فاطمة الفهرية بنت مسجد القرويين وصامت حتى يوم تدشينه

جسر التواصل23 سبتمبر 2022آخر تحديث :
فاطمة الفهرية بنت مسجد القرويين وصامت حتى يوم تدشينه

جسر التواصل/ مراسلة: شيماء مدان
تعتبر فاطمة بنت محمد الفهرية القريشية، شخصية تاريخية خالدة في ذاكرة التاريخ التونسي والمغربي، تعود أصولها إلى ذرية عقبة بن نافع الفهري القرشي، فاتح تونس ومؤسس مدينة القيروان، كان لها الفضل في بناء مسجد القرويين، الذي تحول بعدها الى جامعة.
ولدت فاطمة الفهرية عام 800 ميلادية، بمدينة القيروان في تونس، هاجرت بعد فترة مع والدها الفقيه القيرواني محمد بن عبد الله الفهري، وأختِها مريم، إلى مدينة فاس بالمغرب، حيث تزوجت هناك
كان والدها رجل تونسي عربي، ذا مال عريض وثروة طائلة، ولم يكن له من الأولاد سوى بنتين، فاطمة “الملقبة بأم البنين” ومريم، أحسن تربيتهما واعتنى بهما حتى كبرتا.
فلما مات، ورثته ابنتاه ورأتا ضيق المسجد بالمصلين، أحبتا أن تخلدا ذكرى والديهما بخير ما درج عليه المسلمون باتخاذ المساجد سلما للمجد. عمدت فاطمة الفهرية في أول رمضان عام 245 من الهجرة، إلى مسجد القرويين فأعادت بناءه مما ورثته من أبيها في عهد دولة الأدارسة، وضاعفت مساحته بشراء الحقل المحيط به من رجل من هوارة، وضمت أرضه إلى المسجد، وبذلت مالاً  برغبة صادقة حتى اكتمل بناؤه في صورة بهية وحلة رصينة. وتذكر المراجع التاريخية أن فاطمة الفهرية هي التي تطوعت ببنائه وظلت صائمة ونذرت ألا تفطر يوما حتى ينتهي العمل فيه. و امتدت مدة الاشغال حوالي 18 سنة، من (سنة245هـ، إلى سنة 263هـ /876م).

ومن بين ما ترويه كتب التاريخ عن فاطمة، انها عقدت العزم على ألا تأخذ ترابا أو مواد بناء من غير الأرض التي اشترتها بحر مالها، وطلبت من عمال البناء أن يحفروا حتى أعماق الأرض، ويستخرجوا من أعماقها الرمل الأصفر الجديد والأحجار والجبس ليستخدموه في البناء. بدأ الحفر بإنشاء بئر، ليشرب منه البناءون، ويستخدمونه في أعمال البناء.
ثم عمدت بعد ذلك إلى حفر بناء أساس وجدران المسجد وقامت بنفسها بالإشراف عليه، فجاء المسجد فسيح الأرجاء محكم البناء وكأن فاطمة عالمة بأمور البناء وأصول التشييد، فبدا المسجد في أتم رونق، وأزهى صورة، وأجمل حال وزخرف. وعند إتمام البناء، صلت فاطمة صلاة شكر لربها على فضله وامتنانها لكريم رزقه وفيض عطائه الذي وفقها لبناء هذا الصرح الذي عرف بمسجد القرويين نسبة لموطنها القيروان.
لا يزال جامع القرويين إلى جوار جامع الأندلس الذي بنته شقيقتها مريم، يؤديان دورا رائدا في نشر الإسلام والعلوم في المغرب و أوروبا. وأصبح جامع القرويين الشهير أول معهد ديني، وأكبر كلية عربية في بلاد المغرب الأقصى.ويعتقد الكثير من المؤرخين أن مسجد القرويين أصبح جامعة بداية عام 877 م، وذلك بفضل دروس العلم التي كانت تنظم في حرمه في وقت مبكر بعد تأسيسه، لكن البعض الآخر يرى أنه تحول إلى جامعة حقيقية بداية من عصر المرابطين، وزاد إشعاعه في عهد الدولة المرينية خلال القرن 14، والتي اتخذت من فاس عاصمة لها بدل مراكش. فبنيت العديد من المدارس حوله، وعزز الجامع بالكراسي في شتى أصناف العلوم كالفقه، والأدب، والرياضيات، والفلك، وغيرها.
وتصنف جامعة القرويين على أنها أقدم جامعة في العالم، فهي تسبق جامعات أوروبا بحوالي قرنيْن من الزمن، وتدل القوائم الطويلة للفقهاء، والشعراء، وعلماء الفلك والرياضيات، ممن جاؤوا من بلدان مختلفة لطلب العلم في جامعة القرويين على الصيت الذي كانت تتمتع به الجامعة. فمن بين هؤلاء، المؤرخ “عبد الرحمن بن خلدون” المولود بتونس، وهو صاحب كتاب “العِبر” ومؤسَس علم الاجتماع الحديث، و “أبو الوليد بن رشد” الطبيب والفيلسوف المعروف، والطبيب الأندلسي “موسى بن ميمون”، و “الإدريسي” أشهر الجغرافيين العرب والمسلمين، وعالم الرياضيات والفلك الشهير “ابن البناء المراكشي”، و “ابن غازي المكناسي” عالِم القراءات والرياضيات، و “بابا الفاتيكان” سيلفستر الذي تنسب إليه عملية نقل الأرقام العربية إلى أوروبا، وغيرهم
واشتهرت جامعة القرويين بمكتبتها التي أنشئت كذلك في العصر المريني، ضمت إليها فيما بعد مكتبة السلطان الموحدي يوسف بن عبد المؤمن، وتضم المكتبة أكثر من 4000 مخطوطة، تشمل مخطوطات للقرآن الكريم من القرن التاسع الميلادي ومجموعة من أقدم مخطوطات كتب الأحاديث النبوية.
توفيت فاطمة الفهرية سنة 878 ميلادية، بمدينة فاس، بعد سنوات قليلة من انتهاء بناء المسجد، لتكون بذلك مؤسسة جامعة القرويين، أول جامعة في العالم، و يعتقد أنها لقبت بأم البنين لكثرة تصدقها على طلاب العلم ورعايتها لهم.

Views: 61

الاخبار العاجلة