شعر ورواية

كريم القيشوري يكتب (الحجر الصحي احتراز من محنة؛ أم بلاء بمنحة ؟ )

كريم القيشوري

 

يسعدنا من خلال هذه الفسحة الممنوحة من قبل الحجر الصحي التي خولها للعالم “فيروس كورونا” والذي وسم بــ ” كوفيد 19″ أن نلقي نظرة على تفاعلات الجسم الإبداعي؛ خاصة الكتاب من شعراء وقصاصين وروائيين وفنانين ونقاد وإعلاميين.. ومدى انعكاس ما يعيشه العالم من وضع لا يحسدون عليه من خوف وهلع وفزع.. متسائلين عن قرار الحجر بالبيوت. هل هو احتراز من محنة؛ أم بلاء بمنحة ؟ وبإطلالة مسحية على ما ينشر بالفضاء الأزرق؛ عن طريق وسائل التواصل الاجتماعي وبخاصة ” الفايسبوك” ؛ اجتذبني ما يكتبه صاحب الإصدارات القصصية التالية : ” السيد ريباخا” و ” البرشمان ” و” علبة البنادورا” و “اعتقال الغابة في زجاجة” و ” الشركة المغربية لنقل الأموات” و ” ثقل الفراشة فوق سطح الجرس” و ” خياط الهيئات ” و” مصحة الدمى” و ” أريج البستان في تصاريف العميان” المهووس بصناعة الضوء وليس بتلقيه ـ كما يقول ـ المبدع المغربي القاص أنيس الرافعي ؛ من خلال رصد يومياته المواكبة للحدث؛ برؤية تمتح مواضيعها من لوحات فنية تشكيلية وصور وألبومات ..لثلة من أهل فن التشكل والتصوير والإبداع من مختلف دول المعمور؛ عبر آلته اللغوية التي يعزف من خلالها على أوتار جولات بين ضفاف الكتب والأفلام والرسوم والصور.. والتي تجعل من القارئ/المتتبع وكأنه في رحلة سياحية في منتدى البهاء؛ بعيدا كل البعد عن واقع البلاء والوباء. أنيس الرافعي من خلال “أرخبيل الفزع ” عنوان يومياته الخاصة ؛ يحاول أن يخرجنا من بؤس اليته إلى جمالية المتاهة؛ عبر سلسلة من المقالات/القصص/القراءات.. التي أبدع فيها وأمتع. ويسعدنا أن نقدم اليومية 16 من ” أرخبيل الفزع” التي يقدم من خلالها أنيس الصمت في برنامج أسبوعي . جاء فيها بعنوان : طائر ” الغلامنغو ” لايصل أبدا إلى أرض الصمت . ( إلى ربعي المدهون ، تألق ” الرائع ” في سماء “المريع ” ) في غضون الأسبوع الثالث من الحجر الصحي الطوعي ، و حتى أظل ممسكا بزمام لياقتي النفسية و لا يهرب مني رسن الأرخبيل السادس عشر في يم ولجة الهواجس السوداء الفحيمة ، قررت أن أختفي .نعم ، أن أحتجب بمحض إرادتي و بكامل قواي العقلية في طيات الصمت . الصمت الحميد .الصمت المبهج. الصمت القاطع الذي يصيب دائرة اللغط في الصميم . أن أسكن بداخله وفي قلب تجاويفه البعيدة وشقوقه السرية ، بمنأى عن ترجيعات ضجتي اليومية الشخصية المتولدة عن الكلام الخاوي، بمعزل عن أصداء ضجيج مدينة “كازابلانكا ” الزاعقة مثل مكبر هائل للصوت لايني عن الصليل منذ الأزل ، و بمجانبة لترسبات أصوات العالم الهادرة المهذرة المزعجة لرهافة كياني و التي لم تعد لي في زمن الوباء الرنان أو حتى بعد انحساره و كبح جماحه رغبة في سماعها مطلقا. ولأن الإنمحاء الذاتي في الصمت هو ترياق و عقار ” كلوروكين ” الحقيقي لفيروس ” كوفيد -19 ” ، فقد تطلب الأمر مني وصفة خاصة و تدريجية لإنجاز الإضمار البالغ . “ميطودولوجيا ” توجيهية لمعرفة كيفية النزول غورا إلى قاع السكون التام.

