جسر التواصل : خص الكاتب والصحفي الكبير الاستاذ عزوز شخمان جسر التواصل بفصول من روايته الرائعة “بهلوان الَكراج ” وجسر التواصل اذ تقدمها للقارئ فانها تقدم عملا روائيا متميزا للاستاذ عزوز شخمان الذي قضى سنوات طويلة في العمل الصحفي ما بين صحافة مكتوبة ومسموعة وكان له حضور بارز في الاعلام الرياضي المغربي والعربي …
عزوز شخمان

(4)
ناموس الأزمنة
أولئك الذين لم يجرؤوا على مغادرة قارعات الطرق وأرصفة الانتظار صاروا مستهدفين بطوابير الحشر التي أمست طلائعها في الأفق بادية للعيان.. ومن خلالها ثمة طوابير زاحفة.. تبدو -لمن لازال بوسعه الرؤية- على هيئة بروفة مماثلة ليوم الحشر. إنها سُنة التعاقب والتداول في سيرورة المراحل وحتميات ما بعد الانتظار.
18
هل صحيح أن كل من على سطح الأرض من أمم وحضارات وكائنات وعمران وأعمال وأحداث إلا ولها نسخ موازية في الجوف؟ وهل هي نسخ معدلة ومنقحة؟ أم هي أكثر شفافية؟ وإلى أين تمتد جذور وظلال الحضارات والأمم، بكل أفعالها، وانفعالاتها، وأفكارها، وعواطفها؟ هل حقا تنعكس بأشكال وأرواح وأصداء مختلفة تحكمها قوانين مغايرة وطباع متناقضة متنافرة؟
هكذا كنت أحدث نفسي وأتساءل كواحد من أشباه “سفاسفة” آخر الزمان، وأنا أتأهب لإنهاء نوبتي الليلية في ثالث أيام العمل. كانت الساعة تشير إلى الثالثة بعد منتصف الليل-دائما وأبدا- وأنا في أقصى درجات الوحدة والعزلة واليأس. في الحقيقة لم أكن لوحدي تماما فقد كانت هنالك عشرات من الكينونات اللامرئية التي تتحلق من حولي وتحدق في وجهي، بل وتحصي كل حركاتي وسكناتي وكنت -كالعادة -لا ألقي لها بالا ولا أعبأ بها إطلاقا ولا بمحاولاتها السخيفة لإفزاعي أو إرباكي! كنت أدعي جهلي التام بوجودها بينما أسخر منها في سري وهذا ما كان يزعجها فترتد خائبة مترددة، وتختفي في ثنايا الظلمة أو تحت عجلات السيارات المركونة في زوايا المرأب. ما كنت أنتظره بالمقابل، وأتوق إليه كان أمرا آخر. ثمة طائف مختلف وغامض لا يحل بالمكان قبل ان تسبقه الدوامة و”بوتقة الرؤى” وكانت هذه البوتقة الدوامية هي وسيلتي المثلى لعبور الضفة الأخرى من الملكوت البرزخي المجهول. كانت تقودني حيثما ترغب أفكاري وأحلامي وتخيلاتي، لا ما تقترحه علي مشاعري السفلى المسكونة بأشباح الطفولة المبهمة وهواجس النفس المكلومة والمفطورة على غزوات كينونات الظلام. كنت أدرك أنني على موعد مع رحلة جديدة ومجهولة، وسوف لن تمر إلا هنيهات حتى أجد نفسي ممتطيا رياح الدجى الموجية بذبذباتها “الجوف-مغنطيسية” صوب المدن الخلفية القابعة ما وراء عالم الزيف والضلال. ذلك ما تحقق بأسرع مما توقعت. ففي اللحظة الموالية كنت أشرف على مدينة غريبة وفاتنة، أضواءها متلألئة، حمراء فاقعة، ثم زرقاء آسرة. أصداء موسيقاها جاذبة، ومزيج من الغناء والثغاء ينبعث صداه ويطرق مسمعي وأنا على مسيرة أميال. جذبتي الاجواء الصاخبة ولم أستطع مقاومة فضولي وشغفي السابق بالحياة، فانحدرت مسرعا نحو تلك الاضاءات الخافتة والهمسات المغوية والهمهمات المتلاحقة. ويا ليتني ما فعلت! لقد أصابت تلك الأجواء الهفيفة شظية من شظايا ذاكرتي، ونقلتني رغما عني الى أجواء من مشاهد شبيبتي.
