“فن العيطة وثيمة الرثاء والنداء في فُرجة الرقص والغناء” لشيخ العيطة الحسين السطاتي

جسر التواصل5 مايو 2022آخر تحديث :
“فن العيطة وثيمة الرثاء والنداء في فُرجة الرقص والغناء” لشيخ العيطة الحسين السطاتي

شيخ العيطة الحسين السطاتي

كان الرثاء ولا يزال أحد أبرز أغراض الشعر عبر العصور، ومنه الشعر العربي، رغم ما مر من تحولات على تقاليده عند الشعراء العرب ومنهم المغاربة، ويختزن تاريخ الرثاء والمراثي في الأغنية الشعبية المغربية عموما ومنها الأغنية العيطية خصوصا رصيدا مهما من الأفكار التي تعكس ملامح كلية للاجتماعي والسياسي والديني معا. حيت نجد القصيدة الرثائية العيطية تعالج موضوع الفقد وخسران الحياة والخوف من العدم.
إن فن العيطة هو فن شفوي وصلنا عبر التواتر والتناقل الشفهي من جيل لجيل، وتُعد الشفهية من حظ هذا الفن وامتيازا له، حيث لم يكن هناك توثيق للمتون العيطية، فظل الشاعر العيطي مجهول الاسم، واستنادا إلى ما توفر لدينا من ربائد عيطية، محفوظات مرجعية “أرشيف” غنائي قديم، (بعض الكتب لباحثين مهتمين بفن العيطة، وأسطوانات اللفة، وأشرطة الكاسيت، وأشرطة الفيديو، وتسجيلات بالكاميرا لحفلات عيطية، وأقراص مدمجة، وتسجيلات لسهرات عمومية وتلفزيونية، وصور فوتوغرافية، ومنشورات فيديو على موقع التواصل الاجتماعي “يوتيوب”، فايسبوك، تيك توك..)، وما سمعته شخصيا بالمباشر من أفواه “الأشياخ” و”الشيخات” والرواة..منهم الذين ماتوا الله يرحمهم، ومنهم الذين مازالوا على قيد الحياة، إضافة إلى صفتي الفنية، لكوني فنان شعبي شيخ للعيطة مغني وعازف كمنجة، “كومنجي لرباعة الشيخات”، فمن خلال هذه المراجع وممارستي الميدانية لهذا الفن التراثي الأصيل يتضح لنا حضور فن الرثاء إلى جانب النداء في هذا الفن، وهو الثيمة الطاغية في القصيدة العيطية، حيث ارتبط رثاء الشاعر العيطي “شيخ أو شيخة”، بخوف الهزيمة والتراجع في مضمار القوة، وفقد الأهل والأحباب في المعارك والحروب، بحيث بات الرثاء العيطي محل فخر لكل مواطن صالح أو مقاوم باسل سقط شهيدا في أرض المعركة، فحتى في القصائد العيطية العاطفية نجد أبياتا تدل على الفقد والتفجع، حيث تتجسد في مخيلة المتلقي صورا لمعارك وحروب خاضها المغاربة منذ سنين غابرة، صورا بلاغية لاستشهاد المغاربة الأبطال الشجعان رجالا ونساء، بسب نضالهم وتورثهم ضد المستعمر، وضد الظلم والطغيان والاحتقار والاستعباد، وهمجية التعذيب والإعدامات الفردية والجماعية.. كل هذه الصور التراجيدية تحضر في فن الشيخات، في صور ندبة وتأبين وعزاء وبكاء ونواح، مغناة في عيوط أصيلة على إيقاع الرقص والنغم والصوت النائح الصادح، أغاني خالدة كانت وما زالت تغنى في فرجة الرقص والغناء داخل حفلات الأعراس والأفراح، الشيء الذي يجعلنا نجد أنفسنا لأول وهلة أمام ريبيرتوار قوامه البكاء والندب والشكوى الحارقة يصدع بها الزجالون العيطيون “أشياخ وشيخات”، وتبح بها حناجرهم، لتنتشي بها الجماهير ويرقصون من جرائها على أوجاع الأسلاف، هؤلاء الفنانون العيطيون الذين يبدون في ذلك أشبه بأبطال التراجيديا الإغريقية.. فيا ترى هل الفن العيطي هو غناء مآتم وتباكي؟ وكيف تسنى لهذا الفن أن يجمع في العيطة الواحدة بين النداء والبكاء والرثاء والرقص والغناء، وبين ضجة الصراخ وحرقة النواح والمتعة والانشراح في الحفلات والأفراح؟ وهل يمكن أن نجد مستقبلا مراثي جديدة في هذا الفن؟
إن فن العيطة هو من أعرق فنوننا الغنائية الشعبية، فن موسيقي تقليدي، غناء البدو.. فن رعوي أصيل متجذر في التراث الشعبي، نداء كتعبير عن ألم مشترك، وعن الحب بلذاته وعذاباته..وعن الاحتقار والاهانة والتعذيب والقتل، وعن المقاومة والجهاد في سبيل الوطن..