جسر التواصل : خص الكاتب والصحفي الكبير الاستاذ عزوز شخمان جسر التواصل بفصول من روايته الرائعة “بهلوان الَكراج ” وجسر التواصل اذ تقدمها للقارئ فانها تقدم عملا روائيا متميزا للاستاذ عزوز شخمان الذي قضى سنوات طويلة في العمل الصحفي ما بين صحافة مكتوبة ومسموعة وكان له حضور بارز في الاعلام الرياضي المغربي والعربي …
عزوز شخمان

مدينة الصعاليك والرعاع
16
كنت أجاهد نفسي لكنس الطابقين الرابع أو الخامس في قعر الكراج، وكانت الساعة تشير الى الثالثة بعد منتصف الليل.! كنت وحيدا كالعادة! وكان علي أن أتخلص من كل نفايات وقاذورات من صرت أنعتهم في خيالي بالصعاليك والرعاع… أولئك الذين يتركون المراحيض في علبتهم الليلية التي يسهرون فيها ويعربدون إلى وقت متأخرا ثم لا يحلو لهم التبول ورمي بقايا طعامهم ونفاياتهم سوي في قعر هذه البقعة الجوفية. كنت أدرك أن لا مجال لتصويب الوضع فقد كان أغلبهم يختبئ من عين كاميرا الدجال -أو الديجيتال لا فرق- ويفرغون حمولتهم الزائدة من الكحوليات محصنين بالعبارة التاريخية (الزبون دائما على حق). والواقع أن الزبون يكون دائما على حق في إمبراطورية المقاولة الأخطبوط، حتى لو تبول عليك. أليست نفسها عبارة “خدمة الزبون” هي اليافطة المقدسة الرئيسية التي بنت عليها المصفوفة أمجادها الاقتصادية؟ كانت هذه الأفكار تطوف بذهني الشارد المشتت وأنا أكد في الكنس وأجد، اجتهادا لم توازيه إلا لعناتي التي أخذتُ أصبها وأوزعها يمينا ويسارا بكل شفافية وديموقراطية -وروح رياضية- على كل من كان يتبادر طيفه إلى ذهني في تلك اللحظات الفارقة. لم أكن لأميز فيها بين أمير أو حمير، ولا بين شرق أو غرب.. ولا بين ليبرالي أو اشتراكي، ولا شيوعي أو ديموقراطين ولا ثيوقراطي أو علماني.. حداثي كان أم رجعي.. كلهم صاروا سواسية في تلك اللحظة الجوفية المفصلية.. لم أفكر في التمييز فيما بينهم لا على أساس عرق، ولا لون، ولا لغة أو إيديولوجيا. لم تكن تلك من طبيعتي على أية حال.. كنت منسجما تماما مع روح الدساتير التي بنيت عليها أعرق ديموقراطيات العهد الجديد.
استمريت في صب لعناتي هكذا حتى استنزفت مخزوني من الشتائم… وفجأة خيل لي كأنني ألمح بابا جانبيا صغيرا لم يسبق لي رؤيته من قبل. اقتربت منه ودفعته قليلا يتآكلني الفضول! وإذا بالباب ينفتح على مصراعيه على ساحة واسعة وعريضة، ومن فوق رأيت لافتة عريضة مكتوب عليها: مدينة الصعاليك والرعاع. تقدمت في البداية بحذر لكنني آنست أجواء ووجوها مألوفة فنسيت نفسي وانخرطت مع الجموع… كانت معظم الوجوه التي أصادفها وجوها لأشخاص خبرتهم جيدا في حياتي السابقة على السطح. كان منهم حكام وأمراء ووزراء ومدراء وأعيان ووجهاء ورجال أعمال (لطالما كانت لدي حساسية خاصة مع هذا الصنف من المهن). كانوا باختصار صفوة مجتمعاتهم السطحية وأصحاب اليد الطولى، والكلمة العليا والنافذة. كان من بينهم أيضا مشاهير من عالم الفن و”العفن أيضا” و”الرياضة و”التدجين والترويض” و”الإعلام و”التعتيم” وصفوة المجتمع المخملي (الذين يخملون كل شيء)، ثم عدد لا يحصى من المحامين والقضاة واللصوص “القانونيين” و”ضباع” المثقفين والإع “لاميين” المدمنين على التحلق حول الموائد، وكذا “بعض” الأوغاد من المعارف والأقارب الذين لم استسغ مبررات وجودهم هنا وسط هذا الحشد غير المتجانس الذي ظل يتدافع أمامي مثل كتلة لزجة من الديدان…
ما الذي جاء بكل هذه الزمرة من الأفاقين إلى قعر هذا الكراج؟ أقصد هذا القعر من أسفل سافلين؟ أهذا هو مكانهم الطبيعي؟ أو بالأحرى مصيرهم؟ فما الذي طوح بهم من أعالي أبراجهم إلى قاع المدينة الحقيرة الملآى بالصعاليك والرعاع؟ متى يستحيون من حضورهم في هذا الحضيض الوجودي؟
لا شك أن وراء كل واحد منهم قصة وسبب؟
هكذا جاءني الرد من حيث لا أدري ولم يكن يهمني… واصلت الإصغاء إلى ما يقوله ظلي الخفي:
قد لا يكفيك عمرك كله كي تقف على حكاياتهم ومآسيهم! وإذا لم تصدقني فما عليك سوى النظر الى نموذج واحد منهم.
قلبت نظراتي بين أول فوج من أفواجهم، وكانوا قرب بوابة العار. فتعرفت عليهم من فوري، كانوا هم أنفسهم عما عهدتهم في مدائن السطح. أولئك الحفاة العراة الذين اعتادوا ان يلبسوا للناس جلود الضأن من اللين، كانت ألسنتهم أحلى من السكر وقلوبهم كقلوب الذئاب. كانوا يعربدون أمامي الآن في هذه الساحة الملعونة يكادون لا يختلفون في صورهم وأحوالهم هنا عما كانوا عليه هناك… كانوا أشبه بالشياطين التي ما فتئت تؤثث كوابيسي الليلية والنهارية على السواء. أدرت وجهي إلى الناحية الأخرى حيث المنطقة الحميمية فراعني حدة النظرات التي لم تزل تتميز غيظا مما تبقى في حوزتي من شظايا كبرياء منتهي الصلاحية! سارعت إلى الالتفات نحو ظلي وأنا أغالب قرفي واشمئزازي ثم بصقت على الأرض المجوفة مرددا في سري:
لم تعد لي حاجة ولا رغبة في معرفة المزيد من هذه النماذج من الرعاع الذين يتسكعون في هذه المدينة البئيسة المنكوسة! خيرا لي ألف مرة العودة إلى طباق الكراج السبع واستئناف ما ينتظرني هناك من كنس “لفضلات” الرعاع الآخرين الذين لا يقلون عن هؤلاء عربدة وصعلكة وإن كانوا لا يضارعونهم خساسة!
Views: 9
























