“المرأة التي رممت شظايا رجل الأيام والليالي بدونها “الجزء الأول “الفصل الخامس “- المجلس الأعلى والأنا الأعلى فالأدنى- للكاتب والصحفي الكبير عزوز شخمان

جسر التواصل28 يناير 2022آخر تحديث :
“المرأة التي رممت شظايا رجل الأيام والليالي بدونها “الجزء الأول “الفصل الخامس “- المجلس الأعلى والأنا الأعلى فالأدنى- للكاتب والصحفي الكبير عزوز شخمان

جسر التواصل : خص الكاتب والصحفي الكبير عزوز شخمان جسر التواصل بروايته العميقة ” المرأة التي رممت شظايا رجل الأيام والليالي بدونها” وجسر التواصل اذ تقدمها للقارئ فانها تقدم عملا روائيا متميزا للاستاذ عزوز شخمان الذي قضى سنوات طويلة في العمل الصحفي ما بين صحافة مكتوبة ومسموعة وكان له حضور بارز في الاعلام الرياضي المغربي والعربي …

عزوز شخمان

                                                                        (20)
وسط أمواج المشاعر والهواجس التي يلطم بعضها بعضا تناهى الى سمعي أصوات ارتطام على الأرض بينما كنت غارقا في أفكاري. قمت من مكاني متفقدا مصدر الأصوات والحركة. كان الأمر يتعلق بسقوط كتاب ما من أحد رفوف المكتبة. وفي المطبخ وجدت كؤوسا وصحون متزاحمة فيما بينها في شبكة الأدوات المنزلية ولسبب ما وقعت حركة سقوط لبعض الصحون والكؤوس. لا حاجة بي لأخبركم عن كان وقع السقطتين شديدا على نفسي خصوصا أنهما كانتا شبه متزامنتين. أصبت بغير قليل من الفزع بعدما انتقلت بشكل صادم من عالم الأفكار والتأملات الى ضوضاء الواقع. تحاملت على نفسي وحاولت قهر شعوري الغريزي بالذعر. كنت أدرك في قرارة نفسي أنها مسالة قرار وإرادة أكثر منها شجاعة أو تهور. الأمر أقرب ما يكون بقرار الارتماء في مياه النهر لتعلم السباحة.. إنه نوع من التعامل مع المجهول من خلال مجابهته. هذا كل ما في الامر. بالفعل ما إن تغلبت على خوفي الغريزي حتى تجاوزت الخطوة الأهم وهي الخطوة الأولى. وبعدها وقفت على الحقيقة. حقيقة تساوت معها خيبتي مع طمأنينتي. فلم أجد ما يبعث على الخشية. فقلت مع نفسي. ما وقع قبل قليل يمكن أن يحدث في إطار الواقع الطبيعي الفيزيائي ولا دخل فيه للماورائيات. هذا ما دفعني الى التفكر في مفهوم وقانون الحركة وعلاقتها بالمادة. فلا يمكن ان تتحرك كتلة مادية جامدة مثل صخرة أو صحن او طاولة من مكانها ما لم تحركها قوة او طاقة او عوامل محركة خارجية وطبيعية تخضع لقوانين الفيزياء والحركة. كأن تقوم الرياح وأخواتها بتحريك الأشياء الجامدة والصلبة حسب قوة وطاقة وسرعة الهبوب. وهذا ما يقع أيضا للأشجار والنباتات والمياه في الأنهار والبحار حيث الأمواج والدوامات الهوائية والمائية تتفاعل وفق حركات داخلية جوفية او خارجية دوامية وربما تتعداها الى ارتدادات طاقية دوامية معاكسة كطاقة مضادة للجاذبية وهي التي تقاوم الجاذبية وتندفع في خلق حركات سريعة وقياسية بسرعة الصوت والضوء واحيانا تفوقهما مع احتمال وجود طاقات ضوئية وارتدادات صوتية واعية هي التي تجسدها الكينونات الغامضة التي تتداخل أحيانا وتتشابك مع افكارنا ومشاعرنا فتختلط مع ارواحنا وذواتنا الاثيرية فنفقد معها بوصلة الواقع المادي كما فهمناه وخبرناه. وما كل ما تعلمناه من مدارس الدجل له المصداقية العلمية والعملية المطلقة. ثم تذكرت أنني وجدتني مرة، أمشي في صحراء مقفرة وموحشة كثبانها الرملية الضخمة هي كل معالمها. وكلما تحركت كانت الكثبان تتحرك. وكلما رميت بخطواتي غوصا في رملها الا ووجدت صعوبة في انتزاع قدماي. ظلت الرمال تتحرك تحت قدمي وكأنها مياه جارية. وكلما رميت بنظري في كل اتجاه الا ورأيت الكثبان تمر مر السحاب وتتلوى كأفعى عملاقة على يميني وشمالي. ثم اذا بها تنخفض بسرعات قياسية وتتحول الى تشكيلات غرائبية مدهشة. كنت وحيدا في تلك الصحراء الخالية اراقب المشاهد بانبهار وتوجس. كان شعور الوحدة يتضاعف كلما تقدمت في سيري. هنالك بالضبط حدث اللامتوقع. كلمح بالبصر ومن قلب الفراغ واللاشيء تراءت لي صحون طائرة تتراقص امامي وتقترب نحوي ثم إذا بها تتراجع الى الأفق البعيد. من خلف تلك الصحون والأجسام الصلبة المتقطعة الأضواء تراءى لي سرب من الاباريق والطناجر والكؤوس والملاعق والسكاكين تتطاير وتحلق بسرعات مختلفة في مشاهد لم أر مثيلا لها من قبل. ولكي يزداد المنظر غرابة وغموضا تهيأ لي أنني أرى ماعزا أليفا يطير في الأفق وثغائها يملا الأفق، تليها قطعان بيضاء كثيرة من النعاج المتحولة والمعدلة وراثيا تردد الأناشيد، ومن خلفها مباشرة اعدادا هائلة من الإبر وأدوات التلقيح تطارد مؤخراتها وتلسعها لسعا كأنها اسراب من البعوض التكنولوجي والجراثيم المضخمة والمخلقة. ظلت الأصوات تزداد ارتفاعا، تكاد تمزق طبلة أذني. في لحظة جنونية ظننت أن كل هاته القطعان تتقصدني وهي على وشك الاصطدام بي فما كان مني الا ان حاولت التراجع الى الوراء لكن قدماي كانتا غائصتين في الرمال المتحركة فأدركت ان نهايتي وشيكة كان أطلقت صرخة مكتومة وأغمضت عيني. وحين فتحتهما رفعت رأسي اكتشفت أنني وسط البيت والساعة الحائطية أمامي تشير الى الثالثة صباحا. كنت ممددا على الكرسي من وراء المكتب وأمامي عدة دفاتر واوراق، واقلام كثيرة، وعناوين غريبة، ومثيرة. فبسملت وحوقلت وأدركت انها لم تكن سوى واحدة من تلك الاحلام الغريبة التي صارت تنتابني بكثرة وتجعلني أعيش تفاصيلها وكأنها الواقع الحقيقي مغلف في حلم طويل شبيه بالكابوس يدعوه البعض بالعصر الجديد او النظام الكوني الجديد ويسميه آخرون عصر نهاية الزمان وأسميه أنا نهاية ما تبقى من الانسان.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

Views: 11

الاخبار العاجلة