، نصوص بأشعار عميقة بلغة عامية دارجة ضاربة في عمق البادية المغربية، تلفظها الحناجر النائحة النادبة وتتغنى بها على موسيقى ممتدة أنغامها امتداد السهل والصحراء، وصدى أنغامها تردده أعالي الجبال الشاهقة الشامخة، وتحضنه أشجار الغابات العالية الكثيفة.. إبداع فيه قصص وحكايات وروايات، وأمثلة وعِبر وحكم تحمل قيما إنسانية، وفيه مجاز، وتعبيرات جذابة، وفيه كنايات وأشياء مثيرة، وفيه ندب وتفجع، وبكاء ونواح.. أزجال نُسجت بعبارات رنانة تتجه نحو سبر أغوار المشاعر الجياشة، التي تغمر الذات وتسعى إلى لفظها حارة بواسطة لغة عميقة وجارحة ليشرك الفنان المغني -الشيخ أو الشيخة- في أحاسيسه المتلقي، غامرة أفقها المعجمي والدلالي بملفوظات ومقولات مستلهمة من القاموس الشعبي المتداول، مغنية بذلك الصور الشعرية بما تزخر به هذه المقولات من إيحائية وبلاغة، وقد جمع هذا الفن الشعبي التراثي بين الموسيقى والغناء والرقص.. فن طربي ثوري تحريضي وحماسي.. كما أنه غناء تثقيفي توعوي ووعظي، وقد تطرق هذا الفن الغنائي إلى مواضيع مختلفة بما فيها السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وإلى جانب التميز في الغناء العاطفي الوجداني الذي برعت فيه العيطة، فقد اجتهد الأشياخ والشيخات العيطيون أن يقدموا لنا صورة عن الأوضاع السياسية والأهلية التي كانت قائمة في ذلك الإبان.. وتعتبر القصيدة العيطية بمثابة وثيقة توفر لنا فرصة لا مثيل لها لاستكشاف التاريخ الحربي، والاستعماري والاستعبادي في المغرب عبر قرون..والقصيدة الرثائية العيطية تسيطر عليها ثيمة الحزن والأسى ويخيم عليها شبح الموت، وقد أخلص الشعراء العيطيون “أشياخ وشيخات” للرثاء في فن العيطة، بأصواتهم النادبة النائحة والباكية الشاكية والمنادية، إذ تعددت مواضيع الرثاء في المتن العيطي بما فيه رثاء النفس، ورثاء الآخر( الأب، الأخ، الابن، الزوج، الصديق، الصاحب، الحبيب…)، إلى رثاء الأرض، ورثاء القبيلة، ورثاء الوطن..وأحيانا نجدهم يرثون أنفسهم، بما فيها أحوالهم وظروفهم المجتمعية القاهرة في ألحان نادبة باكية شاكية..
وكلمة الرثاء، في قاموس المعجم الوسيط للغة العربية: اسم مصدر من رثا وهو فعل ثلاثي متعد، رثا، يرثو، أرثو، رثاء، ورثوا، فهو راث، والمفعول مرثو، ونقول رثا الفقيد بمعنى بكاه بكلمات مؤثرة وعدد محاسنه، أو أنشد شعرا يتحسر فيه عليه، والرثاء هو صوت الكلام أثناء البكاء على الميت، وهو فن من فنون الشعر العربي، حيث يقوم الراثي بتعداد خصال الميت مع التفجع عليه والتأسي والتعزي بما كان يتصف به من صفات حسنة كالكرم والشجاعة والعفة والعدل والعقل ونصرة المظلوم. وينقسم هذا الفن إلى ثلاثة ألوان وهي الندب والتأبين والعزاء.
وقد رافق فن العيطة التحولات السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي عرفها المغرب منذ قرون، وعبر مراحل وفترات تاريخية عصيبة، سواء بتمردها وتحريض نصوصها للمواطن ضد ظلم والاستبداد وتسلط السلطات المخزنية المغربية الظالمة الغاشمة في تلك الفترة العصيبة، أو ضد المستعمر الفرنسي والأسباني، وذلك عبر مراحل تاريخية بالشعر والغناء، سواء بالمدح أو الهجاء، أو الغزل والرثاء.. كما يبدو ذلك في العيطة “العبدية” أو ما تسمى كذلك بالعيطة “الحصباوية”، فإلى جانب تميزها بالغناء العاطفي الذي أبدع فيه الأشياخ والشيخات العبديون، نجدهم قد اجتهدوا كذلك في أن يقدموا لنا صورة عن الأوضاع السياسية والأهلية القائمة في ذلك الإبان.. وخاصة عن سيرة القائد “عيسى بنعمر”، الذي عانت منه قبائل عبدة وأحواز آسفي، حيث أن العيطة العبدية تتسم بالحضور الطاغي لشخصية هذا القائد فتبدو أنها تؤرخ لحياته السلطوية المتقلبة بين المجد والقمة الرفيعة التي تربع عليها زمنا طويلا والحضيض الذي آل إليه في نهاية المطاف..وكذلك التساؤل في انقسام الرأي حوله..في متن العيطة نفسها أحيانا، بين ممجد لخصاله وفروسيته وشجاعته..ومن ينعي عليه طغيانه وجبروته وتسلطه..ونجد عيطة “الحصبة “، هذه العيطة التي تتغنى باسم الشيخة “حادة الزيدية الغياتية” والملقبة ب”خربوشة”، وهي شيخة من بين ضحايا هذا القائد، بسبب تمردها عليه وعلى سلطته الغاشمة، المتمثلة في حركته وهجومه الشرس المسلح على قبيلتها “أولاد زايد” بمنطقة “عبدة”، وقد اشتهرت هذه الفنانة الشعبية “الشيخة”، بغنائها العيطي الثوري الحماسي والرثائي، وبصوتها الشجي المنادي والنادب النائح، الذي يتحدى الزمن ويتجاوز الأجيال، ومن خلال أشعارها ناضلت وعيطت بممارسة العصيان والتمرد وعدم الامتثال لسلطة هذا القائد الغاشم، ورثت الرجال الشجعان من قبيلتها، ونددت بالتجاوزات والتعسفات التي مارسها عليهم القائد بصفته ممثلا للسلطة في ذلك العهد..