شققت طريقي متحمسا، وبينما كنت أهم بالغوص والاندلاق في ثنايا الحشود المتراقصة انبرى نحوي “ظلي الوقح” مذكرا ومحذرا:
لا تنسى أنك مقبل مجددا على اللقاء بخطاياك السابقة؟
أجبته مستنكرا:
ماذا تقصد بالضبط؟ أمنياتي المحققة منها والضائعة؟ أم إنجازات أهوائي الجامحة؟
قال لي حانقا وهو يقودني نحو الجموع الهائجة:
بل إنك على موعد مع نتائج أوهامك، وعواقب أمنياتك البائسة.
اخترقت سبيلي، مستصغرا ما سمعته، مهونا على نفسي، ومرددا في سري…
لم تكن أحلامي بذلك السوء… مجرد أمنيات في العشق والشهرة والمال والنفوذ أدركت بعضا منها بكدي واجتهادي، حتى وإن لم يكن نصيبي منها بتلك الوفرة المنشودة.
عندما انتبهت لنفسي وأنا وسط الجموع تفاجأت باختفاء أصوات الموسيقى الصاخبة والغناء فيما كانت الخلائق والكائنات تتدافع أمامي ومن حولي نحو باب صغير بعيد، والكل يتسابق للوصول اليه قبل الآخرين. فالتفت وسألت الذي بجواري:
ما الذي يحدث هنا؟ وما سبب انقطاع أصداء الموسيقى الاحتفالية؟
نظر الى نظرات متهكمة ساخرة…
أنت أيضا ابتلعت الطعم؟ ليست تلك الأصداء التي تناهت الى خيالك سوى سراب الحقيقة وشظايا وقائع لملمتها الذاكرة. تلك من جذبك الى هنا وقادك الى حيث المحاسبة والمحاكمة وكلنا حتما سيؤدي الثمن؟
سألته مستنكرا ومتوجسا
ماذا تقول يا هذا أبهذه السرعة باغتنا يوم الحشر والحساب؟
لا.! ذاك يوم مشهود لا قبل لنا به، ولا علم لي بموعده. هذا مجرد يوم الأخطاء والفلتات الصغيرة، يُمتحن فيه أولئك الذين لازالت لديهم ذرة من ضمير وفرصة لاستدراك ما فات. هذا على كل حال هو الخبر الجيد.. أما يوم الخطايا والحساب فعلمه عند الله وأهواله توازي ثقل ما اقترفناه خلال حياتنا فوق السطح.
ما أن انتهى من كلامه حتى وجدتني أتفرس في عينيه مستغربا، مستقصيا قصده ومراميه.. اجتاحني إحساس غريب بأنني أعرف هذا الشخص… كان يشبهني بشكل لا يصدق ثم سرعان ما اختفت ملامحه وتلاشت. لم يبق منها سوى أصوات صاخبة يضج بها عقلي، فيما كانت هواجسي تتراكم على صدري فتوشك أن تخنق أنفاسي. أخذت أغالب حيرتي، وتلفت من حولي صائحا باحثا متسائلا في هستيريا متواصلة:
من أنت؟ ومن أنا؟ وأين نحن؟ ومن هؤلاء؟
انبلج صوت هامس من داخل رأسي يقول لي
اهدأ يا هذا! لا تفضح نفسك.. ولا تفضحنا! ما أنا سوى قرينك وشريكك. ومصيري هو مصيرك…في كل ما اقترفته واقترفناه معا. عليك أن تساندني لأسندك. وإياك أن تغدر بي. إن فكرت في توريطي فاعلم بأنني أول من سيورطك.
Views: 6
























