-“بهلوان الَكراج “خسف أسفل سافلين – ” الحلقة الثالثة ” بعنوان -المتاهة – رواية لعزوز شخمان

جسر التواصل29 نوفمبر 2021آخر تحديث :
-“بهلوان الَكراج “خسف أسفل سافلين – ” الحلقة الثالثة ” بعنوان -المتاهة – رواية لعزوز شخمان

جسر التواصل : خص الكاتب والصحفي الكبير الاستاذ عزوز شخمان جسر التواصل بفصول من روايته الرائعة “بهلوان الَكراج ” وجسر التواصل اذ تقدمها للقارئ فانها تقدم عملا روائيا متميزا للاستاذ عزوز شخمان الذي قضى سنوات طويلة في العمل الصحفي ما بين صحافة مكتوبة ومسموعة وكان له حضور بارز في الاعلام الرياضي المغربي والعربي …

عزوز شخمان

المتاهة

1

ثمة أرض مجهولة من الأرضين في قاع أسفل “سافلين” قضيت بها مدة أعجز عن تحديدها بمقاييس الزمن المعتاد. ولو أني أخالها كالسنوات الشداد العجاف. جرفتني رياحها وأرواحها في عمق المتاهة وألقت بي وسط الكينونات المختلفة من ظلال وكائنات لا تسكن سوى في المرايا العاكسة للحياة المفترى عليها. اخترقت مرايا أخرى معاكسة.. ثم توغلت في المنافي والفيافي. سابقت خلالها أفكاري فبارزتني هواجسي وخاصمت مشاعري فطاوعتني لواعجي ولما قارعت مبادئي انشطرت عني أجزاء من كينونتي راكضة بوجودها الشفاف صوب السراديب والتجاويف المنحدرة نحو القاع. وفي أشد المواقف وحشة ورهبة واجهت أهوال نفسي وعندها التقت كهولتي بطفولتي وتسامرت مع شبابي ثم هبوا نحوي متآمرين متشاجرين وكنت الشاهد الوحيد. كانت تتراءى لي كأنها الحاضر المتجمد والممتد إلى ما لا نهاية والواقع الأكثر سطوعا من شمسه المشرقة. أما شموس الجوف فلم تكن سوى قناديل خافتة موغلة في الغموض مكنتني من تفحص عري المولود الذي صرته وسط المخلوقات الشفافة التي كشفت لي بعضا من أسرارها قبل أن تمهد لي سبيلا للعودة صوب نفق الخروج.

أعترف بأنني كنت في غفلة.. اعتقدتها غفوة.. ولما فتحت عيني وحاولت النهوض لم أستطع فدخلت في نومة جديدة لا أدري كم طالت. ثم فتحت عيني مرة أخرى لأجد نفسي شخصا آخر منفيا في حياة أخرى عاجزا عن كل حركة أو تفكير أو نوم. كانت حياة أشبه بالغيبوبة. لما استيقظت منها أخيرا أدركت أنني استرجعت وعيي السابق كاملا ومعه وعي جديد.. فخلتها يقظتي الكبرى! كل شيء بدا لي مختلفا هذه المرة. الناس والواقع والعالم بكل ما يحتويه. استنشقت هواء جديدا محملا بالوعي الجديد وبأحاسيس مثيرة. لقد أصبحت أرى الأشياء بصورة مختلفة كما لم أكن أراها من قبل، بل لم أكن أتصور أن ذلك قد يحصل معي. أدركت -بشكل ما- أنني أصبحت مختلفا عما كنته في السابق فأيقنت ألا رجوع إلى الوراء ولا جدوى من تفكيك خيوط الأزمان المتشابكة في ذاكرتي ولا في تقليب المواجع الراكدة في وجداني. ما صرت أراه وأستوعبه الآن لم يعد لي الحق في تجاهله أو مواصلة نكرانه. أدركت أيضا أن الغيبوبة دامت لسنوات طويلة وأن الصحوة جاءت متأخرة وربما لن تدوم طويلا. لكنها على الأقل أصبحت قائمة.. ومن خلالها طفوت من جديد لأقول كلمتي الأخيرة. هذا كل ما تبقى لي من وجودي.. وما حملته معي من رحلتي من هنالك!