وتعد العيطة “العبدية الحصباوية” بمثابة وثيقة سجلت لنا بعض اللقطات الحية من حياة هذا القائد الاستثنائي..الوديع كالحمل والمفترس كالذئب..المخلص والمتآمر معا، كما سجلت لنا هذه العيطة سيرة الشيخة “خربوشة” في عيوط عبدية خالدة تحكيها الأجيال، وقد سميت عيطة في العيط العبدي الحصباوي باسمها “خربوشة”، وفي العيطة المرساوية سميت بعيطة “خربوشة منانة”.. ورثتها في مقاطع منها:
خربوشة زروالة لكريدة …بربعة محسوبين…يا سيدي ما يدوم حال على كل حال.

يا سيد على طرطاكَ العلفات في لرسام…مات وجابت الناس خبارو..أيا سيدي الموت صعيب كلها وأجلو
وقد تكفلت جل العيوط الحصباوية بتصوير المعاناة والمكابدة التي لاقتها هذه الفنانة “الشيخة” على يد القائد خاصة من خلال كلامها الذي ظل يقف بين الرجاء والتحدي كما في هذا المقطع الرثائي من عيطة “ارجانا في العالي”، التي تسير على نفس النهج من البكاء والندب والضياع الذي يصيب الفاقد عندما يفقد عزيز أو حبيب:
الحصبة ولافة يا بابا…الحصبة ولافة وسروتها عصابة يا سيدي
راعي للخاوة يا قيدي…راه كل شي يفوت وتبقى العداوة يا سيدي
وبابا ما يدوم حال …كل شي على ربي
يانا اللي ما عزاني يا بابا…وأنا في كبيدتي نحسبو يكرهني يا مالي
أنا اللي ما عزاني يا سيدي…أنا في قصتي نحسبو نصراني يا سيدي
وبا رجانا في العالي.
أو وهي تعاني سكرات الموت وترثي حالها غير عابئة مما تقاسيه من شدة التعذيب على يد زبانية القائد الذين لا يعرفون الرحمة والشفقة:
ياك الليلة …ليلة العذاب…أبابا ونقاسي
والدنيا تفوت….أبابا ونقاسي
وسلطانها يموت…أبابا ونقاسي
المرجع كتاب الدكتور الباحث في تراث العيطة “حسن بحراوي” في كتابه فن العيطة بالمغرب الصفحة 35 الصادر عن منشورات اتحاد كتاب المغرب.
وخارج النزعة الحقدية البكائية المهيمنة على العيط العبدي، لما يحفل به من صور شعرية ذات تلوينات حزينة، ولعب لفظي يترجم كآبة وحزن المفجوع ومعاناته، نجد العيطة العبدية الحصباوية كذلك ترثي القائد “عيسى بنعمر” حيث تجسده هذه المرة في الشخص الكريم الجواد والقناص الماهر، هذا القائد الذي كاد أن يصير نسيا منسيا لولا بعض الإشارات الخفيفة المستعجلة..الودودة..التي خصته بها هذه العيطة، كنوع من الاعتراف الخافت والمتأخر بالرجل الذي رعى وآزر أشياخها وشيخاتها، فأطعمهم من جوع وآمنهم من خوف، لدرجة أنستهم في وحشيته وفضائعه وزلاته الكثيرة..وجعلتهم يحنون إلى مجالسه الطافحة باللهو والمسرة، والكرم والجود..وينشدون بصددها ما يشبه المرثية والبكاء على الأطلال في عيطة “كبة الخيل عل الخيل”، وهذا مقطع منها:
وبابا كبت الخيل يابابا على الخيل…ياك كَالو قيدي علام ابابا…سيدي جمافو عليام…عار الله يا سيدي
وبابا تكبت عبدة يا سيدي على احمر…سالو قياد الشاوية…بابا زين الحركة في لعشية…اه يا سيدي
قيدي زين الصيدة…زين السلاكَ عيسى بنعمر
دار سي عيسى كَالو خلات…مقابلة لمعاشات
كما نجد تلك النزعة البكائية في عيطة “العمالة” في العيط العبدي، و التي تسمى أيضا بعيطة “الشاوية” في العيط المرساوي، وهذا مطلعها:
العمالة كواتني وزادت مابيا…تكايس عليا….هاه هاه فراق حبابي جاني صعيب
الشاوية هلكاتني ودارتها بيا…الله يا قيدي…هاه هاه حتى حد في الدنيا ما يدوم
يانا ولد حديدو عاجبو عودو يا سيدي…تكايس عليا…هاه هاه شحال من احبابي سارو ليوم
يانا نبقى عزبة ولا زواج الدل يا سيدي…على ما طرا ليا…هاه هاه على كل حال ما يدوم حال
عندك طالبين ضيف الله…سيدي صباحك سيدي مساك…الله الله الله
في ما بغيتي نمشي معاك…عدا الهوى عادا
سيدي أحمد يا بابا أحمد…الله الله الله
سيدي أحمد يا حرش لعيون…عادا الهوى عادا
سيدي ادريس يا بابا ادريس…الله الله الله
سيدي ادريس يا ذهب لكويس…عادا الهوى عادا
الله يا سيدي معملت بالشرع ….كان مت ولا حييت با علال الساجني.
