الفنان سعيد غزالة
اسمي ريان… كنت أعشق طبيعة بلدي ومنطقتي وعائلتي… أحب الجري خلف جَدْيي الصغير… وقطف زهور البرية… لقد حذرتني أمي من الجُب الذي كنا نأمل أن تعود المياه إلى جوفه… وأنا أجري ربما لخوفي على الجَدْي من السقوط فيه لم أنتبه أن ذاك الجُب غير مكانه لأكون فيه بدل جَدْي الصغير… حاولت، وأنا أسقط، أن أمسك بجدرانه الضيقة لكي أعلق قريبا وأصرخ بأعلى صوتي حتى تسمعني أمي وتأتي لانتشالي… ربما الجَدْي أخبرها. من الألم أغمي علي فكنت في قاع قريب على صخرة حدت من مواصلة سقوط لا ينتهي… انتبه العالم كله لي. كنت أسمع ذلك، لكن الألم كان يمنعني من الرد عليهم وحتى من القدرة على التشبت بالحياة التي كنت أرغب أن تتشبت هي بي! لست أدري… كل تفكيري وخوفي على الجَدْي الصغير فقد يفكر أن يلتحق بي هنا لنكمل اللعب. كان أملي وأنا أتألم أن أسمع أمي وهي تغني لي أغنيتي المفضلة… لم تكن في الجُب حبال بنواقيص حتى أحركها بيدي لتسمعني أمي بلغة نخترعها وأقول لها: أحبك يا أمي، اعتني بالجَدْي…
2
في لحظات، وأنفاس الناس تتسرب من مدخل الجُب، تنبهت إلى ظلمة المكان… كان التراب رطبا ككف أمي وهي تهيئ لي خبز الشعير في صباح أول يوم لذهابي للكتاب وبجانبها إناء صغير من طين أحمر به زيت زيتون كنا نستهلكه بمقياس. كنت أعلم أن ظروفنا، بحمد لله، ضعيفة… ولكن قناعتنا بذاك القليل كانت هي سعادتنا. لم أكن أعي ما يحصل لي سوى أنني في جُب ضيق ينازعني الهواء ومد البصر في طبيعة خضراء كانت عالمي الذي أنطلق فيه بكل حرية. نظرة إلى فوق وأنا أقول: هل من سبيل إلى معانقة ذاك الفوق مرة أخرى والعودة لمسابقة جَدْيي، ومناكفة إخوتي على لقيمات صحن الفاصولياء اللذيذة؟ كنت ضعيفا حتى على التمني لكن هناك صراخ داخلي ينمو ولكنه لا يستطيع أن ينطلق. لأعود إلى أمنيتي أشمها في التراب وجهد الناس خارج الجب لمساعدتي على أن أتنفس هواء اصطناعيا في انتظار وصول نجدة ما تنتشلني من هذا الضيق.
كنت وأنا أتألم أتذكر يوما عندنا سقط فرخ عصفور من عشه من علو كهذا الذي أنا فيه ولا أعرف قياس مسافته، كنت سريعا أحاول أن أعيده إلى عشه لتسعفه أمه فأنا لا حول لي في هذا الأمر لأنني صغير ومعرفتي بطرق الانقاذ منعدمة. لما وضعته في عشة وأنا نازل من على الشجرة سقط مرة أخرى لأكتشف في ما بعد أن العيب في العش المثقوب وليس في الشجرة ولا في جهلي بطرق الإنقاذ.
التراب يبرد وأنا أبرد… هذه الرائحة… رائحة التراب التي أعرفها جيدا هي التي تبقيني متماسكا حتى أعود إلى فوق، لأني اشتقت للجدي الصغير ورغيف أمي. (يتبع)
Views: 13






