2

في واحدة من مراحل طفولتي الهائجة كنت دائم التفكير والبحث داخل شرنقة الخيال عن سرداب سري يقود إلى عالم عجائبي في جوف الأرض ومن خلال إحساس فطري متجذر ظل العالم الخارجي -الذي لم أكن قد اختبرته بعد-يتشكل في ذهني كمنظومة متكتلة وغامضة تتحكم فيها كائنات مجهولة كنت أحسبها خليطا من كل ما يخطر على البال من وحوش وزواحف سفلية وعفاريت أنصاف إنسية وجنية. دفعني خيالي الخصب والناشئ إلى اعتبار انزواءهم في الخفاء واختباءهم من وراء الستار كأسلوب حياة يضاعف من قوتهم وخطورتهم. كنت أستبعد أن يكونوا آدميين فقط. كان يتهيأ لي أنهم يكمنون في السراديب الجوفية تحت الأرض عن قصد ويتحينون الفرصة للطفو إلى السطح واجتياح الأرض بمن عليها. ومن خلال سراديب أحلامي كنت أراهم يهيؤون أقفاصا حديدية بلا حصر يحتجزون فيها كثيرا من الخلائق. وكان يبدو لي أن معظم الضحايا المختطفين من الأطفال الصغار والبسطاء من الناس خصوصا أولئك المفرطين في طيبوبتهم مثل أبناء حارتي. ومع بداية احتكاكي بالعالم الخارجي صرت أكثر اقتناعا بأنني لابد وأن أصادف أحدهم يوما ما متخفيا بهيئة آدمية.

لا أتذكر كيف تشكلت لدي تلك القناعة الغامضة الأخرى بأن أشرس معاركي ومعضلاتي سوف تكون مرتبطة بهؤلاء وأولئك. وظللت لزمن طويل مترقبا ظهور تلك المسوخ الى السطح وكشفها لأقنعتها تماما كما كان يحدثني خيالي الجامح الذي كانت تؤثثه وتغذيه مجموعة من الكوابيس والرؤى ظلت تطاردني في فترات متقطعة من طفولتي.

3

أجل كنت في غفلة أعقبتها نومة ثم انتابتني غيبوبة. بعدها جاءت الصحوة.. كانت شيئا مختلفا عما قبلها. شيء انساب من العمق في خفاء.. كالسر أو النية.. بين الظن والاعتقاد بين الشك والتوجس. شيء معقد متشابك. تعقيداته في تجويفاته وليس في الأفكار والمشاعر فحسب. شيء بلا سطح ولا مظاهر. ليست له خريطة أو بوصلة لكن ثمة مخلوقات بعينها لها دراية بمداخله ومغاراته منها أنواع من الصراصير النطاطة والزواحف ومنها أيضا أرواح وظلال ومردة وسحرة من أبالسة الثقلين. كان أقرب نموذج للعالم الداخلي المجوف الذي طالما استحوذ على كياني هو نفسه الكراج الذي ارتبطت به لمدة وجيزة أثناء وصولي إلى بلاد الشاطئين “الشرقي والغربي” قبل أن أطرد منه سريعا بحجة مخالفة القواعد واقتراف جملة من الأخطاء المهنية الجسيمة من قبيل مقاومة محاولات الزبائن المتنمرين “التغوط” على رأسي بذريعة أن الزبون دائما على صواب وما على ممتهني خدمة الزبائن (من أمثالي) إلا الهش والبش في وجوههم والقيام بحركات بهلوانية سخيفة لنيل رضاهم مهما كانت الظروف والمواقف.. ومع الأسف لم أكن من هذا الصنف. أما الخطأ الثاني فقد تمثل في رفضي المتكرر ارتداء اللباس الموحد -في الحقيقة كنت أنزعه بين الفينة والأخرى-إظهارا لتمردي على أسلوب النمطية المهنية حتى في اللباس. ثم السبب الثالث وربما الأهم إصراري على حمل واحدة من تلك الكتب الغريبة التي استحوذت على عقلي والتي كنت أحرص على حملها معي أينما حللت وارتحلت حتى الى أماكن العمل وقراءتها خلسة كلما استطعت الى ذلك سبيلا.! والواقع أن أغلب من صادفتهم كانوا ينظرون الي نظرات شك وريبة وكأنني أحمل مسدسا أو إحدى المواد الممنوعة، حتى أن أحد زملاء العمل نصحني ذات يوم قائلا:

لم لا تستعمل الأجهزة الإلكترونية الذكية كالهاتف المحمول فهي أقل لفتا للانتباه!