كما نجد الرثاء والنداء في متون العيطة الحوزية، وهو لون غنائي متميز، منفصل على الألوان العيطية الأخرى، حيث تقوم هذه العيطة على إيقاع مخصوص يبدأ رتيبا ولكنه يمضي في التصاعد تدريجيا إلى أن يبلغ لحظة الذروة التي تتعالى عندها الأصوات من الحناجر بما يشبه البكاء والنحيب.. ومن ناحية المواضيع تكاد العيطة الحوزية تختص في أخبار الحروب والنزاعات المسلحة مع المستعمر وما أسفرت عنه هذه المعارك من خراب وضحايا، كما نجد ذلك في ملحمة مرثية عيطة “خالي يا خويلي” أو ما تسمى أيضا بعيطة “القايد العيادي”، حيث الشاعر العيطي الحوزي “شيخ أو شيخة”، يمجد سيرة القادة الحربيين الشجعان، الدين أبلوا البلاء الحسن في مقاومة المعتدين الغزاة، وترثي الأموات الشهداء الذي سقطوا في ساحة القتال:
واش من والى يتوالى…واش القياد تكون من والى
فين أيامك يا لاربعا…كان موسم ولا حركة
فين ايامك يا لاربعا…كان موسم ولا حركة
لا خزانة ولا عود بقا…حس البكا والموت شلا
فين أيامك يا بن عثمان…ياك الموتى كيف الدبان
فين يامك يا واد العرعار…من الموتى شبعت لطيار
دوزها قايدي دوزها…دوزها القايد العيادي
دوزها في حكامو قاضي…وكملها بحجة في النابي
فين الدراري أولاد حليمة…خسرو طريق الماشينة
مخصرين الهضرة في البيرو…..لبغاتو ليام تديرو
فين ايامك يا بن كبورة…ع الفردي والشرشورة
العديان بقات منشورة…والحركة بقات مشهورة
واش من والى يتولى هاه….وهاه وهاه الموت والرحمة بيد الله
ونمر إلى صنف آخر من أنوع العيطة، وهو العيطة الملالية فهي عيطة مركبة، وتنتسب إلى موقعها بقبيلة بني ملال وضواحيها المتاخمة للثغور الأطلسية، حيث تتميز باللحن الشجي النائح، ذلك اللحن الحزين الفجائعي البكائي، إذ يهيمن على قصائدها الطابع الرثائي البكائي لتصل إلى الندبة والرغاء، حيت يبكي العاشق الولهان حبيبته، وترثي الأم ابنها المستشهد في ساحة القتال، ويسمى هذا التفجع الرثائي العيطي ب”التعداد”، وترثي الحبيبة حبيبها الأسير في يد المستعمر العدو ويسمى ب”التهاونية”، لأنه لازال على قيد الحياة وترجى عودته حيا.. ومن بين العيوط الملالية الشهيرة التي مازالت متداولة نجد الملحمة العيطية مرثية “الشجعان”، لشاعرة الأطلس الشيخة “امباركة لبيهيشية”، وهي قصيدة غنائية رثائية طويلة تدل على بلاغة النساء الشيخات في فن الرثاء العيطي، حيث نجد الشيخة الملالية بكت فقد الشهداء وبكت القبيلة والوطن..ورثاؤها يفيض بالتفجع والألم والحسرة، وهي ترثي الشهداء البواسل في المعارك، رغم فداحة المصاب وذلك بتغيير الوجدان اتجاه الموت، الذي يعتبر أن الشهادة هي طريق الخلود والسمو الإنساني ( اللي بغا اللامة يتعامى…واللي بغا الجنة يتدنا)، ونجد وصفا متزايد الدقة لأشكال المقاومة الشعبية التي ازدهرت مع حلول الاستعمار بالبلاد، وانبثاق ما يشبه حرب العصابات التي كان ينهض بها الشيب والشباب ممن تصدوا للتخريب وتدمير مصالح المعمرين. وقد ساهم النص الغنائي للعيطة أنداك في بناء الدولة العصرية، وذلك من خلال الشعور الوطني وإذكاء الروح الوطنية، وكان هذا النص حاضرا في مختلف مراحل الولادة العسيرة للدولة العصرية وتطورها، ومن خلال النص العيطي الملالي يحاول الشاعر العيطي “الشيخ أو الشيخة” إثارة النخوة الجهادية من خلال التذكير بمهمة السلف الصالح من نبي وصحابة مركزا على ضرورة الجهاد لمقاومة المحتل، واسترداد ما ضاع من التراب الوطني، وهذا مطلع المرثية:
وهاه هاه مالين الخيل يا بابا….وهاه هاه هجمو هجمو يا سيدي
مالين الخيل يا بابا…هجمو هجمو يا سيدي…راه الحركة بدات يا يابا
وهاه هاه مالين الخيل يا بابا.
