“الجمال في غناء العيطة” لشيخ العيطة الحسين السطاتي

جسر التواصل22 أبريل 2022آخر تحديث :
“الجمال في غناء العيطة” لشيخ العيطة الحسين السطاتي

شيخ العيطة الحسين السطاتي

 

 

خلق الله الخالق الكون وأبدع خلقه، وجعل العيون تتمتع وتستمتع بجمال خلقه، فخلق الجمال في البشر والصخر والحجر، وفي الشجر والحيوان والزهر، وفي ضوء الشمس والنجم والقمر..وترك المخلوق يتملى في خلقه، وهو العالي البهي المصور الباري الجميل.. جعل لكل جمال جلال ووراء كل جلال جمال، فهام الفنانون في عشق الجمال وأبدعوا وأمتعوا بما فيهم النحاتون والرسامون والمصورون والأدباء والشعراء والموسيقيون والمغنون..ووصفوا كل ما رأوه من مشاهد الحسن والبهاء التي أعجبتهم وألهمت قريحتهم الفنية، حيث وصفوه في المرأة كما في الرجل وفي الطبيعة وفي الخيل والبدر والخمر..ومن الفنون الغنائية التي أبدعت في وصف الجمال نجد فن “العيطة”، الفن الموسيقي الغنائي التراثي المغربي الأصيل.
ويزخر المغرب بالفنون الجميلة وبثقافته الشعبية وبثرائه الغنائي التراثي المتنوع، ومن هذه الفنون نجد فن الموسيقى والغناء والرقص، ومنه فن “العيطة”، هذا الفن الذي جمع بين هذه الفنون الثلاثة، حيث يؤدى من طرف رجال ونساء، “أشياخ وشيخات”، يشتركون في النظم والعزف والرقص والغناء على حد سواء، في مساواة بين الرجل والمرأة. ويشكل صرخة الإنسان القروي، وهو نداء القبيلة والاستنجاد بالسلف، لتحريك واستنهاض الهمم، واستحضار ملكة الشعر والغناء.. فهو نداء كتعبير عن ألم مشترك، وعن الحب بلذاته وعذاباته..أشعار بلغة عامية عربية مغربية (دارجة عروبية)، لغة عفوية سهلة وواضحة، تحمل قيما إنسانية قوية، مازالت تصدح بها حناجر المغنيين من “أشياخ وشيخات” إلى يومنا هذا، وقد تطرق هذا الغناء لمواضيع مختلفة منها السياسي والاجتماعي والعاطفي.. حيث تغنى الفنانون العيطيون “الأشياخ والشيخات” بالمقاومة ورجالاتها ونسائها وبالوطنيين وبالحركات السلطانية، كما تغنوا بالجمال “الزين” بكل صفاته؛ جمال المرأة والرجل، وجمال الطبيعة، وجمال الخيل والليل والقمر والخمر.. وقد تأثر الشعراء العيطيون بالجمال، فنظموه ووصفوه وغنوه في أبيات ضمن قصائد زجلية عمرت وخلدت لسنين طويلة، ومازالت تفرض وجودها وتأخذ بلب سامعيها، وقد حمل الزجالون العيطيون أجمل تجليات الجمال، وترجموا كل تفاصيلها، وقرأوا وقعها وأنشدوها طربا، لكن ليست بلغة العلم بل بلغة المجاز والرمز والتصوير بالزجل على إيقاع النغم والرقص، فأبدعوا غناء عيطيا رومنطقيا يدعو للعاطفة الجسدية والعواطف الشعورية، حيث نجد ذكر الجمال في العديد من الأبيات بين ثنايا المتون العيطية، تتضمن العبارات الجمالية، جمالية الصورة وتأثير الإيقاع، وقد استعمل الزجال العيطي “شيخ أو شيخة” الآليات البلاغية المعهودة في الشعر من تشبيه واستعارة ومجاز. وركز على شغفه وتعمق في اكتشاف الجمال وذلك بطغيان القلب والعواطف على العقل والحواس، على الرغم من بساطة عباراته العامية، ونظم هؤلاء الزجالون الأشياخ قصائدهم أشعارا تغنى باللهجة العامية العربية المغربية، لغة ايحائية جميلة، ضاربة في العمق الريفي البدوي المغربي، لغة تمتاز بالسهولة في التعبير والتفكير، مؤمنة بانطلاق النفس على سجيتها ومستجيبة لأهوائها مهما كانت، وتخاطب الحواس بشكل بديع جميل..
وللتذكير فالعيطة كما هو معروف هي غناء تراثي مركب، واكب مجموعة من التطورات الاجتماعية التي انطلقت من مخالطة اللسان العربي بصفة فعلية لسكان كثير من المناطق المغربية الأطلسية، التي تقع خلف الهضاب الأطلسية، عند أقدام جبال الأطلس المتوسط، إلى منطقة الغرب، وإلى تخوم جبال الريف بالشمال، وكذلك أقدام الأطلس الكبير في فسحة “الحوز”، ثم إلى منطقة “تافيلالت سجلماسة”، وكذا فيما يلي المناطق المجاورة بما في ذلك؛ “الشاوية”، و”دكالة” و”عبدة” إلى حدود مناطق “حاحة”..وفنيا هي فن شعبي مغربي، موسيقى وغناء ورقص، يأتي فيه الإيقاع الموسيقي مصاحبا للكلام، وهي أغنية مهيكلة على شكل أجزاء، تنطلق من بداية وتحتمل جزأين إلى تسعة أجزاء أو أكثر وتنتهي بخاتمة، وهي مجموعة من المقاطع الغنائية والفواصل الموسيقية الإيقاعية في منظومة تختلف عناصرها باختلاف أنواع العيطة نفسها. وهي في الأصل أغنية تراثية محلية، كلمات وموسيقى وألحان ورقصات، تختص بها كل منطقة على حدة، وتختلف من منطقة إلى أخرى، ومواضيع مختلفة قد لا يدرك لها معنى من غير أبناء تلك المنطقة، سوى من كانوا مولعين أو مهتمين أو باحثين في التراث العيطي، وهي تزحف سلحفاتيا مند عقود لتطل على العالمية، وقد عانى هذا الفن لعقود طويلة من التهميش والإقصاء لارتباطه بالعمق البدوي، وأدائه بتلك اللهجة المغربية العامية البدوية.
وهي تتوزع إلى تسعة أنواع، تتنوع حسب تنوع المناطق الجغرافية التي تحتضنها، ونجد هناك: العيطة الجبلية، والعيطة الغرباوية، والعيطة الزعرية، والعيطة المرساوية، والعيطة الحصباوية وتسمى أيضا بالعيطة العبدية، والعيطة الشيظمية، والعيطة الحوزية، والعيطة الملالية، ثم العيطة البلدية وتسمى أيضا بالعيطة الفيلالية الجرفية، وعيطة الساكن التي نجدها في كل نوع من أنواع العيوط المذكورة.


“وإن هذا الغناء الذي يطلقون عليه اسم العيطة، وأحيانا أسماء أخرى للتمييز، هذا النفس الساخن الصاعد من الدواخل، عبر الأصوات البشرية- الأنثوية والذكورية- والإيقاعات والألحان الآسرة، هو الذي أسعف على ميلاد شعر شفوي ظل يخرج من الجراح الفردية والجماعية مثل النزف الدافق، ويلتصق بذوات وبمصائر الفلاحين والمزارعين والرعاة، والقرويين عموما، المنحدرين من ذاكرة عميقة ومن سلالات عربية لها تاريخ بعيد، مهمل، مكبوت ومسكوت عنه”. المرجع: الباحث الدكتور حسن نجمي في كتابه بعنوان: “غناء العيطة، الشعر الشفوي والموسيقى التقليدية بالمغرب 1″، الصفحة 17.
وفن العيطة هو فن شفوي وصلنا عبر التواتر والتناقل الشفهي من جيل لجيل، حيث لم يكن هناك توثيق للمتون العيطية، فظل الشاعر العيطي مجهول الاسم، واستنادا إلى ما توفر لدينا من محفوظات عيطية “أرشيف” غنائي قديم، ( أسطوانات اللفة، أشرطة الكاسيت، أشرطة الفيديو..)، وما سمعته شخصيا بالمباشر من أفواه الأشياخ والشيخات والرواة..، بصفتي الشخصية فنان شعبي شيخ للعيطة مغني وعازف كمنجة ل”رباعة الشيخات”، وجدت أن الأبيات التي يتحدث فيها الزجالون العيطيون عن الجمال كثيرة مقارنة بالمواضيع الأخرى، كوصف المرأة والطبيعة والرجل والخيل وغيرها.. فهي أبيات كثيرة جاءت متفرقة داخل القصيدة، إلا أن الأثر الشعري والفني لتلك الأبيات التي ذُكِر فيها “الجمال” على قلتها، يبقى فيها ناظم الكلام “الشيخ العيطي المغربي”، مسيطرا على نوعية التصوير الفني والإبداعي لحالة الجمال في القصيدة. فوصف الأشياخ الأسلاف في زجلهم العيطي المظهر الخارجي للمرأة واختلفوا في نظرتهم لجمالها فبينما يراها البعض أنها مصدر الحب والإلهام، يراها الآخرون مصدر الحزن والشقاء والمحن.. كما ذهبوا إلى الطبيعة واتخذوها إطارا للرومانسية حيث كان دورها في الشعر العيطي واضحا، إذ اتخذوها ملجأ لمشاعرهم الجياشة ولأحزانهم الشجية، ووجدوا فيها متسعا للتعبير عن عواطفهم..فوصفوا أعضاء جسد الحبيبة بثمار الفواكه واستعاروا من الطبيعة فتنتها وبثوا عناصر الطبيعة في أعطاف المتن العيطي، فيا ترى ما هي السياقات الفنية التي جاء فيها ذكر الجمال في غناء العيطة؟ وأي جمال تغنى به الفنان الشيخ العيطي؟ وكيف تغنت الشيخة بجمال الرجل؟ وما دور الجمال فيما يتعلق بالمجموعة الموسيقية من أشياخ وشيخات؟
الجمال هو الحسن، وقد وردت في اللغة العربية عدة كلمات دلت على مفهوم الجمال، بمعناه العام كما جاء هذا المفهوم ليدل على معان خاصة، ففي كتاب فقه اللغة للثعالبي قسم مفهوم الحسن عدة مرات، تحمل كل منها دلالة على معان معينة، فالوضاءة تكون في البشرة، والجمال في الأنف، والصباحة في الوجه، والرشاقة في القد، والملاحة في الفم، والحلاوة في العينين والظرف في اللسان..ونجد عدة ألفاظ تدل على الجمال منها البهجة، والحسن، والجمال، والنظرة والزينة، وفي لسان العرب؛ الجمال من فعل جمَل يُجمل ومصدره جميل، وعند ابن سيده يشير معنى الجمال إلى الحسن في الخلق والفعل، وعند ابن الأثير الجمال يقع على المعاني والصور، ونقول حسنت الشيء بمعنى جملته والحسن ضد القبح، وفي اللغة العامية المغربية “الدارجة العروبية” الجمال هو “الزين”. والجمال هبة من الله سبحانه وتعالى في خلقه، وليس للجمال وحدة قياس فكل إنسان يراه بشكل مختلف. وأحيانا الجوانب الخُلقية والجمال النفسي للمرأة لا يقل أثرا في نفس الرجل عن جمال الجسد، بل قد يكون أعمق منه وأقوى اجتذابا، فالمرأة العفيفة والمتمنعة هي أسمى وأكثر تفضيلا في نظر الرجل، وكذلك بالنسبة للرجل، فالرجل الرزين الوفي حسن الأخلاق، قد يكون عند المرأة أفضل من الرجل الوسيم سيء الأخلاق.
لقد أحب الشعراء الأشياخ العيطيون المرأة، وشغفوا بجمالها الخارجي وتغنوا فيها فوصفوا ما أحبوه فيها وخاصة مفاتنها وما يسحرهم فيها، فقد أحبوا فواكه الجسد الأنثوي ونظموا فيه زجلا رومنسيا، إذ وصف الشاعر المغني العيطي “الشيخ”،كل ما أثاره من جمال في المرأة وفي الطبيعة،كما وصفت الشاعرة الزجالة والمغنية العيطية “الشيخة” كل ما أثارها من جمال ووسامة في الرجل وفي الطبيعة، وشكل الجمال منذ عهد قديم وحيا يلهم الشعراء، ويدخلهم في معترك السحر والهيام، وقد كون جسد المرأة المحبوبة جانبا من أهم الجوانب في شعر الغزل منذ عصور، وافتتن الشعراء العيطيون بمفاتن الجسد الأنثوي الآدمي، فتغزلوا بوجهها بما فيه الشعر، والجبين، والعين بما فيها من الأهداب والحواجب والجفون وبلون العين، والخدين، والشفتين والفم والأسنان واللسان، والرقبة، والصدر والنهد، والبطن والسرة، والأرداف، والفخذين والرجلين… ولم يبخل الشعراء الزجالين العيطيين المغاربة “أشياخ وشيخات”، بدورهم عن رمزية هذه الأعضاء ومدى تأثيرها في نفوسهم فوصفوها وتغنوا بها بعبارات وأبيات زجلية في غاية الروعة.
وفن العيطة هو فن بدوي بامتياز، ومن أبرز السمات التي ازدهرت عند البدو المغاربة هو ازدهار وانتشار الغناء المبني على الغزل منذ قرون خلت، ففيه يتغنى الشاعر العيطي “الشيخ” والشاعرة العيطية “الشيخة” بمفاتن وجمال محبوبه، ويصف كل ما يراه جميل فيه..وهنا نسلط الضوء على ما جاء في المتن العيطي من مظاهر الجمال، فالبدو الريفيون بطبعهم ذو نفوس حساسة وأذواق لطيفة، يعشقون مظاهر الجمال بما في ذلك جمال الطبيعة والمرأة، والخيل والليل، والقمر والنجوم، والورد والزهر، والشجر والخمر.. فإذا ما رأى أحدهم بعينه الجمال أخذ بشغاف قلبه، وملك عليه مشاعره، وإذا فارق من أحب جاشت مراجل الحب في نفسه، وخرج من فمه ما يختلج بداخل نفسه من آلام البعد، وتباريح الشوق.. والحب من أجمل المشاعر التي نشعر بها وتملأ حياتنا بهجة وسرورا، وتجعلنا نسهر الليالي نتغنى وننشد الكلمات التي تعبر عن ما بداخلنا، فتغنى الشاعر الزجال العيطي “الشيخ” بفواكه الجسد الأنثوي البشري، وقد اقتصرت أغلب أبيات القصيدة الزجلية العيطية الغزلية، على وصف الجمال الخارجي للمرأة، وكان “الأشياخ والشيخات العيطيون”، يتفننون في وصف هذا الحسن، فصوروا بالتدقيق ما ترك هذا الحسن في نفوسهم وعواطفهم..

وفي “العيط المرساوي” نجد أروع الكلام في وصف الجمال، باعتبار أن العيطة المرساوية هي عيطة وجدانية في المقام الأول يهمها أن تحتفي بالعاطفة الإنسانية وتصور تقلباتها بين الحب والهجر والشوق واللوعة، فاستفاض الزجال العيطي في وصف فواكه الجسد الأنثوي الآدمي، وشبهه بما في الطبيعة بجمال بعض الحيوانات، “كالغزال” ، والفواكه ، والورود والأزهار.. كما هو في هذا المقطع التالي الذي انتقينا أبياته من عيطة “الغزال”، هاته العيطة التي اتخذت اسم “الغزال” عنوانا لهاـ، إذ يمثل هذا الحيوان رمز الجمال في الوسط الغابوي الحيواني، حيث نجد الشاعر يشبه عيون المرأة حبيبته بعيون الغزال وبعيون المها “البقرة الوحشية: ( سيدي لعيون صردية…بكَرة وحشية يا بابا)،أو تشبيههما بعيني الغزال: ( سيدي عوينات لغزال…شاغلين البال يا سيدي)، وشبه عيون حبيبته بعيون الحجلة وبعيون الحمامة المتيقظة بحيث تكون عينيها مستنفرتين متسعتين وهي دارجة: ( لالة عوينات الحجلة…دارو خبلة يا سيدي—عوينات لحمامة…فالذات خدامة يا سيدي– سيدي عوينات لحمام…كَايلين كلام يا سيدي).. كما نجد الشاعر العيطي في بعض الأحيان خرج عن المألوف في الصورة الشعرية فنسبهما إلى إبداع الخالق ( سيدي عيون حجبان…خلق الرحمان أسيدي)..وشبه في تصويره جمال حبيبته بالقمر الساطع في سرمدية الليل البهيم “الكَمرة ضوات…غابو نجوم الليل—الكَمرة طلعت… بان ضو الليل”، وقد نجد هذه الصور تتكرر في العديد من العيوط، كما هو الشأن في هذه الأبيات من عيطة الغزال المرساوية:
أهياوين أهياوين…ويلي يايلي
داز ما كلمتو..هيا واهيا
نعس ما فقيتو…ويلي يايلي
حتى أنا ايلا فقيتو..عشقو وحبيتو يا لالة …سيرا واهيا
يا مالي الكَمرة ضوات…وسط نجوم الليل يا سيدي..هيا واهيا
يامالي ماشفتو لغزال …يا صحاب الحال ا سيدي..سيرا واهيا
سيدي عوينات لغزال… شاغلين البال يا بابا…هيا واهيا
يا مالي الغزال خرجت…موكة حجبت يا لالة…سيرا واهيا
سيدي طلعت الكَمرة…بان ضو الليل يا سيدي…اهيا واهيا
يا مالي عينين وحجبان… خلق الرحمان يا سيدي …سيرا واهيا
سيدي عيونات الحجلة… دارو خبلة يا مالي…هيا واهيا
لالة عينيك سيوف…يطعنو في الجوف يا مالي…سيرا واهيا
لالة عينيك ماس…القليب تقاس يا لالة…هيا واهيا
يا لالة عينك قهروني…هلكوني وقتلوني يالالة… سيرا واهيا
يا مالي لعيون كبار…كواوني بالنار يا سيدي… سيرا واهيا
يا كاسي فريد..ايلي يا ييلي…يا جرحي جديد..أهيا واهيا
يا المولى يا المولى وأنت تحفظيه…وايلي ييلي عذبوني دوك العيون
أهاه أهاه السماح الله…سيرا واهيا
لالة عينو كحلة وحاجبو خروبي…وايلي هيا ييلي
لا لة عينو كحلة..ودقها مكحلة..سيراواهيا
لالة العين السردية…بكَرة وحشية …هيا واهيا
امالي عينو كحلة…وحاجبو خروبي…سيراواهيا
يا ما لي خذو وردة…مفتحة في الجردة…هيا واهيا
يا لالة فيمو خاتم داكَها مكاوي…سيرا واهيا
يالالة حس الخلخال في الدروج ينادي…خيا واهيا
لالة حس الخادم جايبة الصينية…سيرا واهيا
ونجد أن الشاعر “العيطي المرساوي” يصف جمال العيون العيون وسحر نظراتها بأنها أداة قتل فتاكة رغم ضعفها وصغرها، حيث صور العيون الحوراء (الحورا)، ويطلق عليها في اللغة العربية اسم العيون الدعجاء وهي العيون التي تتصف بشدة السواد ة واتساعها مع اتساع المقلة، ويصفها الزجال العيطي بأنها كفيلة بأن تصرع الناس العقلاء وتخبل عقولهم، وبأنها أداة قتل على الرغم من صغرها ورقتها، وبأن العيون هي داء ودواء في الآن نفسه، كما هو مبين في العيطة المرساوية “رجانا في العالي”:
رجانا في العالي يا بابا…وبابا رجانا في العالي…غريب وبراني يا سيدي
سعدات الكَلب الهاني … سيادي معس الليل…ما شاف زين بحالي يا سيدي…حياني العيون قتالة
العين الحورا ياسيدي…بابا مزينها بنظرة …كندير حتى نبرا يا سيدي .
العين الكحلة يا سيدي…كحلة بلا كحل…تهبل وتقتل يا سيدي..وبابا رجانا في العالي
العين الكحلة يا مالي….كحلة بلا كحل….تسطي وتهبل يا سيدي
العين الكحلة يا سيدي…كحلة بلا مرود…تداوي وتمرض يا سيدي….ها حياني
وقد تكون عيطة “الشاليني” المرساوية، هي أرق عيطة تشخص الانكباب على استحضار الذكريات الجميلة مع الحبيب والبوح بمكامن النفس، ووصف جمال الحبيب المعشوق..وتأثير فواكه الجسد الأنثوي الآدمي على الشاعر العيطي، فنجده يشبه العيون السوداء بتمار الزيتون الناضجة في سوادها: ‘دوك لعيون يا لالة…كيف الزيتون…يسرحو المسجون يا مالي ..يا لالة يا لالة يدويو الزيزون يا مالي..والشاليني)، كما نجده يصف العينين بالكسل والفتور، والفتور في الوصف هو الذبول والانكسار في العيون، وغالبا ما يكون من أصل الخُلقة، فوصفها الشاعر كأنها عين سقيمة، والقصد ما تظهره العين من غنج في النظر: ( دوك العينين يا مالي…المخبلين..ديما جدبانين يا سيدي..يا لالة ويا لالة ديما نايمين يا لالة …والشاليني)، وهذه بعض الأبيات المنتقاة من “عيطة الشاليني” المرساوية:
والشاليني يابابا …ديرني حداك …دابا تحتاجني يا سيدي
حبيبي يا حبيبي…دبا تحتاجني يا سيدي…والشاليني.
سبحان العالي يا سيدي…اللي صورك ودارك في بالي يا سيدي
مالي يا مالي صورك ودارك في بالي يا مالي…على الكاويني
دوك العينين يا لالة …المخبلين …ديما جدبانين يا لالة
يا لالة يا لالة …حمقو بعضين يا لالة….والشاليني
ذوك لعيون يا سيدي …كيف الزيتون…يسرحو المسجون يا بابا
ليلي ليلي ليلي…ينشطو المغبون يا سيدي …والشاليني
دوك العيون سا لالة…كيف الزيتون…يدويو الزيزون يا لالة
يا لالة يا لالة…يعقلو المجنون يا لالة…والشاليني
ويركز الشاعر العيطي على سحر جمال العيون تلك الحواس التي تتكلم ولكن بدون صوت بحيث تعوض الفم في الكلام ( عينيك كَالوها وفيمك ما دوا) فتوحي ما توحي إلى الناظر إليها، وتغزو القلوب من خلال نظرة ثاقبة، وتترك الناظرين حيارى لا يدرون ما وراءها من خوالج ومآرب، وما تخفيه من شعور وعواطف وهي منبع الجمال وينبوع الإلهام، كما نجد ذلك في عيطة “دامي” المرساوية وتعني “حبيبي”:
اه لله يا دامي …دامي يا دامي هواك عداني
لله يا بابا …كواني وعداني…ومشى وخلاني
لله يا دامي..الزين ولبياض…سلالة القياد
ولالة يا لالة … سحروني عينيك…والزين اللي فيك
لله يا دامي …عينين وحجبان…عند شي غزلان
ولالة يا لالة…عيون وحجبان…شاغلين البال
وبابا يا بابا… العين السردية…بكَرة وحشية.
اه لله يا دامي…العين الحجلية…فين مجلية
ونجد الشيخة العيطية الزجالة، في “العيطة المرساوية” تتغزل في جمال الرجل، كما يبين ذلك في عيطة “سيدي ادريس” أو ما تسمى بعيطة “نوضي دعيه”:
آه يا بابا ادريس…بابا ادريس قيدي ادريس يا سيدي ادريس…بابا ادريس يا ذهب لكويس
اه يا بابا ادريس….بابا ادريس قيدي ادريس يا سيدي ادريس..بابا ايس كب كويس نمشيو توريس
آه يا بابا أحمد…بابا أحمد سيدي أحمد يا قايدي أحمد…بابا أحمد يا حرش لعيون
آه يا بابا أحمد…بابا أحمد سيدي أحمد يا حرش لعيون…حرش لعيون كَول ليا فين غ تكون
آه يا البشا بلال…البشا بلال…سيدي بلال يا الباشا بلال…الباشا بلال واش هذا حب ولا هبال
آه يا الباشا بلال…الباشا بلال…سيدي بلال يا البشا بلال…الباشا بلال سرج ليا حط الريال.
وفي عيطة “جنان السطات” المرساوية، نجد الشاعر العيطي، يصف محاسن محبوبته بما يراه من جمال في الطبيعة، حيث يشبه الأعضاء الظاهرة من جسد معشوقته بالفواكه، فشبه النهد، بالرمان والمشمش، والبيض المسلوق، وشبه القد الرشيق الممشوق بالتفاح والبنان والأجاص، وشبه المرأة، بالغزال والطاووس والحجلة والحمامة، فتغنى بها وقال:
السطات بلادي يا سيدي…لالة السطات بلادي…قبلة للزاهي…تما تبقى فاهي
يا لالة سطات سطات…يا لالة زين لبنات…لغليمي في الوسط…ع تخير فين تبات…غير تعالى يا حبيبي
يا سيدي جنان سطات…يا لالة كاملة خيرات…كاملة غلات…على كل لوقات
يا سيدي جنان السطات…كاملة سربات….جدعات وعودات…عودات وموشومات…مرحبا بحبيبي
يا سيدي ايلا وصلتي للجنان…تلقى بوعيد وبنات….تفاح ورمان….عل الشكال وعل اللوان
يا سيدي ويلا دخلتي للجنان…تلقى طاووس وغزلان…وحمام وحجلان….كلها عندو ثمن….ع بان يا حبيبي بان
وفي “العيط الزعري”، نجد الشاعر العيطي ينظر إلى الجمال نظرة العاشق المتيم الولهان الحائر، إذ يصوره في أبيات شعرية عميقة، وأطنب في التغزل بجمال الجسد البشري، سواء وصف الزجال العيطي للمرأة ، أو تشبيهها بأنثى الحيوان الجميلة بلغة بدوية سهلة وعميقة المعاني: ( الخروفة معروفة…ع من القنوفة – عوينات قنية…فازرين فيا..).. أو وصف الشيخة العيطية وتغزلها في الرجل ( الصدر لمزغب…شحال كيعجب –الراجل لشهب…شحال كيعجب)..كما يبدو بعض من ذلك في الأبيات اللاحقة من خلال عيطة “الحساب الزعري” من العيطة الزعرية:
شي عوينات بانو…كَاع ما كانو — شي نهيدات طلو…ع من تهلو
فيمها كالوردة…يحيد اللهدة — العوينات كحيلات…كـالزويتينات
عويناتك قتالة…دايرين حالة — وينات لحمام…كتخلي لخيام
عويناتك لوزات…يغديو الذات — عوينات اللوز..وقتاش تدوز
العين الخضرا…زينة النظرة — عوينات فريك اللوز…كل نهار تدوز
زينها ركَيكَ…وزايدها لعكَيك – الزين ولهبال…بنت بني ملال
كما نجد تغزل الزجالة العيطية “الشيخة” في أوصاف جسد الرجل:
الصدر لمزغب…شحال كيعجب — بنادم لشهب…كيعجب القلب
شوفة السبع…شحال كتخلع — شوفة النمر… في القليب تضر
العين الزركَة…تبرد الحركَة — عويناتك بحر..في القليب تضر
الزين ولبياض…سلالة القياد –العيون القتالة…دايرين حالة
كانت مفاتن الجسد الأنثوي من أكثر ما تغنى به الزجالون العيطيون كعلامة على شدة السحر والحسن والقدرة على إيقاع الناس بشباك الهيام، وأكثر هذه الأعضاء الجسدية فتكا هي العيون وهي مصدر النظر ونبع المشاهد الجميلة الساحرة، ووصف الشاعر “الشيخ العيطي الزعري” بأن سحر العيون الكحلاء لا يستطيع أن يقاومه أي قلب، فما استطاع من رأى سحرها إلا أن يقع في شباك هيامها ( لعوينات لكحيلات…يهلكو في الذات). كما تأثر الشعراء العيطيون وازداد سحرهم للعيون الملونة؛ الزرقاء، والعسلية..ولو أن نسبة ذكرها أقل من نظيرتها السوداء، حيث نجد العيون قد أضاءت فن العيطة الزعرية بسحرها واختلاف سحرها وألوانها، كما ورد في هذه الأبيات لسحر العين الملونة في “عيطة الحساب الزعري”:
العيون الزرقة…يجبدو الورقة – – زرقة لعيون…خلاتني مغبون
عوينات ميهة لبحر…في لقليب تضر –خضرة العينين…هي سباب لمحاين
هذه بعض الأبيات “الحبات” من عشرات الأبيات من عيطة “الحساب الزعري” التي تتغنى بوصف الجمال، وسحره على الناظر إليه، كما نجد نفس الشيء في العديد من أبيات من عيطة “حب الحلكَة الملالية”، من “العيطة الملالية” وهذه بعض شدرات الحَب منها:
لالة لالة ويا لالة تعالي ليا….عوينات الشلحة…يبردو الكَرحة.
لالة يا لالة ويا لالة الغالب الله…عينيك غذارات…حكمو في الذات
لالة يا لالة ويا لالة هذا جهدي…هدوك حجبان…ولا هلال يبان
لالة يا لالة ويا لالة هذا مكتوب…العين الكحلة…تجبد ع لبلا
لالة يا لالة ويا لالة الزين يعري…زينك منقوش…وزيدها لفشوش
لالة يا لالة ويا لالة هذا مكتوب…زينها كالغزال…مهبلة الرجال
لالة يا لالة ويا لالة هذا مكتوب…واش هادوك نهود…ولا ركابي عود
واستفاض الشاعر الزجال “العيطي الغرباوي” في وصف جمال المرأة ، وهام بها كما يظهر من الأبيات التالية في عيطة “الغابة” من “العيطة الغرباوية”، وشبه محاسنها بمفاتن الطبيعة، ويصف شعرها بالسواد والطول، وقدها بالرشاقة، ويسترسل في وصف الأعضاء الخارجية الفاتنة لجسد محبوبته إذ غنى يقول:
راح الليل وغربو نجومو… كلها حاز كبيدتو
البنات كيف خيل السروت…يا خيي كلا وكَيمتو
العيون كخيل السراتة…والنيف بشمامتو
فمها براد تاع أتاي …مشحر بليقامتو
الشعر طويل فيه كَامة…مرشوش بالورد ولخزامة، لالة تريكة النبي يحفظها مولانا
وتأخذ العيون في نفس العيطة “الغابة”، أشكالا موحية من الطبيعة من حول الشاعر العيطي في صورة تمتد وتتكيف في النص:
وعيني على عينيك كيف ندير ليك..عينيك كَالوها وفيمك ما دوا
وعينيك كيف لبحور ميهة صافية…وعينيك كيف النسور في غابة زاهية
وعينيك كالكَمرة ونجوم ضاوية…وعينيك كالجمرة في كَلبي كَادية.
