة، صبورة قنوعة، حليمة حتى في قمة غضبها ورحيمة حتى في منتهى قسوتها، كانت نساجة ماهرة للزرابي والجلابيب والأغطية.. وأتذكر أنها كانت تضرب الإيقاع بالمشط على خيوط الصوف بالمنسج وتغني لي براويل من المرددات النسائية من أغاني “اللعابات”، كم أحببتها أمي الحنونة رغم أنها كانت تقسو علي أحيانا حيت كانت تعمد على تكسير آلة الكمان التي كنت أصنعها من مبيد الحشرات، ومرة كسرتها ضربا على رأسي.كان لها صوتا شجيا وجميلا تغني أغاني اللعابات ..لكنها كانت ترفض أن أكون موسيقيا مغنيا، كانت ترى أن طريق الفن طريقا محدودا ومسدودا ولا يضمن عيشة كريمة للفنان، ودائما كانت تردد على مسامعي عبارتها “الفن ميوكلش الخبز”.

أمي يا أغلى من روحي ومن دمي، رمز في الكفاح والنضال، والمعاناة، ونكران الذات والتضحية، كم فرحت وسعدت بي لما صرت دركيا وضابطا للشرطة القضائية، وكم كانت تكون فرحتها وسعادتها لما تزورني في المراكز الترابية بالمدن والقرى التي كنت أعمل بها، كانت رحمها الله كلما حللت ضيفا عندها تستيقظ باكرا وتوقظني ونصلي الفجر وهي من زرعت فيَ المواظبة على الصلاة، تحضر فطورها التقليدي الرائع، “شاي، ملاوي، خبز محراش، عسل حر، سمن، قهوة بحليب البقر وأحيانا الحريرة..” آه كم أحن إلى خبزها، أمي تفعل كل ما أحبه دون أن أطلب منها شيئا، فهي تفعل كل ما في وسعها وأكثر لأكون راضيا وسعيدا في بيتها، ومن لا يكون سعيدا في حضن أمه؟ هاته المخلوقة هي الصدر الرحب والحنون الذي نرمي عليه برؤوسنا المثقلة بالهموم والأحزان، فتلامسنا بأناملها الحنونة وتربت على جراحنا، فترتخي أوجاعنا وتترهل ألامنا وتذوب معاناتنا وتهدأ عواصفنا، فنستسلم لنوم هادئ ومريح على ركبتيها، آه عندما يمزقنا الحزن نتمنى لو عدنا صغارا، نبكي على صدر أمهاتنا، مبررين ضعفنا بالطفولة. رحم الله أمهاتنا.

 
 

Views: 9

الاخبار العاجلة