بسم الله باش بديـــنا …… على النبي صليـــنا
يا أمتو صليو عليـــه…….. هو وصحابو بعشــرة
ولالة فاطمة الزهـــرا …….. الياقوتة في الجنــــة
هزيت عيني ليك يا ربي…….. هزيت عيني وفرح قلبـي
كَلت ليكم كَلنا ليـكم……….. كَالت ليكم بنت المعطـي
غير ضربو وأنا نعطــي ……….. غير تحزمو وكونو رجـالا
فين الشويب خالي حمو……….الحابس الكوفة في العرعار
سيدكم دويدة الشيباني……عاش سبع ومات وطني
ملي شديتوه علاش عدمتوه…ملي عدمتوه علاش غطيتوه
فين ايامك يا واد زم……….الزناقي عمرت بالدم
فين أيامك يا بو كَروم……ع الحركة والخيل تعوم
فين أيامك يا جعيدان…….الطرابش كبلعمان
والموتى كيف الدبان……شي مكسي وشي عريان
تكشطو عيالات القبطان….تكشطو في حوز جعيدان
بين السماعلة وبني خيران…أولاد العديان كيف الفيران
أولاد الوطن كيف البيزان….شي فرحان وشي غضبان
عوينكم بوعبيد الشرقي……الخواجة مزوق لبلاد
فين أيامك يا القصيبة…..كان موسم ولا سيبــــــــــــــة
أيت عطا وأيت بوزيد…..ومن تما زيد وزيد……………
كما ترثي الشيخة في هذه القصيدة، الأطلال والنباتات واللأغراس، ونجد وكل ما كان ينبض ويشع بالحياة خيم عليه شبح القتل والموت:
فين زيتون بني ملال…علاش حسكتوه وحشيتوه
ملي حسكتوه علاش التجدار…ايلا حشيتوه دابا يخلف
ياك الدوار بقا خالي…شي حركَتوه وشي ريبتوه
فين لكسيبة وسط الدوار…وفين الزرع وسط النوار
فين النخلات الكيافات….فين الصالح خو لهبالات
وهناك كذلك المرثية العيطية التي خصصها العيط الملالي للشهيد البطل المعروف ب” امحمد بن داود” الملقب ب”دويدة الشيباني”. وتفيد الرواية أن سيرته النضالية في المقاومة ضد المستعمر الفرنسي تشبه في بعض فصولها سيرة البطل الليبي “عمر المختار”، ضد المستعمر الايطالي، وقد خصته العيطة الملالية بعيطة طويلة كوثيقة تدون لنا مقاومة وادي زم وأبي الجعد ضد الاستعمار، وأخذت هذه العيطة مجموعة من الأسماء؛ عيطة “امحمد بن داود” أو “عيطة مالين الخيل”، أو “عيطة دويدة الشيباني”. وهي عيطة مركبة من خمسة أجزاء، بعد التقاسيم الشجية الحزينة تصدر كالنحيب بالآلة الوترية، تبدأ بإيقاع بطيء شبه عسكري يمكن أن تستعرض عليه فرق عسكرية، حيث “البنادير” الداوية تدوي بطقطقات قوية شبيهة بالضرب الوحشي للأشخاص المقاومين الموقوفين، وكذلك نقرات “الطعريجة” تدوي في استرسال شبيهة بطلقات الرصاص من مسدس رشاش لحظة الإعدام العشوائي الفردي والجماعي للمقاومين، كما أن رقص الشيخات في هذه العيطة له دلالات رمزية، وكأنهن نساء في لحظة ندبة “المندبة”، حيث يكون الغناء والرقص على ألحان البكاء والأوجاع وإيقاع الندبة، تبدو حركات اليدين إلى الخدين في تكرار، إشارة إلى ضرب الخدود وندبها، ونتف الشعر أو ما يعرف بظاهرة “الحليكَ”، والتدحرج على الأرض والتشقلب والتمرغ في رقصة التمساح “غزلة الموت”، في إشارة إلى التمرغ في الوحل “الغيس”، وكأنهن بذلك يرثين دويهم.. ويبكين ويندبن رجالهن وأبنائهن ضحايا العدو المستعمر المحتل، لحظة إلقاء القبض عليهم وسجنهم أو لحظة إعدامهم بل قتلهم.. والتي يقول مقطع منها:
هجمو هجمو….كَاع ما حشمو
قتلو وعدمو…..كَاع ما رحمو
كَولو لمي وعاودو لمي…..كَولو لمي لا تخرجي غلمي
كَولو لمي لا ترفدي همي….كَولو لمي لا تمسحي دمي
كَولو لمي ايلا مات بنداود خلا ما يتعاود….كَولو لمي ايلا مات دويدة ع كوي لكبيدة
كَولو لمي ايلا غاب وليدك نفسو هايجة….وليدك نفسو هايجة من تادلة حتى لطنجة نقاوم العديان….
وهاه هاه وبايابا…وا محمد يا وليدي
دويدة كألو مات …كأع النصارى فرحات
دويدة الشيباني…الشهيد الوطني
وهذه الأبيات من عيطة “بنداود الشيباني”، وهي من العيطة الملالي، قصيدة حماسية رثائية، تؤرخ للشجاعة والحماس ونكران الذات والثورة ضد العدو، والجهاد في سبيل الوطن، كما توثق الاضطهاد والمس بالكرامة الذي كان يتعرض له المغاربة والمقاومين الفدائيين الأبطال الذين كان يقودهم نضالهم إلى أقبية السجون وساحات الإعدام، كما نجد كذلك مرثية قصيدة البطل الشهيد عيطة “علال بن عبد الله” هذا الشهيد الوطني الغيور الذي ضحى بنفسه في سبيل الوطن، وهذا مطلع من هذه العيطة الرثائية:
علال يا بن عبد الله…راه نورك شعشع في القبلة
سيدي علال يا بن عبد الله…نورك ضوا في القبلة
صورتك بانت في الكَمرة يا سيدي علال
أهاو أهاو أهاو أهاو ويا سيدي علال..راه كَاع نموتو وما يدوم حال
كَاع نموتو ما يدوم حال…يا سيدي علال
غيبتي يا نجم وهلال…يا سيدي علال
هيجتي النفس الباردة…يا سيدي علال
راه رواح الشهدا شاهده…يا سيدي علال
أهاو أهاو أهاو أهاو ويا سيدي علال..راه كَاع نموتو وما يدوم حال
ونجد كذلك في عيطة “العداو يا الخيل”، وهي رثاء ونداء لاستنهاض الهمم، وبكاء على الأهل والشهداء الذين ماتوا غدرا على يد العدو الغاشم أو الخونة المناوئين له.. حيث تتردد بين أبيات هذه المرثية لازمة “وايلي بويا وايلي…وايلي العداو يا الخيل”، و كلمة “العداو” تعني النجدة، بمعنى ” النجدة يا أصحاب الخيول”، أنقدونا أيها الخيالة المحاربين المجاهدين من هجمات العدو وفضاعاته.. وهي مرثية للأبطال الشجعان الذين قاوموا بشراسة العدو المستعمر، ونداء من حنجرة الشيخة يستنهض الهمم ويذكي الحماسة في النفوس ،وهي أغنية حزينة تتسم بطابع اللحن البكائي النائح وهذا مقطع منها:
وايلي بويا وايلي…وايلي العداو يا الخيل
طارت الطيارة للسما…كاين شي عدادة للكرا
والله يا الميمة…ما دفنتو ما عزيتو يا مي
لله يا الميمة… شحال من موتى هزيتو يا ودي
عزيني ونعزيك…في الدراري لللي ضاعو ليك يا امي.