دليل استعمال منظم للإغضاء الشامل. ففي يوم الإثنين ، قرأت رواية ” الصمت “(1966) للياباني الأمهر ” شوساكو إندو ” ،مستشفا من فصولها الماتعة توازن إيقاع الوجود مع ما يحوط بي من أشياء زائلة ، وكذا قوة الطاقة النورانية الداخلية الدافعة ، التي وضعت أمام بصيرتي صلابة الإنسان وضعفه ، فنحن لا نرضى على ما لدينا من نعم صغيرة غفيرة و نتصرف كما لو كنا كثبانا رملية هوجاء لا يمكنها الاستقرار في أي مكان . الكثبان الرملية قدرها التلاشي ، لكن الصمت الصلب يظل مستقرا بالدواخل إلى ما لانهاية ، إلى الأبد غير المتجزئ ، المعاكس في لبه لتجزأ خلايا الزمن المتبددة . أما يوم الثلاثاء ، فكان فرصة لمشاهدة فيلم ” الصمت الكبير ” (1968 ) لأهم مخرج إيطالي ضمن موجة ” ويسترن المعكرونة ” ، الساحر ” سيرجيو كوربوتشي ” ، إذ كنت أبكما صنو الممثل ” جون لوي تريتنيون ” في الشريط ، فوق جواد أدهم وهمي، أقطع على إيقاع موسيقى ” إنيو موريكوني ” المتهادية الحادة ، الفيافي والقفار الرحبة وسط عاصفة ثلجية مهولة .عاصفة أضاعتني عدة مرات في غابة كثيفة شاسعة ،غير أن هذا التيه هو من فضائل الصمت المنوه بها ، فوجدتني في نهاية الفيلم عائدا إلى قواعد سريري الخلفية سالما معافى ، غافيا شاخرا حالما بغد أفضل حتى الصباح الموالي . في حين كان يوم الأربعاء هامشا للسياحة في سفر ” عالم الصمت ” (1948) للفيلسوف الألماني اللاهوتي ” ماكس بيكارد ” ، الذي قادني إلى حصانة و وثاقة الانطواء في عالم مطوق بمشاعر و غرائز و بواعث وأفعال الثرثرة و الصياح. في مبحث ” بقايا الصمت ” ، كنت بصحبة فكرية كريمة ، أنسف البقايا الأخيرة للحشو المهرف و ركاكة الهراء و هذاء الصخب ، كما لو أن أمرا عسكريا حازما قد صدع بغاية إحصاء بقية الخلط في كل شخص وفي كل بيت ، وذلك من أجل إستئصال تلك البقية كعدو لدود طافح الخصومة. و بوصول يوم الخميس ، اليوم الملائم دائما لغواية الشعر و مهاويه ، رافقت ديوان ” نحات الصمت ” للشاعر المتأمل الرائي ” أوجين غيوفيك ” (1907-1997). تشبعت بانصاتاته وتبكماته ، بأركيولوجياته السحيقة و اقطاعياته المحروسة بمناعة الصمت و المحذرة من صعوبة الاستيلاء عليه ، تلك التي جعلت الكرسي ينسى ضجته. ينسى خشبه القديم. ينسى جريمة الغابة. ينسى الوحوش التي تركت أ ظلافها على لحائه . وحتى إذا حدق إليه حجر شزرا، كان لطيفا وابتسم له ابتسامة الوليد الفرحان بحليب البزازة .و بخصوص يوم الجمعة ، فقد ضاع لي هدرا و تفتت فيه صمتي و تذرر و تضرر ضررا جسيما ، لأنني فكرت بتهور غير محسوب في إعداد قصعة ” كسكس ” معتبرة . الوجبة ذاتها ، التي تستلزم الكثير من الأواني المستطرقة و الكثير من الخضر و البهارات و الطيبة و الدفئ القطيعي و الروح الجماعية ، مما يتناقض على طول الخط مع وجوم الصمت و نجاعته المضاد حيوية . فالصمت و ” الكسكس ” لايجتمعان كالحمامة و القط . كالقط و نظرة أمي المعاتبة اذا ما تعدى عتبة المطبخ . كالشاطئ الصخري المهجور و العلبة الليلية في ذروة الموسيقى . كمشجب عليه قبعة رياضية وحيدة و خزانة ملابس مكتظة بالأشباح. ولما كان يوم السبت ، تغرغت لمؤلف ” الصمت : لغة المعنى والوجود “(2019) لعالم الإجتماع و الإناسة الجسداني ” دافيد لوبروطون “، في ترجمة لامعة لفريد الزاهي جازاه الله خيرا ، متعاقبا كقطار طويل يمر عبر محطات كثيرة متتابعة على صمت المحادثة و سياسات الصمت و آداب الصمت و مظاهر الصمت وروحانيات الصمت و فناءات الصمت ، حتى قطعت ” الخرخشة ” و العجيج من دابر طويتي. ووقتما أزف الأحد ، وبعدما تمليت من شرفة الشقة صمت الحديقة باهظ الأثر على الورد و شغور الساحة المهيض جراء حظر التجول مثلما لو أنني أحد الرواد المفترضين ل ” متحف الصمت” (يوكو أ غاوا) ، كنت قابضا في مبتدى اليوم على ” ألبوم الصمت ” (2014) للفنانة الصينية المبهرة ” ماي -ي “. على الأخص ، في تفاصيل ثلاثيتها عن رمادية الصمت داخل المنازل ، التي تعادل في تقديرها واقعية الحياة اليومية و قسوة الكينونة و تلوث الوجود . الرمادية عينها ، التي تخلق وهم الصمت فقط مصحوبا بالضجر و الوحدانية و اندثار الألفة. تهيأ لي من خلال رسوماتها الثلاثة مغرية البرودة و الحياد ، أني مقطع الأوصال فوق طاولة خشبية خفيضة تحت مصباح منير نازل من السقف حد منتصف الجدار .أني مفصل الأطراف داخل نعش واقف قدام علامة مرور صغيرة لتقاطع الطرق .أني كطائر “الغلامنغو” أقف فوق أرضية بها مربعات زليجية متساوية و بمحاذاتي طاولة قصيرة المقام وطيئة القدر ، وحين وددت في متم النهار أن أخرج من اللوحة كيما ألتحق سريعا بصمتي ، تعسر علي الاختفاء ، إذ تذكرت أني كنت فقط بساق واحدة !..في الأسبوع الرابع ، ترى هل سيكون بمستطاعي أن أختفي بسهولة و سلاسة عن عارك الأرواح و ناجز المهمات و مناوش اللذات ، الذي أضحى القرين الحقيقي للصمت الخارج عن طوره ، للصمت في أعلى درجاته و أعنف تجلياته ..من يدري ؟

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى