“ريان… أيقونة صبر” للفنان سعيد غزالة

جسر التواصل3 أبريل 2022آخر تحديث :
“ريان… أيقونة صبر” للفنان سعيد غزالة

الفنان سعيد غزالة

العودة
                                                                           27
الصباح وديع في عالمي الأخضر، وكل المخلوقات تستفيق فرحة تصدح أرواحها بالغناء. خرجت من بيتي الوردي الموضوع فوق تلة تشبه تلة بيتنا في الدنيا التي ودعتها. تلة تطل على أنهار بالألوان تسبح في مياهها أنواع لا تحصى من الحيتان (الصغيرة) وأسماك بأجنحة تطير حول سحابات القطن البيضاء تم تعود للغوص في مياهها الدافئة. وزهور من شتى الأنواع في قامتي تتمايل في رقص لا ينتهي ترسل عطرا لا يقاوم يجعل الروح في طيران دائم. إنها الولادة الأولى لي هنا بين كل هذا الجمال الذي يحوطني يغمرني… يتنوع بتنوع الإحساس. لكن بلا أمي. رغم كل شيء أنا راضي عما أنا فيه وسأتذكر كل لحظاتي الصغيرة في حضن أمي وبين أقراني هناك… سأشارك مخلوقات هذا العالم الأخضر مرحي وأحلامي الصغيرة ولن أشتكي أو أشتهي العودة إلى هناك. انتهى كل شيء.
ظهرت الكرات ذات العين الواحدة كلها تنظر إلي وما علي إلا أن أختار واحدة منها… اخترت أصغرها فكانت الأفضل حدثتها عن حكايتي فبكت ثم تحولت لأشياء كثيرة تركتها هناك (جديا، كلبا، حمارا، لقلاقا….) حتى تدخل الفرحة إلى قلبي أو تجلي هذا الحزن عني بعض الشيء. كنت أضحك من قلبي تحولت إلى كل شيء إلا أمي.
إلا أمك فلا شيء قد يعوضها لك يا ريان هنا، لا تقلق من الكرة إذا ما عجزت عن هذا الأمر، فأمك شيء مستعصي عليها فقط احتراما لها قالت ناريمان، التي تقدمت مني وجلست إلى جانبي. ولكن يمكنك زيارتها والخروج كطيف إلى هناك، أتمت. نظرت إليها في استغراب. هل يمكن؟ سألتها وقلبي يخفق بشدة. نعم يمكنك ذلك، فهم ما يزالون يحفرون ممرهم لعلهم يصلون إليك. ثم نظرت إلي. أعلم، لقد سبقهم القدر واجتزت الممر الآخر. أعقَبت في حزن.
هل سيبقى هذا الحزن يلاحقني. علي أن أخرج، وإن طيفا، لأشارك في هذه الملحمة النادرة التي ابتليت بها أسرتي الصغيرة وتعاطف معها كل الناس لا يفرقهم في هذا المصاب جنس أو عرق… اتحدوا من أجل الإنسان الذي ينتظر من ينتصر له فقط من أجل عدل ومساواة تعم الجميع. نظرت لناريمان أطلب تأييدها، فكانت ابتسامتها أكبر مشجع لي. سأخرج أخيرا وأعود إلى تلك النواحي الهادئة. هي صاخبة الآن بهذا الحجيج من الناس الذين ما يزالون يأملون في معجزة، يكفي أن أشاركهم هذا الأمل، وإن كان واهما، من أجل لحظات فرح نادرة. الناس دائما في حاجة للفرح والسعادة والأمان. سأهيء روحي لهذا التحليق وأعود إلى هناك البعيد في المكان والزمان، القريب إلى القلب. هنا يمتد الوقت ويتمطى بل أظنه غير ذا أهمية كبيرة. لأن في هذا العالم الأخضر تتشابه فيه الأشياء ولا يبقى للرغبات معنى فكل شيء موجود. سأخرج إلى هناك احمل في قلبي هدوء صمت الليل ونومي في حضن أمي عندما يجن الليل بعد يوم تعب، أتذكر كل شيء ولا أستطيع إلا أن أستحضر ذكرياتي هنا… لكن لا قدرة لي أن أوصل لأمي أو للناس ما أحياه هنا، اعذروني فالأمر أكبر مني.
إني معكم صدقوني، بينكم، حواليكم. لا تروني، لكني في كل مكان معكم… ستجدوني في كل طفل يقف بينكم لا يقوى على فعل شيء من أجل ريان في الجُب. إنهم يلعبون على أي حال بعد تعب الانتظار وإن الناس تنام وآخرون يجهدون النفس من أجل الظفر بالنجاح في إخراجي حيا. هيهات. كل هذا من أجل لحظة فرح نادرة تعيد لناس هذا البلد بعض الأمل في غد جميل.
سأعود إليكم.

                                                                           28
كأوراق كوز الذرة الطرية نبتت لي أجنحة بألوان قزحية زاهية. تقدمت مني ناريمان التي كانت في هيئة عروس تُزف… ابتسمت لها كما ابتسمت لي وعبرت عن فرحها لما أمسكت بيدي فأفردت جناحي اللذان رفعاني، وهي ممسكة بي، إلى ما فوق السحب القطنية. ستتمرن على الطيران ويألفك جناحاك وعندما تصبح قادرا على اختراق العالم الأخضر وزمن أهل الدنيا سيسمح لك بالأمر. قالت ناريمان التي أفلتت يدها من يدي بعد كلامها. كانت قادرة على الطفو على جناح الرياح غير المرئية.
كان طيراني كما الحلم الجميل الذي كان يراودني في الدنيا عندما كنا نلعب ونقفز ونحاول تقليد الطيور بخفق أذرعنا الصغيرة. واستطعت أن أقطع مسافات ومسافات بدون توقف. وفي كل تلك المسافات كانت ناريمان معي تتأمل فرحي وسعادتي. أنت تتعلم بسرعة يا ريان وهذا سيساعدك قريبا جدا على الخروج إلى هناك والاقتراب من الناس في دنياكم الفانية همست ناريمان. نظرت إليها في تساؤل. نعم يا ريان الدنيا معبر لكل الناس إلى عالم آخر قد يكون هنا أو مكان آخر. تحركت أجنحتي ورفعتني إلى فوق. بعد الموت هناك جنة ونار. قلت. ابتسمت بنت الأقحوان ثم اختفت في سحابة قطنية ثم عادت بفاكهة لا أعرفها. تذوق هذه. وهي تمدها لي. كانت لذيذة إلى حد الإغماء لأجد نفسي في تلك الغرفة على التلة أتأمل طلوع شمس كشمسنا في الدنيا. بل هذه التلة التي تقع عليها هذه الغرفة ذاتها التي هناك. سمعت خطوات ناريمان تقترب لكنني لا أراها بل سمعت همسها. لحظات ويفتح لك باب لتعود طيفا إلى قريتك يا ريان. ثم تلاشى الهمس ولم يعد في المكان إلا أنا وخفقات القلب المتسارعة وبعض الخوف. كيف سيكون هذا الباب؟ كانت أجنحتي أوراق كوز الذرة، مضمومة إلى بعضها أحسها غارقة في نوم جميل. ربما لن تستفيق حتى يفتح باب برزخ الأطياف الجائلة!
الانتظار تشعر به كشيخ متعب بالكاد يمشي. متشوق لهذه الرحلة المعاكسة. أقلها أنني سأقف إلى جانبك أمي وأجدد لقائي بجَدْيي الصغير وكلبي الوفي الذي يتحرق لرجوعي القريب. وأشارك، كالجميع، في إنهاء ملحمة الحفر تلك للوصول إلى ريان الطفل. ريان الصبر. ريان المحج. أشارك في رسم اللوحة الأخيرة لهذه الحكاية حتى تهدأ القلوب وترتاح النفوس، وتستأنف الحياة، هناك، دورتها العادية.
شبيهة الشمس توقفت وعمّ صمت مطبق. لحظات ظهر ضوء من خلال زرقة السماء فتكثفت بظهوره سحب تسارعت لتغطي تلك الزرقة البهية وينفتح شكل باب من ضباب يطل فراغه على شجرة عالية تشبه تلك الشجرة البعيدة التي كنا نراها من قريتنا. بل هي الشجرة… يبدو أن هذا هو الباب. باب البرزخ المنتظر. ويبدو أنني سأحلق انطلاقا من هذه الشجرة التي كنت أتمنى أن أصلها يوما… وانا على هذه الحال تحرك جناحي فانفردا على طولهما ليرفعاني من مكاني منطلقان بي نحو الباب… لم تكن المسافة قصيرة رغم أن الرؤية كانت واضحة. وأن أسابق ذرات الضباب التي تغسل وجهي كان خوفي من أن ينغلق الباب. لكن لم يغلق بل كلما اقتربت منه كان يتلاشى فتتسع فتحته إلى أبعد مدى ممكن… كنت أبدو في هذا الفضاء الرحب عبارة عن ذرة تائهة تتقاذفها نسمات الهواء وقطرات ماء تهديها لي الغيوم القطنية بسخاء.
لما تجاوزت البوابة العملاقة تغيرت في أشياء كثيرة منها أن جناحي صاريا أبيضين كما لباسي وأحسست ببعض الضيق من هواء الدنيا الذي يختلف عن عالمي الأخضر. لا يهم لقد اجتزت البوابة البرزخية، وها آنذا قبالة الشجرة الكبيرة ومنها أرى الحشود، وهناك قريتي.

Views: 11

الاخبار العاجلة