وفي مقطع آخر من نفس العيطة الغرباوية “الغابة” نجد الشاعر الغرباوي ، تغنى بالطبيعة، ويرتي لإبادتها ( مال الغابة مقلقة…من حر المنشار خايفة…تبكي وتكَول يا حبابي سخيتو بيا)، فهو يلمح للمتلقي أن حبيبته هي تلك الغابة المثمرة التي ستزف لغيره، كما يوظف عينيه في التقاط صور لجمال المرأة ويشبهها بما في الطبيعة من حيوانات وحشرات نافعة وذات جمال، إذ قال:
مشيت للغابة في الضبابة…سبحان الله يا عجبا
بعيني شفت الغزال…كيتسارى وسط الجبال
وانا وانا..هو أهو…وانا وانا.. وهاه وريني وحشك يا الغابة..
هَو أهو.. هو أهو أهو.. هَو أهو.. هو أهو أهو..
مشيت للغابة في الضبابة…سبحان الله يا عجبا
بعيني شفت شي حمام…كيتسارى وسط لخيام
وانا وانا..هو أهو…وانا وانا.. وهاه وريني وحشك يا الغابة..
هَو أهو.. هو أهو أهو.. هَو أهو.. هو أهو أهو..
مشيت للغابة في الضبابة…سبحان الله ويا عجبا
بعينيا شفت شي عيون…شي عيون كيف الزيتوه
وانا وانا..هو أهو…وانا وانا.. وهاه وريني وحشك يا الغابة..
هَو أهو.. هو أهو أهو.. هَو أهو.. هو أهو أهو..
مشيت للغابة في الضبابة…سبحان الله يا عجبا
بعينيا شفت شي حجل…كيتسارى وسط النخل
وانا وانا..هو أهو…وانا وانا.. وهاه وريني وحشك يا الغابة..
هَو أهو.. هو أهو أهو.. هَو أهو.. هو أهو أهو..
مشيت للغابة في الضبابة…سبحان الله يا عجابا
بعينيا شفت شي نحل….في فيمو هاز لعسل
وانا وانا..هو أهو…وانا وانا.. وهاه وريني وحشك يا الغابة..
أح حاه حاه.. أح حاه حاه ..أح حاه حاه.. أحا حاه حاه
مال الغابة مقلقة….ومن حر المنشار خايفة
تبكي وتكَول…يا حبابي سخيتو بيا
أهاه هاه ها وانا…بايتة كنتسنى مالك ما جيتي يا لحبيب
ونجد الشاعر العيطي الجبلي يشبه حبيبته في جمالها بالقمر الساطع في ظلمة الليل، الذي تشبه سواده بسواد عينيها، كما يشبه هاتين العينين بالقمر الذي يشع نوره، ويصفها بالغزال ويتوسل إليها أن تسهر معه هذا الليل السرمدي الطويل ليستمتع بنور عينيها الساحرتين، كما نجد ذلك في هذه “السوسة ” من عيطة “راح الليل”، هذه “العيطة الجبلية” الرائعة:
يا غزالي يا مجدول لحرير مزال الليل طويل…مزال الليل طويل يهديك الله قصري الليل معانا
عويشة لغزال عيونها كَمرة طلعت…أها أها أها…لالة ويا لالة
سير غدار صاحبو مدار مزية…طل لغزال بالليل كحل العينين
هو الوليد مع الرباعة هو لوليد…هو لوليد في الجماعة هو لوليد
الوليد يا لوليد زين السمية…لعزيز عليا نور عينيا يهديك الله
أجيني يا لغزال أجيني يا لغزال أجيني يا لغزال
أجيني يا لغزال كحل العينين شاعلة نارك بلا دخان
اليوم غدا نرحلو اليوم وغدا نرحلو…رحيلك أنا نزلو زينك عقلي هبلو
وأنا هذ الرحيل تقيل عليا يا الهاشمية…ها عار الله حاولي عليا
وأنا هذ الليل طوال عليا يا الهاشمية…ها عار الله شوري عليا
نفيق الناعسين ونعيق الساهرين…عيونك يا لالة غزالي زادوني فلعذاب
راني في حالة ويا الغزالة…وكلت عليك الله لا تجافيني
علاش كتعاديني خلي النوم يديني…دبا يجيك ويجيني
وأنا أجري على ربي …والليل طويل
داز الصيف وطاب لخريف…يا مولات الشفرَ لخفيف
يا مولات الزين الظريف…والله أنا قصدي شريف..يالالة راح الليل.
ونجد في “العيطة العبدية” أو ما تسمى أيضا ب”العيطة الحصباوية”، أنا الشاعر العيطي العبدي يتغنى بجمال العينين وسحرهما بكونهما هما السبب في كل ما يقع للعاشق، فهي التي ينظر بها تلك النظرة الأولى حيث يقع صريع الهوى، وهي السبب في شقائه وعذابه، مثلما نجده مذكورا في عيطة “الراضوني” أو ما تسمى أيضا بعيطة “برغالة” حيث يقول:
ياو الراضوني الراضوني الراضوني…لالة لالة يا لالة…خوذ الزين ولا تعذبو
ياو الراضوني الراضوني الراضوني…ايلي يا ييلي ياييلي…العينين كبار كواوني بالنار
ياك شفتي وبغيتي…واهيا واهيا
ياك شفتي ورضيتي…واهيا واهيا
ياك عينك سبابك…واهيا واهيا
ياك عينك عذابك…واهيا واهيا
وفي مقطع آخر “عتبة، من نفس العيطة نجد:
خوذ الزين ولا تعدبوشي…خوذ الزين ودير لو شروطو
خوذ الزين كحل العينين…خوذ الزين اللي يعمر العين.
كما نجد أيضا في “العيط الحصباوي” بعيطة ” تكبت الخيل” جملة تتكرر: “علاش تعاديني يا مو لعيون”.
وفي عيطة “الحصبة”، نجد تأثير وسحرجمال العين على الشاعر العيطي العبدي، فغنى:
وعدا يا الهوى…يا لاه نسهرو عينيك عجبوني
عيشك يا با…سحروني حرشات لعيون.