أجبته ببرود:

أمثالي لا تلائمهم القراءة سوى في الكتب الورقية التقليدية. وكما ترى فأنا أنتمي إلى النسخة القديمة من الجيل البشري الآيل إلى الانقراض!

مهما يكن من أمر فاليوم هو يومي الأخير في كراج شارع القيامة بعاصمة بلاد الشاطئين، وهذا في حد ذاته الامر السار الوحيد الذي حظيت به منذ قدومي.. اليوم سيكون لي مطلق الحرية في التجول في كل طبقة من طبقاته السبع دون حسيب ولا رقيب. سأتصفح ما شئت من فصول الكتاب متى شئت وأينما شئت، بإمكاني أيضا نزع الزي الموحد الذي يميز المستخدم عن باقي البشر. كل هذه المكتسبات حظيت بها دفعة واحدة لسبب وحيد، كوني أقضي آخر أوقاتي في هذا العالم الجوفي العجيب. كنت ما أزال أستحضر ما قاله لي “المندجر” بنبرة أسف احترافية لا تخلو من تشفي:

يؤسفني إخبارك بأن الإدارة المركزية للكراج قد قررت طردك من العمل بسبب إمعانك في مخالفة اللوائح…

أجبته على الفور:

لم لا تحتفظ بأسفك لنفسك وتكون أكثر صراحة! فلست أرى ما الذي قد يدعوك إلى الأسف؟

نظر الي بدهشة قريبة من البلاهة وقال بصوت متردد:

صدقني أنا فعلا حزين لأجلك. فأنا مثلك جئت مهاجرا الى أرض الأحلام من بلد بلا أحلام. لكنني كدحت طويلا حتى اندمجت في “المنظومة” واستوعبت كيفية عملها فارتقيت في دواليبها. هذا هو الفرق بيني وبينك. لا تستسلم. يوما ما ستندمج بدورك مع “السيستم” وستنجح.

نظرت إليه مليا لكن بريبة وأنا أقلب في ذهني مغزى عباراته. وعندما طال صمتي نظر الي نظرة ماكرة قائلا:

لا تنس بأنه يومك الأخير معنا. يمكنك العمل بحرية فلن اضايقك فيما تبقى لك من ساعات معنا شرط أن تظل بعيدا عن عيون نظرات كاميرات المراقبة… حذار.. إنها تراقب كل شيء؟

أجبته في سري..

“إذا كنت تقصد عين الدجال فاطمئن… الليلة ستكون لي معها جولة أخيرة وستكون دون شك شديدة علي وعلى أعدائي.

