جسر التواصل : خص الكاتب والصحفي الكبير عزوز شخمان جسر التواصل بروايته العميقة ” المرأة التي رممت شظايا رجل الأيام والليالي بدونها” وجسر التواصل اذ تقدمها للقارئ فانها تقدم عملا روائيا متميزا للاستاذ عزوز شخمان الذي قضى سنوات طويلة في العمل الصحفي ما بين صحافة مكتوبة ومسموعة وكان له حضور بارز في الاعلام الرياضي المغربي والعربي …
عزوز شخمان
(10)
عدت قبل قليل من جولة المشي الصباحية التي تعودت أن أصاحبها فيه. عندما صارت ملزمة بالمشي المنتظم يوميا في السنة الماضية، كانت تستعد لأجراء عملية جراحية لاستئصال المريء أو المرارة (بالشدة) باللهجة المحلية المغربية. وقد خضعت لها بالفعل في شهر ابريل المنصرم. المرارة (بدون شدة هذه المرة) هي مذاق لاذع يعكس طعم المعاناة الذي تذوقناه سويا لمدة طويلة وخاصة هي. لأنني كنت أمنحها أحيانا بعضا من نصيبي من هذه المرارة التي تحولت الى مرارتين. لم يكن غريبا عليها أن تخضع في الأخير لعملية جراحية لاستئصال هذه المرارة بكلتا معنييها دفعة واحدة. ولعلها واحدة من حسنات قدوم العام الجديد 2019 النادرة رغم أن شهوره الأولى كانت أشد نقمة ووبالا على كلينا من باقي السنوات السبع الشداد. من حسناته أن مرضها وحالتها الصحية والمعنوية جعلتني أستفيق من غيبوبتي وأنفض عن ذهني ونفسي غبار سنين الوهم والغفلة المتراكمين. أصبحت أنظر بنظرة جديدة لهذه الانسانة النبيلة التي رافقتني في سرائي وضرائي طول هذه المدة فيما كنت أنا (صاحب الظل الوقح) أظهر واختفي في مسراتها ومضراتها، بذريعة انهماكي في مهنة سخافة العصر الحديث، التي ابتلعتني وابتلعت معها فطرتي وانسانيتي. هذه المهنة التي صرت أنعتها بمهنة السخافة والتطبيل والتضليل. أدركت الآن ما فشلت في ادراكه من قبل، وتمكنت من فك لغز طالما حيرني. فقد كنت أسعى الى العثور على مفتاح او محور أبني حوله روايتي الأولى والأخيرة. رواية أتوج بها رحلة عمر طويلة من الهباء والغباء. رحلة متشظية الأجزاء والفواصل. شظاياها شتات متناثر متنافر لكنه حاد الملمس وجارح النتوءات. هو سقط من الأحداث والوقائع والشخوص والصدف المتنافرة، والأفكار المشتبكة والمتشابكة، غير أنني هنا والآن، أجدني ألامس الحل الأمثل. نعم انها هي. ومن سواها؟ إنها هي مفتاح الرواية، بل إنها أصل الرواية وبطلتها والمؤثرة الأساسية على سير احداثها وتطوراتها والناسجة لحبكتها. أجل هي، وليس أحد آخر غيرها، حتى لو كنت أنا. فأنا (صاحب الظل الوقح) ظللت منغمسا في غفلتي وغطرستي مصدقا نفسي وظلي بانه لا أحد غيري يستحق البطولة المطلقة. عندما يتعلق الأمر بسيرة حياتي. فمن تراه ينازعني في حقوقي وملكيتي الحصرية؟ من ينافسني في استحقاقي دور البطولة في تأثيث الوقائع على هواي، واستعراض أمجادي الزائفة، وانجازاتي التافهة؟ من حسن حظي أنني اكتشفت في اللحظة الأخيرة قبل فوات الأوان شأني شأن أولئك البلهاء من حاملي الرتب العالية الذين يتسابقون لتوشيح صدورهم بالنياشين الفخرية تتقدمهم بطونهم المنتفخة. في هذا اليوم الاستثنائي تمكنت من الجمع بين فجرين. من الفجر الى الفجر. وعلى امتداد هذا الزمن الفريد عاينت حدثا كونيا نادرا قلما يحظى به إنسان ويستوعبه على حقيقته. لقد واكبت تعاقب الليل والنهار مرتين متتاليين. تابعت بروز الخيط الأبيض من الأسود من الليل، والخيط الأسود من الخيط الأبيض من النهار. وهاهي عقارب الساعة تدنو من الساعة الثامنة صباحا. وقد بدأت حركة السكان تتصاعد ضجتها من حولي شيئا فشيئا ممتزجة بتغاريد الطيور وهي تتحلق حول وجبة الفطور. الوجبة التي من إعدادها.
ها هو النوم يداعب جفوني وأنا اغالبه في انتظار رنين الهاتف الذي سيحمل صوتها ويعلن عن وصولها. ما أصعب الانتظار. هل وصلت أم لم تصل بعد؟ هل ستتصل هذه المرة كما تعودت أن تفعل في أسفار مماثلة. كانت تداوم على الاتصال مباشرة بعد الوصول فيما كنت في الغالب إما غارقا في نومي المتقطع أو منغمسا في غيبوبتي الوجودية. وكانت أحيانا تلح في الاتصال حتى أجيبها من وراء السماعة على الطرف الآخر لتقول لي: ها أنذا قد وصلت بحمد الله. كنت أتلقى النبأ باستخفاف. كنت أعتبره أمرا عاديا. وكنت أتفاجأ من إلحاحها وعن خبارها لي بوصولها. كان كل ذلك عاديا بالنسبة لي قبل اليوم. أما الآن فلا. الأمر مختلف هذه المرة. لا أدري كيف أعبر عن ذلك؟ بدأت أرى الأمور بمنظور جديد. هل انكشف الغطاء وزال الغبش؟ الحقيقة الصارخة هي أنني أنا الذي لست عاديا ولم أكن طبيعيا أو واقعيا في تصرفاتي وردود أفعالي. كنت بالأحرى أقل منى عادي واقل من مستوى تلك اللحظات. أنا هنا أتحدث بشفافية لا مراء فيها ودون ادعاء. فلست من هواة جلد الذات وتقريعها مجانا. بل أصبحت ملتزما بمنهاجي الجديد الذي دأبت على تطبيقه منذ مدة، عندما قررت مسح تاريخي الشخصي والاجتماعي. وكنس كل تراكماته المزيفة والمليئة بالمغالطات مع النفس ومع الغير. مسحت معه كل ما رافقه وأحاط به، وبي، من ذوي المشاعر الزائفة المسطحة، وكل الأغاليط البشرية والاجتماعية المواكبة. لم تكن المهمة سهلة أو مستساغة. لكنني شرعت في التحرر منها ومنة أثقال نفسي، ومن سيطرة ظلي الثقيل. أصبحت متفرغا لإكمال الرواية بعدما نجحت في العثور على أهم عناصرها. الشخصية الرئيسية أو البطلة. نعم إنها هي ولست أنا؟
لكنها لم تتصل بعد. والهاتف لم يرن. والنوم يهاجمني ويغالبني. وفي اية لحظة سيبتلعني. لا شك ان النوم قادم وأنا أغادر. ها هو القلم يكاد يسقط من بين أصابعي. والساعة تشير الى التاسعة صباحا بتوقيت واشنطن العاصمة. فمتى ستتصل؟
Views: 13
