وقد برع الشعراء “الأشياخ الشيظميون”، بفن الوصف الدقيق في العيطة، وقد عرفوا برقة الوصف ودقته، وتفننوا في “براويل” عيطية جمالية رائعة، وعرفوا كيف يبحروا في الخيال لنقل المتلقي من عالم الغناء إلى ذلك الشيء الموصوف حتى يكاد أن يصبح ملموسا مرئيا داخل القصيدة العيطية، فنجد الزجال “الشيخ الشيظمي”، وصف الجمال في عدة براويل عيطية من “العيطة الشيظمية” كما في عيطة “الحبيبة”:
واه يا الحبيبة واهيا وها العالي واه….واه يا الحبيبة واهيا وها العالي واه
العين الكحلة واهيا وها العالي واه….واه يا الحبيبة واهيا وها العالي واه
وها والفيم خويتم واهيا وها العالي واه…واه يا الحبيبة واهيا وها العالي واه
والخديد وريدة واهيا وها العالي واه….وها الحبيبة واهيا وها العالي واه….ياك شوفات الزين واعرين في الهوى يهاه.
ونجد كذلك “الشيخة الشيظمية” تتغزل بمحاسن الرجل، فتصفه بصغير الباز “البيز”، وأنشدت تقول فيه:
ياه حوم يا البيز وا حياني يهاه…ياه حوم يا البيز وا حياني يهاه
يداك الباز حرش العينين واحياني يهاه…ياه حوم يا البيز واحياني يهاه
ياو البيز طويل النجين واحياني يهاه…ياه حوم يا البيز واه حياني يهاه
ياو البيز كحل العينين واحياني يهاه….ياه حوم يا البيز واه حياني يهاه
ياو مو مشات تخطب ليه واحياني يهاه…ياه حوم يا البيز واحياني يهاه
داك الزين ما لقاتو ليه واحياني يهاه…ياو حوم يا البيز واه حياني يهاه…يا عوينات الباز واسعين يا الهوى يهاه.
وقد نجد أغلب قصائد “العيطة الفيلالية الجرفية البلدية”، تتغنى بجمال الخيل والإبل والنخل والرمل، حيث تعطي قيمة كبيرة للواحة. تعطي قيمة كبرى لجمال الطبيعة، مازجة بين جمال الطبيعة والخيل والإبل والأنثى الآدمية، تلك المرأة الإنسانة ملهمة الرجال، حيث نجد الشاعر “العيطي الفيلالي الصحراوي”، يعتمد على التلميح بدل التصريح، ويحضر تضاريس الجسد الأنثوي وثناياه، وفواكه بستان الأنثى الآدمية، ويصف المرأة من شعر رأسها إلى قدميها ، في قالب إبداعي مشفر جميل، بعيدا عن الإسفاف والابتذال. وقد شبه عيون حبيبته بعيون الأفعى، تلك العيون القاتلة المخيفة ( في عين مسكي الحية…ضربتني حية..عيونها حجلية..هلكتني ولعبت فيا..)، ونجد “العيطة الفلالية الجرفية البلدية” قد أفردت للعين عيطة سميت باسمها وهي “عيطة العين”:
عينيا آه يا عينيا….عينيا عينيك جاو في عينيا
عينيا آه يا عينيا…عينيا هما سبابي في الكية
عينيا ويلا وتيت سامح ليا…سامح ليا بضاض ما عمل لي شرعية
سيادي العين صعيبة سحرتني وحكمت فيا…مالي العين صعيبة والربطة زغبية.
عينيا آه يا عينيا…في عين مسكي الحية…ضربتني حية…عيونها حجلية..هلكتني ولعبت فيا
العيون الكحلية…ميهة نقية، نخلة محنية، وسط عين مسكي الحية، واحة خضرا مسقية
العيوط البلدية..البراد والصينية..والمشوي والملوخية…العيون الصردية…ولخدود الوردية
كما نجد الشاعر الصحراوي الفيلالي، أحب جسد حبيبته وتغزل في جماله، وأحب تناسق هذا الجسد المليح، وأظهره في الصورة الشعرية للجمال، مع تناسق الطول والقد، حيت يبين في نفس العيطة “العين” كل ما أحبه فيها من مواطن الجمال، وهذه أبيات من نفس العيطة:
أوين أوين أوين أوين…أوين أوين على دوك العينين
دوك العينين المخبلين ديما جذبانين…دوك لعيون النايمين حمقو بعضين.
آش داني أنا نشب من ديك العين….آش داني أنا نشوفيك يا ذاك الزين
أنا سولو الفاهمين واش القلب يحب اثنين…سيادي سولو العاشقين علاش العين تعش الزين.
كما يرى الشاعر “العيطي الفيلالي” أن جمال العيون هو ما أتى على الطبيعة، دون أن يمسها الكحل كما هو الحال في عيون الغزلان، ويعني العيون الكحلاء والساحرة، وهي العيون التي تبدو وكأن الإثمد “المرود”، قد مسها بالكحل، بيد أن جفونها تبدو سوداء من غير كحل، ويكون ذلك من أصل الخلقة ودون تكلف وهو ما وصفه وتغنى به الشاعر العيطي الفيلالي في نفس العيطة حيث يخبر الناس أن سحر عيون محبوبته وما يبدو فيهما من كحل أبهر الناظرين، إنما هو من خلق الله ولم يمسه كحل، وبأن العيون الحوراء داء ودواء معا، وشبهها بعين الماء الجارية التي تسقي العطشى، فغنى وأنشد:
العين كحلة بلا كحل تسطي وتهبل…العين كحلة بلا كحل تهبل وتقتل
العين كحلة بلا مرود تداوي وتمرض…العين سايلة كترجدد تعوم وتورد.