4

في حياة سابقة على السطح تعودت على قيادة أفكاري ومشاعري بالأسلوب الذي يقود به الراعي أغنامه. كنت أخرجها دائما من حظيرتها قبل كل طلوع شمس حتى قبل أن أستيقظ تماما من نومي. مضحيا ببقايا أحلامي فأهب مهرولا صوب المراعي تتبعني قطعاني.. كنت غالبا ما أشرد في سيري فأمضي قاطعا تلالا ووديانا ومرتفعات مجهولة من ذاكرتي لأستقر في مساحة معينة تختارها أغنامي بمزاجها وتبدأ في الرعي.. وكنت دائما ما أحمل معي عصاي وأهش بها على هواجسي. لكن عصاي لم تكن شبيهة بعصا موسى ولا حتى قريبة منها! بل لم يكن يميزها أي شيء عن عصا أي راع سوى كونها كانت لا مرئية تظهر وتختفي. لكن أفكاري كانت تراها دائما وتتفاعل مع حركاتها وسكناتها.. فتأتمر بأوامرها وتنتهي بنواهيها. وذات يوم استيقظت متأخرا على غير العادة عن الموعد الصباحي المعتاد فقفزت من فراشي فزعا بينما ضج رأسي بصراخ الأغنام المتضادة من داخل الحظيرة. كانت لحظة غريبة وفارقة كأنها بداية تمرد أو ثورة يتهيأ لها هذا القطيع من الأفكار الماشية. كانت صدمتي هائلة، وتساؤلاتي محيرة، ومشاعري تائهة ومحتارة، كيف يعقل أن يخرج قطيع الأغنام عن النظام المرسوم الذي عودته عليه كل هذه السنين؟ وماذا عن عصاي؟ أما عاد لها ما يكفي من سلطة وهيبة؟ تناولت العصا بسرعة واخذت أهش بها صارخا على قطيع الأفكار أحثه حثا على مغادرة الحظيرة صوب المراعي. بدأ. القطيع يتحرك بصعوبة بالغة، ولكن بغير انتظام وعلى غير هدى. وما إن بلغنا أولى التلال المؤدية الى الساحات المجهولة حتى بدأ الانفلات يدب في الصفوف.. قطعانا تتجه يمينا.. وأفكارا تقفز نحو اليسار. كانت حملان الهواجس ونعاجها هي الأقل فوضى والأشد حيرة وترددا أما أكبشها وأقرنها فكانت تنطلق بتحد وحرية داعية بقية القطيع لإعلان التمرد الصريح والانتشار في الفضاء الرحيب. بعد فترة من الارتباك والتردد قلت مع نفسي…لم علي أن أقمع هذا الحراك العفوي.. فأنا لست متأكدا من دواعيه وأسبابه! لم لا اتركهم يتفرقون ويأخذون حريتهم في الحركة والمبادرة؟ ولماذا كل هذه الخشية والتوجس و”الديكتاتورية”؟ أليسوا في الأخير مجرد قطيع منسجم من الأفكار قد ألف بعضهم بعضا.. فقد تآلفوا وتناسلوا وتوارثوا فيما بينهم طباعهم وصفاتهم الجينية المميزة؟ فلأدعهم وشأنهم فهم لن يتجاوزوا حدود المراعي فيما بين منحدرات الوادي ومرتفعات الهضاب والجبال إلى اقصى حدود السهول الفسيحة الممتدة نحو البحر.. ومهما غابوا واختفوا عن ناظري طوال الوقت فلا بد لهم من عودة في المساء! عندما بلغت هذه النقطة من التدبر واكتملت لدي القناعة قمت صوب العصا وحاولت تكسيرها والتخلص منها.. لكنها تلاشت عن ناظري -كأنها فهمت قصدي- ثم ظهرت فجأة بعيدا عن متناولي على ارتفاع بضعة أقدام من فوق رأسي. كانت على هيئة أخرى لم أعهدها عليها من قبل. تهيأ لي أنها قد أصبح لها جناحان ترفرف بهما ثم التفتت إلي وكأنها مالك الحزين وبادرتني مقهقه..

أخيرا استوعبت الدرس أيها الراعي العنيد! لقد انتهت مهمتك عند هذا الحد! ليس عليك بعد الآن أن تستيقظ كل صباح مفتتحا نهارك بالهرولة نحو المراعي المجهولة أو تعود عند كل غروب خائر القوى. بعد اليوم لن تكون لك أو لأغنامك حاجة إلى أو لسلطتي وتوجيهي!

كانت هذه آخر كلمات العصا قبل أن ترتفع محلقة وتختفي في الأفق متوهجة بخيوط الشمس التي اخترقت عيناي وحالت بيني وبين متابعة مشهد الوداع.

حينما حولت نظراتي صوب المراعي الممتدة قدامي ومن حولي كان قطيع الأفكار يواصل انطلاقه الدؤوب في كل اتجاه.. لكن حملان الهواجس صارت أقل حيرة والنعاج أقل ريبة والأكباش أقل حدة وصرت ممزقا بين الغبطة والخشية… فلقد أدركت أن ما آلت اليه الأمور سوف لن يمر دون عواقب وأنني أول من سيؤدي الثمن عاجلا أم آجلا. لم تكن هذه هي المرة الأولى.

Views: 15

الاخبار العاجلة