واسني ونواسيك…راه الموت حارة وصعيبة يا مي
يانا في خوتي …كَاع سارو علاش بقيت يا مي
لله يا الميمة…حس لبكا والموت شلا يا امي
لله يا لحنينة…ما كَلنا لحد عطينا يا مي
خليني نندب ….على كَليبي كيتعذب يا مي
نجد الكثيرين من المستمعين لفن العيطة لا يستبينون كلماتها ولا يستوضحون عمقها اللفظي تلك الأشعار والعبارات التي تتغنى بها الشيخة أو الشيخ المنشد، ويكتفي البعض بالاستماع والاستمتاع للموسيقى العيطية لوحدها، ولكن المتعود على هذا الصنف من الشعر الشعبي التقليدي يستلذها ويتذوقها جيدا، ويستمتع بترديدها وبما فيها من عبر وحكم وقيم إنسانية، فنجد الجماهير تنشط وترقص في نشوة وانشراح، رغم ثيمة الرثاء التي تخيم على الأغنية العيطية التي يبتهجون بسماعها ويرقصون على إيقاعاتها، فتلك الكلمات رغم رثائيتها فهي تذكرهم بماض بعيد قريب، كان مرا وصارا جميلا، ماض عتيد يفتخرون به، ماضي الأجداد الشجعان الأبطال، كما نجد في العيطة المرساوية “الغزال” تلك العيطة العاطفية الوجدانية تختزن في ثناياها رثاء حيث ترثي الشيخة نفسها، وترثي الشجعان البواسل الذين خاضوا المعارك ضد العدو، وهذا مقطع من هذه العيطة:
أهياوين أهياوين..ايلي ياييلي
سكتي لا تبكيشي…هيا واهيا
حيبيبك مغديشي…ايلي ياييلي
يا مالي لغزال تبكي…محسكة كَلبي يا سيدي…سيرا واهيا
خليني نبكي…على اللي نبغي سيدي…وايلي ياييلي
خليني نبكي… على ايام مشات يا سيدي…سيرا واهيا
سيدي كان سيد الرجال…ما يتشرى بالمال يا مالي
سيدي علام السروت…ما يتساهل موت يا مالي
سيدي بكايا وشكايا…عليك مولايا يا بابا…ايلي هياييلي
مالي بكايا وشكايا…على صحاب الحال يا مالي…سيرا واهيا
يا مالي اللي تعرف تبكي…تزيد تكَابلني سيدي…أيلي ياييلي
وكاسي فريد…ايلي يا ييلي…يا جرحي جديد…اهيا واهيا
المولى يا المولى وأنت تحفضيه…وايلي ياييلي دابا يعفو سيدي
أهاه أهاه السماح الله….وايلي ياييلي
سيدي نهدي أولادي…في طريق بلادي
ياملي حس القرطاس…في لجبال ينادي
ونجد كذلك كثيرا من الأبيات الزجلية من عيطة “الحساب الزعري”، بالعيطة الزعرية، بعبارات رثائية شجية تسيطر عليها ثيمة الحزن والأسى، ونذكر منها مثلا هذه الأبيات:
الله يرحم الشرفا…اللي تدفنو كَلفة ===دوك المجاهدين…كلهم حيين
خليني نندب…على ولاد الكلب==يحيا ولاد الوطن…هلكو العديان
ايلا تعرف تهوني…زيد قابلني ===قايد الحركات…الله يرحمو مات
بقاو في الشجعان…اللي دفنو قومان === مشاو دوك الناس …وبقاو ع لماس
دوك اللي خانو…كلهم بانو===عاونونا بالكف…را العلام وقف
شوفة الشبع…شحال كتخلع===نوض تجاهد…علاش ع كَاعد
هذه بعض الأبيات من عشرات بل من مئات “الحبات”، من عيطة “الحساب الزعري”، التي مازالت رائجة، إلى يومنا هذا وهي ترثي المجاهدين الأبطال المغاربة الذين ضحوا بالغالي والنفيس في سبيل الوطن. وفي العيطة الغرباوية الحسناوية، نجد ارتفاع الشعور الذاتي الوجداني لدى الشاعر..حيث نجد المتلقي نفسه أمام فن غنائي قوامه البكاء والنواح والنذب والشكوى الحارقة يصدع بها العشاق والمفجوعين، حيث يطغى أسلوب النواح والبكاء بالتغني على الهجر أو موت المحبوب أو هجره أو غدره، أو غدر الصديق ومكره، أو موت عزيز كأحد الوالدين، أو الأبناء..