ونجد الزجال العيطي الصحراوي الفيلالي يصف العيون الحوراء الكحلية بأنها تملك ما هو أمضى من لسيوف، ومن الخناجر والنبال والجباد، وماهو أفتك من الرصاص “قرطاس”..كما جاء في الأبيات الثالية من العيطة نفسها:
لالة عينيك عينيك جابو الهوى من شيشاوة…يا لالة عينيك عينيك ردوا الغاشي وهو ماشي
لالة عينيك ملاح قهروني مخلاوني نرتاح…يا لالة عينيك سلاح في قليبي زادو لجراح
لالة عينيك بحوار ميهة صافية تداوي المضرور…يا لالة عينيك نشور صيدو الزرزور من فوق السور
لالة عينيك قرطاس سهروني بيتوني عساس…يا لالة عينيك ماس جرحو الكبدة ولقليب تقاس
لالة عينيك سيوف طعنو الجوف مبقيت نشوف…لالة عينيك جباد صيدو الصياد من وسط الواد
كما نجده يدقق في وصف جمال محبوبته معشوقته من الرأس إلى أخمص القدمين، وقد شغله هذا الجسد الأنثوي الآدمي، بما فيه: الشعر، والوجه، والعينين، والخد، والأنف، والفم، والشفتين، واللسان، والرقبة، والصدر، والنهد، والبطن، والسرة، والخصر، والرجلين، والرشاقة والقد..حيث أنشد وتغنى:
أوين أوين أوين أوين…أوين أوين على دوك العينين
دوك العينين المخبلين ديما جذبانين…دوك لعيون النايمين حمقو بعضين.
الشعر كحل غري غراب زاد العذاب…الخد وردة بلا ندى مفتحة في الجردة
الفيم احمر مدور ورد مقطر…الشفايف حمرة بلعمان صباغة الرحمان
اللشان شهدة لعسل مهبلة لعقل…في الصدر بيضات بلديات مسلوقات منقيات
الكرش شقة مزوقة مفرشة في الحلقة…والسرة دايرة منقية مزينها بنقا
الزين والقوام حوتة بورية…الحنة في لكَدام ع حمامة طوبية
ونجد الزجال العيطي “الصحراوي الفيلالي” في نفس العيطة، يطلب من الآخر أن يلتمس له العذر، فيما يقاسيه من عذاب الحب وشوق الهيام وفتنة الجمال، الذي تسببت له فيه حسن وبهاء محبوبته، وأن ذلك فوق طاقته، ويطلب منه أن يكف عن لومه وعتابه، كما يدعو له أن يحفظه الله من سحر العين وينجيه من شرها ومن عاقبتها، فأنشد يغني:
يا اللايمني في حالي خليني في هبالي…يا اللايمني في حالي رانا بوهالي
الله يبليك بالزين ويحفظك من العين…الله ينجيك من العين ديال شي بعضين
الله يشربك من مايا وتفهم لغايا…الله يوكلك من طعامي وتسمع كلامي
الله يدخلك من بابي وتجرب عذابي…الله يبليك ما بلاني وتجرب حالي.
كما يلعب الجمال دورا مهما داخل أفراد المجموعة الفنية الموسيقية العيطية، من حسن المظهر بأزياء تقليدية مغربية، يرفلون في أثواب ذات خياطة جميلة، وحسن المظهر الخارجي للشيخاتوالأشياخ، كأن تكون الشيخة، جميلة خلقا وأخلاقا، وتتمتع بصوت جميل، ونفس الشيء بالنسبة للرجل”الشيخ”، أن يكون جميل المظهر برشاقته وهندامه وجميل الصورة، الشيء الذي يضفي على المجموعة الغنائية جمالا في الصورة “الحطة”، قصد كسب حب الجمهور وجني تمار الإكراميات.
هذه بعض النماذج من الأبيات التي جاء فيها ذكر الجمال “الزين”، في المتون العيطية، ومن هنا يمكننا أن نستخلص أوصاف المرأة المغربية في تلك الحقبة الزمنية، التي ازدهرت بخيراتها وبجمال نسائها ورجالها، وبهذا نكون قد استعرضنا ما تيسر لنا في ما قيل في الحسن في الغناء العيطي، هذا الغناء الذي كان ومازال وسيظل يحتل المكانة الرفيعة في المشهد الفني الغنائي المغربي، فن يتعاطاه ويتبادله ويتوارثه المغاربة جيلا عن جيل، فهو تراث أصيل ومعمر وفن حي متحرك ومتجدد. فن يجمع بين الأصالة والحداثة ليؤكد أصالته في أشكاله وقوالبه الموسيقية التقليدية، كما يؤكد حداثته في الاستفادة من الأحداث والوقائع كعوامل مثيرة للإبداع والتجديد والإنتاج.
وأكرر دائما في مقالاتي وندواتي، أنني فخور ومعتز بهذا الفن التراثي الأصل، وبصفتي فنان شعبي شيخ للعيطة وكاتب، فهذا الفن يسري في عروقي وموجود في كل أعمالي بما فيها الأغنية والمقالة والقصة والرواية،..كما سأظل وفيا له، لقد أعطاني الكثير ولم أعطيه سوى النزر القليل، وما أنا سوى قطرة في هذا المحيط العيطي، فهو بالنسبة لي نقطة قوة ومصدر فخر واعتزاز.. فهذا الفن هو جب لا ينضب نشرب ونرتوي منه من جيل لجيل، كنز ثمين، ورأسمال لامادي، يجب علينا أن نهتم به ونحافظ عليه، وننقله للأحفاد في أحسن حلة كما أوصله إلينا الأسلاف والأجداد. فن أصيل مليء بالألغاز والأحلام والأسرار كالعين البشرية العجيبة الساحرة.
وختاما لهذا الجانب من البحث نختمه بسوسة من “العيطة الحوزية”، وهي خاتمة لقصيدة عيطية، بإيقاع موسيقي خفيف بسيط وتسمى ب”سوسة حادة”، وهي تتغنى بجمال المرأة باختلاف لون بشرتها، فشبهها “الشاعر الحوزي” في بياضها ببياض قالب السحر وحلاوته، وشبهها بسمرة منجل الحصاد، وشبهها في قدها وطولها بالنخلة، كما جاء في هذه السوسة من “العيطة الحوزية” التي يختمها بدورها ب”سدة” قفل يحث فيه بأن النساء لوحدهن صديقات صادقات:
ياو البيضة ايلا دارتو…تستاهل ايلا دارتو…كيف القالب هرسو مولاه وداه للجماعة يتعنى بيه
ياو الحمرة ايلا دارتو…تستاهل ايلا دارتو…كيف المنجل زندو مولاه للحصاد
كان شفتي ياودي حادة هي والنخلة مكَادة..خلات العلفة واجدة…وخلات السارح بلا غدا
آه آه اهويه.. آه آه اهويه.. آه آه اهويه.. آه آه اهويه.. آه آه اهويه.. آه آه اهويه.. آه آه اهويه…
………. حيد حيد كلشي عدو سيوا لعيالات…….

الاخبار العاجلة