كما نجد هذا مبين في عيطة” التهليلة الغرباوية” أو ما تسمى أيضا ب”التهاونية”، إذ تبدأ القصيدة بموال حزين على صوت الألة الموسيقية الناحب، يذكر فيه المغني مناقب الفقيد أو الغائب.. وذلك كما هو الشأن في يوم عزاء بالموت، حيث كانت تسود ظاهرة “البوحاطة”، وهي ظاهرة أوشكت على الاندثار، إذ كانت عائلة الميت تقوم بتأجير أشخاص يلقبون ب”العدادة”، يتباكون وهم يمدحون خصال الميت، وهم بذلك يقومون بالتذكير بأعماله وخصاله الحميدة في أسلوب حزين، كانوا يتصنعون البكاء بكلمات أحيانا موزونة ومقفاة ومسجوعة.. وبعد الموال يشرع في الاستهلال العيطي بالنداء إلى أن تختم الأغنية العيطية ب”سوسة” على شاكلة “سوسة” النمط الحوزي، ثم تختم ب”السدة”. فقد كانت هذه العيطة في الأول عيطة ثورية حماسية، تعد نداء للمقاومة واستنهاض الهمم، ورثاء للموثى المقاومين المجاهدين، نجدها تمجد الأبطال الشجعان الذين سقطوا شهداء في فترة المقاومة، والمقاومين الذين زج بهم في غياهب السجون، والوطنين الذين أعدموا من طرف المستعمر الغاشم… ونذكر على ذلك هذا المتال:
بابا سيدي بابا سيدي بابا سيدي …أنا اللي كنت من الوالدات وصبحت اليوم من العاكَرات
ربي العالي ربي العالي ربي العالي، أنت العالي تشوف من حالي…لعديان هجمو هجمو ….كاع محشمو
ميمتي ميمتي ميمتي ميمتي …الكفار عدمو عدمو…. قبل ما يحكمو
ميمتي ميمتي ميمتي ميمتي…..العديان ظلمو وعدمو…كَاع ما رحمو
ياك ا سيدي ياك ا سيدي ياك اسيدي…مللي عدمتوهم فين دفنتوهم
ياك الميمة ياك الميمة ياك الميمة….الطيور كالبيزان قتلوهم العديان
عيش ميمتي عيش ميمتي عيش ميمتي….قطران بلادي ولا عسل البلدان
ياك يامي يا يامي ياك يامي….الحي يتراجا والميت ما بان
بابا سيدي بابا سيدي بابا سيدي…..كون ما اللسان ولودن ما يسمع حد غيار
ميمتي ميمتي ميمتي ميمتي….ماحد الشيطان بيناتنا حي بنادم ديما فيه الغدار
خليوني خليوني نبكي ونبرد كَلبي..خويا ايلا تعرف تهاوني زيد قابلني.
حين يسمع ويتلقي المغني الشيخ الثاني هذه العبارة الأخيرة” ايلا تعرف تهاوني زيد قابلني”، يأخذ بدوره النظم والارتجال في الغناء، وغالبا ما تختم هذه العيطة بعيطة الساكن مرادفة لها، ذات الإيقاع الصاخب واللحن الفجائعي الروحاني، وبصفتي فنان شعبي ممارس لهذا التراث، “كوامنجي”، ومغني لفن العيطة، فإن هذا النوع العيطي وخاصة منه عيطة ” التهليلة” أو ما تسمى ب”التهاونية”، مطلوب بالبوادي بما في ذلك القرى والدواوير والمداشر، حيت يتفاعل الجمهور معه يستمتع ويتلذذ بسماع الكلمات الموجعة على نغمات الموسيقى.. لكن هذا الغناء صار مدموما ومرفوضا داخل الحواضر كالقاعات الكبرى أو بالمهرجانات، وعلى خشبات المسارح.. فالجمهور الحضري يريد ترفيها لا بكاء وندبة. كأن تسمع من الجمهور عبارات من قبيل “حبس علينا سيدي هذ شي، واش حنا جايين نعزيو” أو “راحنا بغاين نفرحو..مجايينش نبكيو وندبو”.
وتمضي العيطة الغرباوية، كذلك في تسجيل الوقائع السياسية التي تناوبت على منطقة “الغرب”، خلال تلك الفترة من تاريخ البلاد الحافل بالمقاومة ضد المستعمر والجهاد في سبيل الوطن، كما ترثي أبطالها وموتاها في أسلوب مجازي كما هو الشأن بالنسبة لعيطة “الغابة”.
ميمتي وميمتي يا الميمة يا مي…ميمتي ميمتي غادي نموت نموت والليلة خير
بسم الله الله أكبر…بسبابو تحدت لعمار
كل سبع في غابتو زهار…والفخ يشد الخاين الغدار
عمر جو الغابة ما خسر…حتى وصل المنشار للجدر
والمش غلاض وتمر…ولا حاسب راسو نمر
ميمتي ميمتي كلها يشكي بدنوبو… ميمتي ميمتي كلها يرثي محبوبو
ونجد الشعراء العيطيون في فن العيطة الجرفية البلدية الفلالية، قد أبدعوا في فن الرثاء، بأصواتهم الشجية، كما هو الشأن لعيطة “رجال لبلاد” في هذه الأبيات:
جيبو لي البركَي….وعطيوني لجامو
فين ما راح الليل…..نتفكر كلامو
كل تمر وكيالو….كل نخل وجريدو
قتلوني ثلاثة….العيون والخيل والسراتة
ركَبت على الدرا….بانت ليا خضرا
مزين الكَعدة فوق الجريد…..يبانو لمعاضيد
مزين الكَلسة في لجراف…..والشربة بالغراف
فين دوك الناس اللي كانو…كَاع مابانو
فين دوك الناس لبرار…الشرفا لحرار
الله يخليك يا الموت…خليتيني بلا خوت
فين لحباب اللي كانو…كَاع ساروا ومشاو غابو
هذه بعض النماذج بين ثنايا المتن العيطي التي رثت فيها الشيخة الشهداء الأبطال المغاربة الذين خاضوا المعارك والحروب، رثت فيها الأخ، والأب، والزوج، والحبيب..كما رثت حالها، هذا الحال الذي صار يرثى له اليوم، فالشيخات اللواتي خرجن إلى هذا الفن أغلبهن مغضوب عليهن من طرف المجتمع المغربي، من طرف الأهل والأقارب.. ونجد هذا المجتمع الذي يستمتع بفن العيطة ويؤثث أفراحهم يعتبرون الشيخات نساء خارجات عن طاعة المجتمع والعائلة، هذا المجتمع الذي لا ينصفها ولا يهبها صفتها الفنية الحقيقية ومكانتها الأنثوية داخله، حيت نجد أن الشيخة قد تمردت عن ظروفها المعاشة، وخرجت بطريقة فنية تعبر عن سخطها وتعري وجهها الذي لفحته نيران الظلم والاستبداد والاحتقار، فهي بفنها تعبر عن حالها وعن الظروف القاهرة التي عاشتها خلال فترة من حياتها، فكل الشيخات يعبرن في غنائهن عما يتعرضن له من ظلم وقهر واحتقار، حيث تجد هذه الفنانة المغنية نفسها وحيدة معزولة، والكل قد تخلى عنها، هي التي اختارت طريقا مظلما لا مستقبل ترتقبه، لأنه هوى اتبعته لا يرتكز على برنامج مسطر ممنهج يحقق لها الهدف المنشود كسائر الأهداف الاجتماعية في المجتمعات، فعملها الفني وغناؤها ورقصها بالنسبة للمجتمع، ليس عملا منتجا، ولا يعتمد عليه..إذ لا يمكن للشيخة أن تعول عليه في آخر أيامها أو في مرضها وعوزها، فهو ليس كوظيفة أو صنعة أو حرفة، تعتمد عليها، ولا يضمن لها راتبا شهريا ولا ضمانا اجتماعيا، ولا تغطية صحية، أوتقاعدا مريحا تعتمد عليه في خريف عمرها، وإنما العيطة هوايتها اتبعتها وأحبتها بشغف، ولم تجني منها سوى الحسرة والرثاء.. هوى ترفيهي استمتاعي يترفه به هواة هذا الفن العيطي، ونجدها تحكي في بعض العيوط عن الندامة وعن الحسرة، وترثي حالها لما آلت إليه أوضاعها، لما وجدت نفسها في نفق مسدود، وقد رثت حالها في مجموعة من القصائد العيطية نذكر منها عيطة “نصبر أنا على مكتوبي” من العيطة الشيظمية:
وهاه نصبر أنا واش بيدي…نصبر أنا على مكتوبي
يانا يانا على مكتوبي…كندير أنا مع نصيبي
الموت اللي دات سيدي…خلاتني كنحمد ربي
الله يخليك يا الموت…خليتيني بلا خوت
وهاه برح برح يا البراح…ودير تبراح اللولين
خليت ميمتي تحنن…وجيراني مهولين
وهاه نوح نوح يا النواح…ودير تنواح اللولين
خليت الخيمة خالية…الميمة والبو لحنين
نصبر أنا واش بيدي….نصبر أنا على مكتوبي
إن فن العيطة دائما حاضرا في الساحة الفنية المغربية وبقوة، مشعل يسلمه الأجداد للأحفاد، ويعتبر فن الرثاء فيه الثيمة البارزة، بل إنه يتصدرها من حيث صدق التجربة وحرارة التعبير ودقة التصوير، ويحفظ لنا تراثنا العيطي كنزا فنيا من المراثي إلى يومنا الحاضر، لكن الرثاء العيطي يتغير بتطور العصر، والتقدم التكنولوجي، فقد تطورت صور الرثاء فيه و تنوعت نماذجه وتعددت دواعيه وبواعثه، وقد تغير بتغير الظروف التي يعيشها الوطن.. والحمد لله صرنا نعيش اليوم في سلام وأمن وأمان من الحروب والمعارك، لكن الموت جدلية قائمة، لذلك مازلنا نجد الأشياخ والشيخات يبدعون في فن الرثاء بطريقة مستحدثة على طريقة براويل العيطة الشيظمية، حيث نجد رثاء فقد الأم والأب والابن والزوج…
وأخيرا يمكننا القول بأن فن العيطة، هو فن تراثي أصيل، ظل مخلصا لبيئته ومحيطه البشري والطبيعي بمناطق مختلفة بالمغرب، بل اكتسح جل الطبقات الاجتماعية، سواء من خلال الموضوعات المتنوعة أو الإيقاعات والأنغام…الشيء الذي يؤكد أصالة هذا الفن وانغراسه في الوجدان الشعبي المغربي، ويعطيه مشروعية الانتماء بكل جدارة واستحقاق إلى خزان فنوننا الشعبية التراثية الأصيلة.

Views: 3

الاخبار العاجلة